السبت 15 أغسطس 2015 04:08 ص

(ملاحظة المحرر: هذه هي الحلقة الثانية من سلسلة مكونة من 3 أجزاء تستكشف التحديات الاقتصادية التي تواجهها دول مجلس التعاون الخليجي: المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر وسلطنة عمان. الحلقة الأولى بحثت في كيفية تراكم الثروة في دول الخليج، أما الدفعة الأخيرة فسوف تبحث في دور كل من دول مجلس التعاون الخليجي الستة والقيود المفروضة على كل منها.

أبرز التحديات الاقتصادية الرئيسية التي تواجه دول الخليج هي الاعتماد المفرط على صادرات السلع الأساسية وعدم التنويع. وبسبب المستويات المرتفعة للإنفاق الحكومي، والتي تهدف غالبا إلى ضمان الاستقرار الاجتماعي والتغلب على العوائق الجغرافية لعملية التنمية، فقد ناضل أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي لتوسيع اقتصادياتهم خارج نطاق النفط والغاز.  ولكن الجغرافيا الكامنة في المنطقة والقيود الديموغرافية وقفت في طريق جهود التنويع، جنبا إلى جنب مع نقص عام في الموارد اللازمة لدعم التصنيع والصادرات الأخرى ذات القيمة المضافة والتي لا علاقة لها بصناعة النفط والغاز.

تحليل

استوطنت هذه الأنواع من المشكلات في اقتصاديات المنطقة منذ عقود، لكن الانتفاضات العربية في الأعوام الأخيرة تكفلت بجلبها مرة أخرى إلى دائرة الضوء. فمنذ أواخر عام 2013 وصاعدا، فإن اجتماعات دول مجلس التعاون الخليجي قد صارت أكثر عناية بفكرة إجراء إصلاحات منسقة في بعض المجالات الاقتصادية مثل فرض الضرائب. وقد أدى ذلك إلى إنشاء مجموعات وفرق بحثية تعمل على إعداد التقييمات والتوصيات. وقد اتبعت بعض الدول الأعضاء بشكل منفرد، بما في ذلك الكويت والإمارات العربية المتحدة، مجموعة متنوعة من التدابير المستقلة، بما في ذلك التقليص البطيء للمدفوعات الحكومية وبعض الإنفاق على التنمية الاجتماعية. وفي حين أن الاقتصاديات والاستراتيجيات المحلية تختلف من بلد إلى بلد، فإن القضايا الرئيسية والحلول المحتملة الإصلاح تقع في فئات متشابهة جدا.

الإصلاح الضريبي

دول الخليج لديها بعض الهياكل الضريبية الأكثر تساهلا في العالم، سواء بالنسبة للأفراد أول الشركات المحلية أو حتى للأجانب. تختلف قوانين الضرائب من بلد إلى بلد، ولكن أيا من دول مجلس التعاون الخليجي لم تفرض ضريبة للدخل على مواطنيها. على الرغم من أن السعودية تفرض نسبة 2.5% على هيئة ضريبة دينية (الزكاة). كذلك الأجانب لا يقومون بدفع أي ضرائب أثناء عملهم في دول مجلس التعاون. الشركات المملوكة محليا لا تدفع سوى ضرائب زهيدة في دول الكويت وقطر وسلطنة عمان، أما الشركات الأجنبية (حتى شركات الطاقة) فتتمتع بإعفاءات ضريبية شبه كاملة. كل من المملكة العربية السعودية ودبي تفرضان ضريبة 20% على الكيانات الاعتبارية الأجنبية، وهو معدل أقل بكثير مما عليه الأمر في أجزاء أخرى من العالم.

الدافع الأساسي للرغبة في توسيع قاعدة الضرائب هو تقليل اعتماد ميزانية الدولة على الإيرادات من صادرات النفط والغاز. لا يوجد أي مكان في العالم سوى دول الخليج تمثل فيه العائدات الضريبية أقل من 5-10% من إجمالي إيرادات الدولة. وعلى سبيل المقارنة، فإن الضرائب في البلدان المصدرة للنفط أخرى مثل النرويج وفنزويلا تشكل أكثر من 40% و 25% من الناتج المحلي الإجمالي، على التوالي. في حين يبلغ متوسط هذا الرقم بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ما يقارب من 34% من الناتج المحلي الإجمالي. يتردد أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي في التعامل بحزم مع إجراء الإصلاحات الداخلية ليس بدافع الخوف فقط من تصاعد الاضطرابات الداخلية، ولكن خوفا من تقليل حماسة الشركات الأجنبية للاستثمار والعمل في دول الخليج.

