الخميس 26 مارس 2020 08:27 ص

حذرت وكالة "بلومبرج"، في تقرير لها، من أن أزمة "سد النهضة" الإثيوبي ستزداد ضراوة مع انشغال العالم بمكافحة فيروس "كورونا"، لافتة إلى أن القاهرة تتخوف من أن تستغل أديس أبابا هذا الانشغال في مواصلة سياسة فرض الأمر  الواقع.

وطرحت الوكالة الأمريكية، في تقرير لها، مخرجا أخيرا للنزاع يتمثل في أن تدفع القاهرة لأديس أبابا أموالا مقابل تأخير ملء السد إلى الفترة التي تريدها مصر؛ فلا تتأثر احتياجاتها المائية بفضل ذلك.

في بداية تقريرها، قالت "بلومبرج" إن "النزاع في حوض النيل بشأن سد النهضة، الذي بدا في طريقه إلى حل مرض ما لبث أن تحول إلى أزمة بين إثيوبيا ومصر".

ونقلت عن في تقرير لمستشار المخاطر المستقل "تيموثي كالداس" أن اتفاقا بشأن مشروع بناء السد كانت الولايات المتحدة قد توسطت فيه انتهى إلى الفشل، لتندلع بعد ذلك حرب كلامية "مريرة" بين مصر وإثيوبيا.

ومع انشغال العالم بتفشي وباء "كورونا" القاتل فإن الأزمة بين الدول المعنية بسد النهضة -ولا سيما مصر وإثيوبيا والسودان- ستزداد ضراوة، كما يعتقد "كالداس".

وتشيّد إثيوبيا "سد النهضة" على بعد نحو 30 كلم من حدود السودان الشرقية بقدرة استيعابية تبلغ 74 مليون متر مكعب، وسط مخاوف مصرية من أن يؤثر على حصتها من مياه نهر النيل البالغة 55.5 مليار متر مكعب.

وكانت المفاوضات بين إثيوبيا ومصر والسودان بشأن السد -التي استضافتها وزارة الخزانة الأمريكية في واشنطن- بدت مبشرة بعض الشيء في بادئ الأمر؛ إذ أعلنت الأطراف المعنية في بيان مشترك أصدرته في يناير/كانون الثاني الماضي اتفاقها على جدول زمني لملء بحيرة السد على النيل الأزرق.

ولطالما كان الاتفاق على جدول زمني لملء السد مثار خلاف بين الأطراف الثلاثة؛ فإثيوبيا تريد ملأه في غضون 3 سنوات حتى يتسنى لها توليد الطاقة الكهربائية اللازمة للاستهلاك المحلي وتصدير الفائض

ولما كانت عملية الملء ستقلل تدفقات مياه النيل الأزرق باتجاه دولتي المصب -السودان ومصر- ترى القاهرة ضرورة تمديد الفترة الزمنية لتعبئة السد إلى 15 عاما، للحد بقدر الإمكان من آثار انخفاض كميات المياه الواصلة إليها أثناء عملية ملء البحيرة.

  • تفاؤل لم يدم كثيرا

وعلى الرغم من التفاؤل الذي أبداه وزير الخزانة الأمريكي "ستيفن منوتشين" بقرب التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن القضايا الخلافية العالقة، فاجأت إثيوبيا الجميع بالتخلف عن حضور جولة المفاوضات الأخيرة في واشنطن الشهر الماضي، وانخرطت في حرب كلامية مع كل من الولايات المتحدة ومصر.

ويقول الإثيوبيون إنهم سيمضون قدما في تعبئة بحيرة السد دون اتفاق، إلا أن "منوتشين" حذرهم من فعل ذلك حتى يتم التوقيع على اتفاق في هذا الصدد. غير أن وزير الخارجية الإثيوبي "غيدو أندارغاشيو" ندد بتصريحات الوزير الأمريكي واعتبر بيانه "غير دبلوماسي".

من جانبها، أعلنت القاهرة أنها ستستخدم كل الوسائل المتاحة للدفاع عن مصالح شعبها؛ ما دفع كبار قادة الجيش الإثيوبي إلى التحذير من أنهم سيثأرون إذا تعرض السد لأي هجوم عسكري.

ورغم أن تفاصيل المقترح الأمريكي لم يكشف النقاب عنها –كما يقول "كالداس" في تقريره- إلا أن بعض التقارير تشير إلى أن مصر تشعر بأنها تحت ضغط لتقديم مزيد من التنازلات أكثر مما كانت تتوقعه.

