الثلاثاء 10 مارس 2020 06:28 م

عندما استيقظ السياح في مدينة الأقصر، الإثنين، ليجدوا أنفسهم محصورين في فنادقهم أو سفن الرحلات البحرية على نهر النيل، بدا أن مصر تتخذ إجراءات صارمة لمواجهة فيروس "كورونا" المستجد.

تم إرسال أطباء حكوميين لفحص السياح على أمل وقف انتشار المرض. ومع ذلك، انتهى الأمر بإجراء فحصوصات على جزء بسيط من الناس. وحتى قبل التحقق من نتائج الفحوصات، عادت الأعمال بسرعة إلى طبيعتها، وأُطلق العنان للسائحين بشكل جماعي لزيارة معابد المدينة الأسطورية.

تعكس المقاربة المتناقضة والفوضوية في الأقصر معضلة كبيرة تواجه المسؤولين المصريين: هل يمكن للحكومة أن تستمر في الترحيب بالسائحين حاملي الأموال في الوقت الذي تحاول فيه مواجهة أزمة صحية عامة تلوح في الأفق في قلب المناطق السياحة فيها؟

تعد الأقصر، موطن "وادي الملوك" الشهير وقبر الملك "توت عنخ آمون"، مركز تفشي "كورونا" في البلاد. وفي يومي الجمعة والسبت، اتضح أن 45 من الركاب وأفراد الطاقم على متن زورق نهري، مصابون بالفيروس، وتم نقلهم بواسطة النقل الجوي العسكري إلى وحدة عزل في مستشفى على الساحل الشمالي لمصر.

مع تفشي المرض، زار وزير السياحة المصري أحد معابد الأقصر، الأحد، ليعلن أنه آمن ومفتوح للزوار.

قال الوزير "خالد العناني": "الحمد لله، الناس هنا"، في معبد "الكرنك"؛ حيث اصطف السياح للدخول.

إلى جانبه، حذرت وزير الصحة المصرية "هالة زايد" الناس من "المبالغة" في حجم الأزمة. وقالت: "سنتجاوز هذا معا".

لكن حتى أثناء حديثهم، كان هناك قارب على الضفة الأخرى وُضع 136 شخص فيه في الحجر الصحي مما أذكى المخاوف من أن تكون مصر على وشك مشكلة كبيرة.

ازداد الشعور بالخطر ليلة الأحد، عندما توفي سائح ألماني يبلغ من العمر 60 عاما في مستشفى في منتجع البحر الأحمر كأول حالة وفاة في مصر، وكان السائح جاء من الأقصر.

أوضحت المشاهد المتناقضة في الأقصر في الأيام الأخيرة العمل الهش في البلاد في مواجهة الفيروس؛ فحتى عندما أجرى الأطباء اختبارات الإثنين، فإنهم لم يريدوا أن يعيقوا عطلة أي شخص.

وقالت الصحفية المصرية في مهرجان سينمائي بالأقصر"يارا أحمد" إنه من بين 400 شخص في فندقها، تم اختبار 10 منهم فقط. وبمجرد إجراء تلك الاختبارات، سُمح للجميع بمغادرة المكان على الفور حتى الأشخاص الذين تم اختبارهم.

وقالت "يارا" عبر الهاتف: "غضب الناس وقالوا: يجب أن نختبر جميعا. قال الأطباء: هذا هو كل ما يمكننا فعله، وإذا لم يعجبك ذلك، فعليك تقديم شكوى إلى الوزارة ".

وقال الدكتور "سايروس شاهبار" من منظمة "فايتال إستراتيجيز"، وهي منظمة عالمية للصحة العامة: "في أفضل الأحوال، تشير استراتيجية الاختبار هذه إلى أن كورونا انتشر من السفينة المصابة إلى الشاطئ المصري؛ فهي ليست استراتيجية احتواء".

حتى يوم الجمعة، كان لدى مصر 3 حالات إصابة بـ"كورونا"، وهي واحدة من أقل المعدلات في الشرق الأوسط. في ليلة الإثنين، قالت إن لديها 59 حالة، معظمها على متن سفينة في الأقصر، وهناك حالة من عدم اليقين العميق بشأن مدى انتشار الفيروس في بلد يقطنه 100 مليون شخص.

