الأربعاء 1 أبريل 2020 08:33 ص

إلى أي مدى أثرت أزمة "كورونا" على حسابات مصر الاقتصادية؟

وما هو تأثير الإجراءات الحكومية الهادفة لمكافحة العدوى على اقتصاد البلاد؟

تضاعف الاهتمام بهذه الأسئلة بين المصريين ومراقبي الشأن المصري خلال الأيام الماضية، خاصة بعد قرار البنك المركزي (29 مارس/آذار) بوضع قيود على سحب الأفراد والشركات للأموال من البنوك، بحيث يتم السماح بحد أقصى للسحب يبلغ 10 آلاف جنيه للأفراد، و50 ألفا للشركات في اليوم الواحد.

وقد ساهم قرار المركزي في إثارة حالة "عدم اليقين" لدى أصحاب المدخرات ورؤوس الأموال، بشأن قدرتهم على التصرف في أموالهم بحرية حال تفاقمت الأزمة في وقت لاحق.

ويتمتع القطاع المصرفي في مصر، بشكل عام، بثقة كبيرة بين عموم المصريين، وظهر ذلك في الأيام الماضية بعدما أطلق البنك الأهلي المصري وبنك مصر شهادة ادخارية بعائد 15%، جلبت للبنك الأهلي وحده 15 مليار جنيه مصري خلال أسبوعين فقط.

 غير أن قرار البنك المركزي المصري حول قيود السحب بعث برسالة معاكسة إلى أصحاب الأموال، رغم عدم وجود مؤشرات واضحة على ارتفاع غير تقليدي في مستوى سحوبات الأفراد والشركات خلال الفترة الماضية.

الحاجة إلى السيولة

ويثير استمرار تفشي فيروس "كورونا" حالة من عدم اليقين حول توفر السيولة المالية خلال المستقبل القريب، فمع استمرار تفشي الفيروس، تتجه الدول والشركات لتقليص استثمارتها في الأسواق الناشئة لحاجتها للسيولة في مواجهة أزمتها الخاصة، وهو ما قد يهدد الاقتصاد المصري الذي يعتمد على التمويل الخارجي والاقتراض بدرجة كبيرة.

وفي هذا الإطار، ذهبت تقديرات دول كبرى مثل ألمانيا وخبراء ومؤسسات اقتصادية ومالية إلى أن التداعيات الاقتصادية لأزمة كورونا سوف تتجاوز تداعيات الأزمة المالية العالمية في 2008، وربما تفوق تداعيات أزمة الركود العالمي الكبير الذي ضرب العالم في عام 1929، وهو ما ترجمته صناديق السندات عمليا بتسجيل نزوح قياسي بقيمة 109 مليارات دولار، في مؤشر على بدء نزوح الأموال من الأسواق الناشئة بشكل جماعي.

ويحتفظ المستثمرون الأجانب بمبلغ 20 مليار دولار من أذون الخزانة المصرية المقومة بالجنيه المصري، وفق وكالة "فيتش" الدولية، في وقت حذرت وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني من أن اختبارات الضغط تشير إلى أن دولا مثل مصر ستعاني إذا استمر الارتفاع في تكلفة وشروط التمويل.

وقد ذكر موقع البورصة المصري المتخصص في الشؤون المالية أن فوائد السندات المصرية ارتفعت في الأسواق الدولية لمستويات قياسية في ظل التقلبات الشديدة التي شهدتها البورصات العالمية الأسابيع الماضية.

في السياق ذاته، يشير الخبير المصرفي المصري المقيم في الولايات المتحدة "شريف عثمان" إلى أن "المشكلة الأساسية أن كثيرا من صناديق الاستثمار والمستثمرين الأجانب سارعوا بالخروج من الأسواق الناشئة لتعويض خسائرهم بالأسواق العالمية، ما يترتب عليه السحب من احتياطي الدول، بما فيها مصر"، وفقا لما أورده "الجزيرة نت".