لا تبدو أي من الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي في طريقها لفرض مخططات ضريبية جديدة خلال العام 2015، ولكن عمان ربما تخطو خطوات واسعة نحو الأمر في وقت قريب. لقد كانت عمان واحدة من دول الخليج الأكثر صراحة عن إمكانية رفع الرسوم على صادرات المعادن وربما فرض ضريبة على التحويلات المالية التي يرسلها العمال الأجانب. لدى عمان النسبة الأقل من العمال الأجانب كنسبة مئوية إلى عدد السكان، وهو ما يعطيها فسحة أكبر من جيرانها. وتعاني أيضا من تضاؤل ​​احتياطيات الطاقة والوضع الاقتصادي هناك يبدو أكثر إلحاحا. ستكون البحرين ودبي أقل عرضة لفرض ضرائب أعلى نظرا لمواقعها كمراكز مالية ومصرفية. ولكن قطر والكويت ربما تحذوان حذو عمان خلال السنوات القليلة القادمة.

الوقود ودعم الطاقة

توفر دول الخليج لمواطنيها، ولسكانها الأجانب بالتبعية، أرخص برامج لدعم البنزين والديزل في العالم. المملكة العربية السعودية تدعم النفط الخام والغاز الذي يتم إنتاجه لمصافي التكرير، وصناعة الأسمدة المحلية وتوليد الطاقة. في السنوات التي سبقت الانخفاض الأخير في أسعار النفط كانت المملكة العربية السعودية تتكبد أعلى فاتورة دعم للوقود في العالم، حيث تنفق أكثر من 50 مليار دولار سنويا لتوفير النفط الرخيص والمنتجات الثانوية النفطية لسكانها.

وظلت قضية دعم الوقود عصية على الإصلاح لفترات طويلة، في دول مثل فنزويلا والأردن وإيران والهند. انخفاض أسعار النفط قد يعطي دول الخليج مثل المملكة العربية السعودية ميزة رغم ذلك، حيث يمكن أن يساعد في تسهيل الانتقال من تكاليف الوقود المدعوم لأسعار السوق. حررت الحكومة الهندية سعر الديزل في عام 2014 وانخفضت الأسعار بالفعل بسبب انخفاض الأسعار عالميا. وفي العام نفسه خفضت كل من إيران والأردن ومصر دعم الوقود ونجحوا في إدارة الاحتجاجات الناجمة عن ذلك بنجاح، على الرغم من مواجهة ظروف اجتماعية أكثر خطورة من دول مجلس التعاون الخليجي. 

وكانت دول الخليج حريصة على عدم إظهار الضعف المؤسسي أو الأثر المالي لانخفاض أسعار النفط. ولكن، حتى لو ظلت أسعار النفط منخفضة حتى عام 2015 وإلى عام 2016، فإن دول الخليج من المرجح أن تكون قادرة على تنفيذ نوعا من تخفيض الدعم دون تأثير كبير على المستهلكين. الانخفاض المتوقع في نمو الطلب المحلي على النفط قد يساعد أيضا  دول الخليج على تخصص جزء أكبر من إنتاجها وتوجيهه نحو التصدير.

المملكة العربية السعودية لديها أعلى معدل لاستهلاك الفرد الواحد من النفط في العالم، ويعني زيادة الطلب المحلي أن الارتفاع في الإنتاج السعودي يتم ابتلاعه من قبل السوق المحلية بدلا من توجيهه للمستهلكين الأجانب. عبر ترشيد الاستهلاك الزائد، فإن المصدرين وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية سوف يساعدون في تأمين مخزون مستقبلي أكبر للتصدير إلى العالم لفترة أطول من الزمن، وبالتالي تقليل أعباء الدعم على الموازنة العامة للدولة.

