الأربعاء 29 يوليو 2015 06:07 ص

قبل أن أشرع في موضوعي يجب التأكيد على أن نقد بعض الممارسات ومظاهر التدين، لا تعني بالضرورة أن ذلك انتقاد للدين أو انتقاص من المتدينين، وحتى لا تختلط الأمور عند بعض حراس النيات، الذين يحملون على عاتقهم رفض أي معالجة لأي خطأ في أي مظهر من مظاهر الحياة التدينية بحجة أن الدين كامل، نحن أيضا مسلمون ونعرف أن الدين كامل، لكن هناك بعض الممارسات الخاطئة التي ترتكب باسم الدين، وهو منها براء، فحسب رأيي أن المبالغة في الانتقاد تطرف، والمبالغة في الدفاع غلو، ونحن نحتاج إلى قليل من الاعتدال والوسطية بعيدا عن الغلو والتطرف.

فالمتصدي لعلاج مشكلة الطائفية يجب عليه أن يحيط بها من جميع جوانبها، فهي ليست وليدة اليوم، وليست حركة اندفاعية آنية، بل هي أزمة حقيقية قديمة، ومشكلة ضاربة في عمق التاريخ السياسي والديني، فمنذ سنين طويلة وهي تنمو وتكبر وتتسع وتزيد، ولها من يسقي دوحتها، وينمي شجرتها من الغلاة المتطرفين عند كلا الفريقين، أصحاب الحضور المذهبي الذي يرفض كل منهما الآخر، بكل حمولاته وثقافاته، وتوجهاته.

ولكل فريق أدواته وأبواقه التي تصب السموم في الكؤوس لتنتشر بها الأرواح والنفوس، حتى اتسعت الشقة بينهما، واحتدم الصراع، وعلت الأصوات، ضاربة بمصلحة الأمة عرض الحائط، غير آبهين بحق الأجيال عليهم، فانتشر الداء وعم البلاء، واستشرى في جسد الوطن، مما يجعل الأمر أكثر تعقيدا، وأكثر صعوبة، لذا فإن الهروب من المشكلة سيكون أكثر إيلاما، وأكبر وجعا، فلابد من التصدي لها بحزم وعزم صادقين، وعدم الالتفاف عليها.

بل يجب السعي الجاد في محاولة حلها بأسلوب آخر خارج الإطار التقليدي، وبطريقة أخرى متجددة قائمة على الوفاق والتسامح، بعيدا عن الإقصاء والعزل وبأدبيات نقية مبنية على التفاهم والحوار الثقافي واحترام الآخر، فنحن اليوم بحاجة إلى الوفاق الوطني أكثر من أي وقت مضى، ونحن بحاجة إلى إشاعة ثقافة الحقوق والتعبير عن الذات في جو من الوئام والمحبة، بعيدا عن التخوين لتعزيز قيمة الوحدة والوطنية والحفاظ على ترابط النسيج الاجتماعي.

ما قبل رمضان كان هناك لغط كبير حول قرار مجلس الشورى برفض إصدار نظام حماية الوحدة الوطنية، الذي اقترحه عدد من أعضاء المجلس، وجاء الرفض بحجة عدم الحاجة إليه لوجود مادة في النظام الأساسي للحكم، نصت على (تعزيز الوحدة الوطنية واجب وتمنع الدولة كل ما يؤدي للفرقة والفتنة والانقسام) وهذا كلام نظري جميل، كأساس تستند عليه الدولة في اتخاذ قراراتها، وهو أحد المبادئ المهمة التي تحتاج إلى تفعيل جدي على أرض الواقع، في الحقيقة أن النظام موجود، والجميع يحترمه.

لكن الوطن يحتاج إلى التدخل السريع لإلجام الأصوات الطائفية، التي تسعى إلى تفتيت وحدته الوطنية بشكل مباشر أو غير مباشر.

فهناك فرز عنصري غير ممنهج لكنه موجود في ثنايا الخطاب الشعبي، يظهر ذلك جليا في كثير من العبارات التي يتداولها بعضهم عن جهل، مثل: قبيلي وغير قبيلي وخط 110 وخط 220، وهذا أصلي وهذا طرش، وغيرها من العبارات المقززة التي تكرس العنصرية المقيتة بين أفراد الشعب الواحد في الوطن.

وهناك عبارات مقصودة، يعنيها قائلوها من دعاة التمييز الطائفي، الذين يكرسون مفردات معينة مثل: شيعي وسني ووهابي وناصبي ورافضي وغيرها من المفردات التي تشحن النفوس بالبغضاء تجاه فئات الشعب المختلفة.

ومن هذا المنطلق فإن الأمر خطير جدا، ويحتاج إلى وقفة صادقة من المخلصين الصادقين الجادين في علاج المشكلة، ومن أجل المواءمة بين الطوائف والفئات والأطياف المختلفة، لتتحد كل السواعد وتبني مجتمعا وطنيا متماسكا، قائما على الوسطية والاعتدال، والعدل والمساواة، فإذا كانت اللوائح والأنظمة تهرب من مفردة قانون، أو دستور، أو تيار، أو أحزاب تعددية، وما شابه ذلك.

فنحن نقول: حسنا لا نريد قانونا، ولا تعددية ولا حزبية، ولا نريد دستورا جديدا، فدستورنا (القرآن الكريم)، وقانوننا التشريع الإسلامي العادل، الذي جاء به نبي الهدى والرحمة محمد عليه الصلاة والسلام، لكن الأمر يستحق التأمل جيدا، فلا بد من وضع نظام فاعل لتجريم التمييز العنصري، والقبلي، والطائفي، والعرقي، والمناطقي، والتوصية بتطبيقه بحزم لتحقيق المساواة والعدل بين جميع فئات الشعب، وأطيافه، والتوعية بخطر اقتراف المفردات التي تتسبب في الشحناء والبغضاء بين المواطنين، والدعوة بإخلاص لأفراد الشعب بالتلاحم والتآلف والتعايش ونبذ الفرقة والطائفية، قبل أن تتفاقم الأمور، وتسوء أكثر مما هي عليه، وقبل فوات الأوان، وقبل أن نصحو على كارثة لا تحمد عقباها.