ويتوقع "عثمان" أيضا أن يتعرض الجنيه المصري لضغوط كبيرة، وأن يتركه البنك المركزي للتراجع بنسب لا تتجاوز 10% كل عام "حتى لا يشعر حاملو الجنيه المصري بالخسارة في ظل حصولهم على عوائد بقيمة 15% من شهادات الاستثمار البنكية".

دائرة مفرغة

ورغم أن منشأ الأزمة الاقتصادية في مصر يعود إلى ضعف استقلال الاقتصاد المصري وارتهانه بالتمويل الخارجي المباشر، أو غير المباشر عبر قطاعات كالسياحة والعمالة المصرية بالخارج وقناة السويس، لكن الخبير الاقتصادي "أحمد ذكر الله" يرى أنه ليس أمام الحكومة سوى البحث عن مصادر أخرى للتمويل الخارجي في حال توقف المصادر الحالية.

وبحسب الخبير المصري فإن اقتصاد البلاد دخل دائرة مفرغة بالفعل في ظل وجود سحب كبير من أذون الخزانة المحلية منذ بداية أزمة "كورونا"، ظهر في انخفاض متوال لقيمة الجنيه، وارتفاع تكلفة التأمين على الديون السيادية المصرية رغم حديث الحكومة عن عدم الاعتماد على إصدار سندات جديدة، واعتمادها فقط على السندات الخضراء، وفقا لما أورده "الجزيرة نت".

وبذلك فإن الوضع الاقتصادي المصري مرشح لمزيد من التأزم في ظل ارتفع الدين الخارجي لمصر بنهاية سبتمبر/أيلول الماضي بنسبة 17.7% إلى 109.4 مليار دولار، وزيادة الدين العام المحلي بنسبة 7.7% على أساس سنوي إلى 4.186 تريليون جنيه (نحو 266 مليار دولار) بزيادة بلغت 298.2 مليار جنيه عن عام 2018، بحسب بيانات البنك المركزي.

ويفاقم من أثر الأزمة ما أشار إليه مركز "كارنيجي" في تقرير بشأن توسع الاقتصاد العسكري في مصر خلال السنوات الست الماضية، عبر توسيع صلاحيات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، الذي أصبح المحرك الأكبر لاقتصاد البلاد من خلال مشاركته في كافة المجالات الحياتية ومنافسته للقطاع الخاص.

وبحسب المركز، فإن "الاقتصاد السري للقوات المسلحة، ليس جديدا؛ فمنذ عقود، كان الجيش يعمل في سرية غير محدودة تحيط بنشاطه الاقتصادي، فيما يتعلق بأرباحه ومدى مدفوعاته الضريبية، وحجم استثماراته، ورأس ماله. والأكثر من ذلك، لم تتمكن أي جهة رقابية من تحديه، بما فيها الجهاز المركزي للمحاسبات، أعلى سلطة رقابية في مصر".

الجديد فقط هو حجم هذا الاقتصاد الذي زادت إمبراطوريته في عهد الرئيس المصري الحالي "عبدالفتاح السيسي"، و"أصبح يعمل الآن في تجارة الألبان والأدوية ووسائل النقل، ويشرف على نحو 2300 مشروع، يعمل بها 5 ملايين موظف مدني، في مجال الصناعات الثقيلة والمتخصصة، وقطاعات الزراعة، والمزارع السمكية، والمحاجر والمناجم، والمقاولات، والبنية التحتية، وغيرها من المشروعات العملاقة في الدولة" بحسب التقرير.

ووفق تقدير "كارنيجي" فإنه "من غير المحتمل أن تؤدي جهود تشجيع الاستثمار جلب الشفافية إلى النشاط الاقتصادي للجيش، وستظل حماية الأمن القومي حجة لتبرير أي سياسات مستقبلية قد يتبعها النظام".

المصدر | الخليج الجديد