ولما كانت الوساطة الأمريكية هي من بنات أفكار القاهرة، فإن المصريين وجدوا أنه يتعذر عليهم رفض الامتثال للضغوط، فقد ذكرت تقارير مسربة أن هناك خلافا بشأن كمية المياه التي ستنساب من سد النهضة؛ إذ يريد الإثيوبيون تقليصها إلى 31 مليار متر مكعب سنويا بينما تطالب مصر بكميات لا تقل عن 40 مليار متر مكعب.

ويسود اعتقاد بأن الولايات المتحدة تقترح 37 مليار متر مكعب كحل وسط.

  • أزمة "كورونا"

ويأتي تجدد الخلاف بين الأطراف المتفاوضة في وقت ينصرف فيه اهتمام الوسيط الأمريكي إلى أزمة تفشي "كورونا"؛ فقبل أسبوعين فقط تعهد الرئيس "دونالد ترامب" لنظيره المصري "عبدالفتاح السيسي" بأن الولايات المتحدة ستواصل "بلا كلل" وساطتها حتى التوصل إلى اتفاق.

لكن "بلومبرج" ترى في تقريرها أنه مع انصراف جهود وزارة الخزانة الأمريكية الآن نحو مكافحة تداعيات وباء "كورونا" الفتاك فربما لن تكون لديها القدرة على حل النزاع بشأن "سد النهضة".

وأخشى ما تخشاه القاهرة أن ترى أديس أبابا في انشغال واشنطن بوباء "كورونا" فرصة لها لمواصلة إستراتيجيتها لفرض الأمر الواقع على دولتي المصب.

وإذا رأت إثيوبيا أنها لم تعد ملزمة بحل النزاع  قبل ملء وتشغيل السد فإن مصر ستشعر بوطأة الضغوط عليها من أجل حملها على الدفاع عما تراه تهديدا لمصالحها الحيوية.

ووفقا لتقرير "بلومبرج"، فكلما طال أمد تعبئة السد تعين على إثيوبيا الانتظار لفترة أطول لكي تجني الفوائد المرجوة من توليد الكهرباء.

ويقول المسؤولون في أديس أبابا إن 70% من الشعب الإثيوبي يعيشون بدون كهرباء، وإن بلادهم بحاجة ماسة إلى العائدات التي ستجنيها من تصدير الكهرباء.

بينما تنتاب القاهرة مخاوف من أنه إذا تركت إثيوبيا لتفعل ما يحلو لها بمياه النيل الأزرق فإن الدول الأخرى التي تتحكم بمنابع نهر النيل قد تشعر بأن من حقها أن تفعل الشيء نفسه؛ الأمر الذي سيضر بمصر ويقلل انتفاعها بمياهه.

  • مخرج أخير

ويخلص "كالداس" -الذي يعمل أيضا زميلا غير مقيم بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط- إلى أن ثمة مخرجا آخر لهذا النزاع يعالج مصالح ومخاوف جميع الأطراف ويقضي بأن تقدم مصر بمساعدة شركائها الدوليين لإثيوبيا حوافز مالية تقنعها بالتمهل في تنفيذ تعبئة السد وفق جدولها الزمني.

ومن شأن تلك الحوافز أن تساعد إثيوبيا على تحمل التكاليف المترتبة على ضياع فرصة بناء وتشغيل السد في الوقت الذي تريده، كما ستتيح لمصر الوقت اللازم لترشيد استهلاكها للمياه.

كان باحثون بالمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين طرحوا مقترحا في هذا الخصوص يقضي بأن يساعد الاتحاد الأوروبي في وضع سعر محدد نظير تمهل إثيوبيا في ملء السد، ويعين مصر في تمويل الرسوم التي ستدفعها لإثيوبيا نظير التكاليف التي ستتكبدها.

وينص المقترح على أن تبدي القاهرة التزامها الصارم بتحسين إدارتها للمياه من خلال اتباع حوكمة أفضل وتقليل هدر المياه.

ويختم "كالداس" تقريره بالقول بضرورة إيجاد حل عاجل يراعي النقاط المذكورة، وإلا فإن أي تقدم أحرزته الوساطة الأميركية سيضيع دون أمل في استرجاعه.

المصدر | الخليج الجديد + بلومبرج