الاثنين 20 يناير 2020 11:11 ص

قبيل أيام من الذكرى التاسعة لثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، رفع النظام المصري حالة التأهب، أمنيا وإعلاميا؛ لإجهاض الدعوات المتداولة للنزول إلى الميادين، والتظاهر ضد نظام الرئيس "عبدالفتاح السيسي".

تبدو حالة التأهب واضحة للعيان، خاصة في العاصمة المصرية القاهرة، مع مخاوف واضحة لدى النظام من تكرار مظاهرات سبتمبر/أيلول الماضي، التي دعا إليها المقاول والفنان "محمد علي"، بعد كشفه وقائع فساد بمليارات الجنيهات في مؤسستي الرئاسة والجيش المصري.

ومما يزيد قلق الأمن المصري وجود تفاعل كبير مع عدد من الوسوم المناهضة للنظام على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد تصدر وسم "#نازلين_يوم25" قائمة الأكثر تداولاً على موقع "تويتر"، إضافة إلى وسم "#لساها_ثورة_يناير"، الذي جاء مصحوبا بصور وذكريات ميدان التحرير.

تمديد الطوارئ

واستباقا للذكرى التاسعة لثورة يناير، مدد "السيسي" حالة الطوارئ في جميع أرجاء البلاد، لمدة 3 أشهر جديدة، اعتباراً من الواحدة من صباح الإثنين 27 يناير/كانون الثاني الجاري، وذلك للمرة الثانية عشرة على التوالي.

ويخالف هذا الإجراء الدستور المصري، الذي قيد فرض حالة الطوارئ بمدة 6 أشهر كحد أقصى، لكن القرار المفروض منذ أبريل/نيسان 2017، يوشك أن يكمل عامه الثالث على التوالي.

وبموجب حالة الطوارئ، يحق للسلطات مراقبة الصحف ووسائل الاتصال ومصادرتها، وتوسيع صلاحيات الجيش والشرطة في الرقابة والاعتقالات، والإحالة إلى محاكم استثنائية وإخلاء بعض المناطق وفرض حظر التجوال والحراسة القضائية.

تجاهل إعلامي

وفي محاولة لتجاهل الذكرى، أعلنت الحكومة المصرية، 25 يناير/كانون الثاني (السبت المقبل) إجازة رسمية مدفوعة الأجر للقطاعين العام والخاص بمناسبة "عيد الشرطة"، دون أي ذكر للثورة المعترف بها ضمن مواد الدستور المصري.

وخلال الأسبوعين الماضيين، وضعت جميع القنوات المصرية الرسمية والخاصة، لوجو "عيد الشرطة"، أعلى شاشاتها، مع إبراز تغطية موسعة لنشاط الأجهزة الأمنية في مختلف القطاعات، وإطلاق مبادرة "كلنا واحد" التي تتبناها الوزارة لتوفير السلع الغذائية بأسعار مخفضة.

وتتواصل حيل النظام المصري لإلهاء الشارع عن ذكرى الثورة، بالإعلان عن حفلات فنية مجانية للجمهور، سيقوم بإحيائها عدد من نجوم الغناء، منها حفل في أوبرا دمنهور (دلتا النيل) يحييه "خالد سليم"، وآخر بجامعة مصر (غرب القاهرة) لـ"كارول سماحة"، وحفل غنائي بمدينة نصر (شرقي القاهرة)، لـ"أحمد كامل"، ومؤتمر في حب مصر باستاد القاهرة، برعاية حزب "مستقبل وطن" وحضور عدد من الفنانين؛ لإبراز الدعم لـ"السيسي"، مع توفير وسائل انتقال ووجبات مجانية للمشاركين.

اعتقالات عشوائية

ميدانيا، رفعت وزارة الداخلية، حالة الطوارئ في جميع قطاعاتها، ومنعت الأجازات بين الضباط والمجندين حتى 31 يناير/كانون الثاني الجاري.

وشنت السلطات المصرية حملات اعتقال عشوائية في عدد من محافظات الجمهورية، طالت ناشطين ليبراليين ويساريين، فضلا عن قيامها باستدعاء من سبق اعتقاله من أنصار جماعة "الإخوان المسلمون"، وإدراج بعضهم في قضايا جديدة.

وطالت الاعتقالات 4 أعضاء من حزب الدستور (معارض)، من محافظات الشرقية والبحيرة وكفر الشيخ، وهم "حمدي زكي"، و"طارق يوسف"، و"موسى أحمد صابر"، و"خالد إبراهيم"، كذلك جرى اعتقال 4 صحفيين واحتجازهم عدة ساعات، وسط القاهرة، ليتم إخلاء سبيلهم لاحقا، وهم "أحمد سمير"، و"خالد حماد"، و"بشرى محمد"، و"أحمد عايد".

ووفق مصدر أمني تحدث لـ"الخليج الجديد"، جرى تنفيذ حملات الاعتقال نهارا، بدلا من المداهمة ليلا، كخطوة جديدة لإثارة الفزع في قلوب المواطنين، وإيصال رسالة واضحة بأن قبضة السلطة قوية.

وتوسعت "الداخلية" المصرية أيضا في إقامة الكمائن المتحركة لتوقيف المارة والدراجات البخارية وسيارات الأجرة، وفحص الهواتف المحمولة للمواطنين، وصفحاتهم على مواقع التواصل.

الشقق والمقاهي

ولم تسلم الشقق المستأجرة الكائنة قرب ميدان التحرير (مهد الثورة المصرية)، من حملات مداهمة، وتسجيل لأسماء المقيمين بها، والكشف عن سجلاتهم الجنائية والسياسية.