لكن بالفعل، أصبحت الأقصر مركزا لنقل "كورونا" إلى بلدان أخرى.

في الأسبوع الماضي أو نحو ذلك، أظهرت الاختبارات إصابة ما لا يقل عن 29 سائحا زاروا مصر في فبراير/شباط بالفيروس. معظم السياح المصابين هم من الأمريكيين والفرنسيين، وسافر العديد منهم على متن سفينة "سارة"، وهي مركب في النيل تحت الحجر الصحي الآن في الأقصر.

تقول منظمة الصحة العالمية إن الفيروس جاء إلى القارب عن طريق سيدة تايوانية أمريكية غادرت مصر في 1 فبراير/شباط. تقول مصر إنها لم تعلم بالعدوى حتى 1 مارس/آذار، وتم اكتشاف أول أفراد الطاقم المصابين على متن السفينة "سارة" في 6 مارس/آذار.

ومع ذلك، فإن بعض المصريين يشككون في أن حكومتهم تخبرهم بالحقيقة.

كانت وسائل الإعلام، تحت حكم الرئيس الاستبدادي "عبد الفتاح السيسي"، أخفت الحقيقة مرارا وتكرارا لتجنب الإحراج الدولي أو اللوم، كما حدث عندما رفضت الاعتراف بأن قنبلة لتنظيم "الدولة" أسقطت طائرة ركاب روسية فوق سيناء عام 2015.

وهذه المرة، يصر المسؤولون على كونهم شفافين. تقول وزارة الصحة إنها أجرت 2166 اختبارا، وإنها تعمل عن كثب مع منظمة الصحة العالمية لتعقب أي شخص كان على اتصال بشخص مصاب.

وقال الدكتور "شاهبار" إن أحد أسباب انخفاض عدد الإصابات بـ"كورونا" في البلدان التي تعاني كثافة سكانية مثل مصر وإندونيسيا حتى الآن هو أنها تفتقر إلى الموارد أو أنظمة الرعاية الصحية اللازمة للاختبار، مثل تلك التي تملكها دول مثل كوريا الجنوبية أو إيطاليا.

الأقصر هي موقع للعجائب القديمة وتمثل سحرا دائما للأجانب، لكن مركزها في صناعة السياحة في البلاد جعلها عرضة للخطر من قبل.

كانت المدينة موقعًا لمذبحة إرهابية عام 1997، عندما قام مسلحون بإطلاق النار على السياح خارج المعبد؛ ما أسفر عن مقتل 62 شخصا. كان الهدف المعلن للمهاجمين هو إلحاق أضرار اقتصادية كبيرة بمصر عن طريق خنق صناعة السياحة.

والآن يشكل "كورونا" تهديدا جديدا. وقال منظم رحلات على نهر النيل إن العديد من زبائنه تركوا رحلاتهم النهرية الإثنين، وكانوا في طريقهم إلى بلادهم. ألغت شركات أخرى في الأقصر رحلاتها بالكامل.

وقالت جمعية وكلاء السفر المصرية، الأحد، إن الحجوزات السياحية انخفضت بنسبة 80% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

في الأقصر، زرع الفيروس الخوف بين العاملين في صناعة السياحة. وذكرت وسائل إعلام، تديرها الدولة، أن بعض عمال الرحلات البحرية تركوا وظائفهم في الأيام الأخيرة خوفا من الإصابة بالفيروس.

مساء الإثنين، بدت المدينة مهجورة.

لكن السائح الإنجليزي، "لورنس ويلر"، 64 سنة ، كان في نزهة. وقال إنه قد تم اختباره على متن سفينة الرحلات البحرية، التي رست على حافة المدينة، صباح الإثنين.

وأضاف: "هذا يسبب مشاكل للجميع. لكنني لست خائفا؛ لأنني لا أعتقد أنني سأمرض".

المصدر | نيويورك تايمز- ترجمة وتحرير الخليج الجديد