كذلك جرى خلال الأيام الماضية، تفتيش محال ومقاهي وسط القاهرة، وتسجيل أسماء العاملين بها، حيث تم إغلاق بعض المقاهي الشهيرة التي يرتادها بعض المثقفين والناشطين، مثل مقهى "البستان" القريب من ميدان التحرير، إضافة إلى مقاه أخرى بدعوى عدم حصولها على تراخيص.

وقبل أيام، أعلنت السلطات عن تركيب كاميرات مراقبة فائقة القدرة بمحطات مترو الأنفاق، وربطها بقاعدة بيانات مصلحة الأمن العام، لضبط المطلوبين أمنيا.

وفي خطوة معتادة لإرهاب الناس، جرى استدعاء القضايا الجنائية القديمة والأحكام الغيابية في جنح المرور وسرقة التيار الكهربائي ومخالفات البناء والتبديد، لملاحقة المواطنين.

وبحسب مصدر في الأمن العام، تحدث لموقع "العربي الجديد"، فقد تم توقيف أكثر من 650 شخصاً خلال أسبوعين فقط في كل المحافظات لتنفيذ الأحكام الغيابية.

إلغاء مباريات

حالة الهوس الأمني التي ارتفعت وتيرتها خلال الأسبوع الحالي، امتدت إلى ملاعب كرة القدم، حيث قررت وزارة الداخلية تأجيل مباراة "الأهلي" المصري مع نادي النجم "الساحلي" التونسي، في دوري أبطال أفريقيا إلى يوم 26 يناير/كانون الثاني، بطلب رسمي من الحكومة المصرية.

كذلك تقرر تقديم موعد مباراة "الزمالك" المصري مع فريق "مازيمبي" الكونغولي لتكون يوم 24 يناير/كانون الثاني بدلا من 25 يناير/كانون الثاني، وذلك خشية استغلال المبارتين من قبل الجمهور في ترديد هتافات ضد "السيسي"، أو الخروج ضمن حشود احتجاجية للاحتفال بذكرى الثورة.

وفي السياق ذاته، قرر الاتحاد المصري لكرة القدم تأجيل مباراتي "الزمالك" مع "المصري"، و"الأهلي" مع "إنبي" ضمن مسابقة الدوري الممتاز لموعد يحدد لاحقا، للسبب ذاته فيما يبدو.

تسريبات جنسية

وكالعادة في مصر، غالبا ما يتم استباق الأحداث السياسية المهمة بتسريب أخبار مثيرة للجدل لاجتذاب الرأي العام. وفي هذه المرة، جرى تداول مقاطع جنسية مزعومة لرجل الأعمال "أحمد أبو هشيمة" المعروف بقربه من نظام "السيسي".

وتضمنت تسريات "أبو هشيمة" مكالمة له مع إحدى الفتيات حوت تفاصيل غير لائقة عن فنانات مصريات وعلاقته بهن، والإشارة إلى أنه أقام علاقات جنسية مع بعضهمن.

وتصدر وسم "أبو هشيمة" موقع "تويتر" في مصر، وسط اهتمام إعلامي مكثف، يراه البعض، في سياق سياسة الإلهاء التي يمارسها النظام المصري، خاصة مع اقتراب ذكرى ثورة 25 يناير/كانون الثاني.

عودة "كلنا خالد سعيد"

تزامنا مع ذلك، تشتعل الحرب الإعلامية مع اقتراب موعد ذكرى الثورة. وفي هذا السياق، دعت حملة "باطل" (معارضة للنظام)، في بيان لها، كل المصريين في الداخل والخارج إلى التظاهر في الذكرى التاسعة للثورة.

كذلك دعا المقاول "محمد علي" المصريين للنزول إحياء للذكرى، ومطالبة "السيسي" بالرحيل عن سدة الحكم.

لكن الناشط المصري المعروف "وائل غنيم"، حذر في رسالة لـ"علي"، عبر "تويتر" بأن "المظاهرات التي نزلت في 2011 كانت عن جهل وأنه لا يريد تكرار ذلك.

وأحدث "غنيم" أحد أيقونات "ثورة 25 يناير"، ضجة بعدما أعاد تفعيل صفحة "كلنا خالد سعيد" التي يعتبرها كثيرون صاحبة الشرارة الأولى لانطلاق الثورة.

و"خالد سعيد" هو شاب مصري توفي في مركز شرطة بمحافظة الأسكندرية (شمال) في 6 يونيو/حزيران 2010، جراء تعذيب وحشي.

وبعد توقف دام أكثر من 7 سنوات، نشر "غنيم" سلسلة تدوينات على صفحة "كلنا خالد سعيد" تدعو إلى تجنيب البلاد الدخول في الفوضى، واصفا الداعين إلى احتجاجات شعبية بالتزامن مع ذكرى الثورة بـ"تجار الغضب"، وزاد على ذلك ببث مقطع فيديو يتحدث فيه عن الاحتفال بعيد الشرطة بدلا من إحياء ذكرى ثورة يناير.

وطالب ناشطون مصريون "غنيم" بغلق الصفحة احتراما "لذكرى الثورة وتضحيات شهدائها"، مؤكدين تعرضه لضغوط أو تهديدات، في إشارة إلى اعتقال شقيقه "حازم غنيم" قبل شهور، قبل الإفراج عنه الشهر الماضي.

ويقبع معظم رموز الثورة المصرية، في السجون أو يعيشون في الخارج، بينما اقتصر نشاط البعض الآخر على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن ذكرى 25 يناير لا تزال تمثل كابوسا للنظام كل عام، وسط مخاوف من تجدد شرارة الربيع العربي من قلب القاهرة.

المصدر | الخليج الجديد