تقليص الدعم أيضا يسهم في توفير المدخلات اللازمة من الوقود في دورة إنتاج الطاقة، وهو تحدي آخر أمام الدول الخليجية، بالنظر إلى كونها تعد من أكثر دول العالم في نسبة اعتمادها على مرافق توليد الطاقة من النفط ومشتقاته. باستثناء قطر وعمان في بعض الأحيان، تعاني باقي دول مجلس التعاون الخليجي عجزا في إنتاج الغاز الطبيعي في معظم السنوات. دعم النفط لمحطات توليد الطاقة وكذلك تكلفة الكهرباء لديها تأثر مضاعف على ميزانية الدولة. خطة الدعم المماثلة في إيران أثبتت في نهاية المطاف أنه لا يمكن تحملها.  وتمثل إعانات الوقود والمياه والكهرباء معا تقريبا أكبر شريحة من فاتورة الدعم الخليجي، وحتى الخفض المتواضع لهذه الفواتير قد لا يكون كافيا في المستقبل.

أزمة البطالة والتوظيف وإصلاح سوق العمل

تعتمد دول الخليج بشكل كبير على العمالة الأجنبية، يتراوح مدى الاعتماد من نسبة منخفضة نسبيا في سلطنة عمان (28%) إلى نسب متزايدة بالغة الضخامة يبلغ (85%) في قطر والإمارات العربية المتحدة. على الرغم من الظروف الصعبة في كثير من الأحيان، وعدم وجود ضريبة الدخل وقيود التحويل، فإن الرواتب المرتفعة نسبيا جعلت من دول الخليج أحد أكبر مصادر التحويلات في العالم. تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن إجمالي التحويلات في عام 2013 بلغ 93.4 مليار دولار بما يعادل 5.7% من الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس مجتمعة. العمال الأجانب يشكلون 47% من مجموع سكان دول مجلس التعاون الخليجي، وخلق تحديات فريدة من نوعها (ديموغرافية) لدول مثل قطر والإمارات العربية المتحدة.

وتسببت العمالة الرخيصة المتوفرة في طفرة التشييد الخليجية، وخاصة في الدوحة ودبي. وعلى مدار عقود، سيطرت العمالة الأجنبية على قطاعات الخدمات و التقنية والطاقة والقطاعات الطبية والتصنيع في دول الخليج. خلقت دول الخليج نظاما من البيروقراطية الإدارية بتوظيف معظم السكان المحليين في أجهزة الدولة المتضخمة، ما وضع مزيدا من الضغوط على الميزانيات الخليجية. في حين يرسل العمال المغتربين عشرات المليارات من الدولارات خارج الاقتصاديات المضيفة. بالإضافة إلى ذلك، تلتزم الحكومات الخليجية بإنفاق المليارات على تطوير أنظمة البنية التحتية والنقل، والإسكان والمياه والكهرباء لدعم السكان الأجانب الذين يفوقون بعدة أضعاف أعداد السكان الأصليين في بعض الأحيان. في حين أن العدد الكبير والمتزايد للسكان الأصليين في المملكة العربية السعودية (ارتفع من 3 ملايين عام 1950 إلى 28 مليونا عام 2015) يخلق معه تعقيداته اللوجستية الخاصة به نظرا لأنه ليس كل السعوديين يمكن توظيفهم من قبل أجهزة الدولة والحكومة.

تقدم دول الخليج للشركات الأجنبية قوانين ضريبية مربحة تهدف إلى تشجيعهم على توظيف السكان المحليين، وهي الجهود التي حققت نتائج مختلطة. المملكة العربية السعودية والعديد من جيرانها، بما في ذلك قطر وسلطنة عمان، قامت بفرض حصص على الشركات الأجنبية تحدد عددا من السكان المحليين يجب أن يتم تعيينهم  أو تفرض التزامات بشراكات مع الشركات المحلية. الهدف من وراء هذه الإجراءات هو الحد من الاعتماد الاقتصادي للسكان المحليين على الدولة، ولكن الممارسات قد شابها الفساد وعدم الكفاءة وتركزت الفرص لصالح فئة معينة من السكان المحليين، ما حدا المملكة العربية السعودية نحو سحب بطيء لسياسات السعودة وتنفيذ إصلاحات أخرى في سوق العمل، مثل السماح بتوسعات محدودة لأدوار الموظفات (النساء) في المملكة، ولكن كانت عملية بطيئة.

بدأت دول الخليج الأخرى مثل الكويت وسلطنة عمان، تطبيق قوانين عمل أكثر صرامة وتشديد القيود المفروضة على عدد من المهاجرين غير الشرعيين. وكانت الدافع وراء تلك التحركات أمنية في المقام الأول، وهي تحركات تبدو إيجابية ومشروعة من عدة أوجه، لكنها من جانب آخر سوف تسهم في تقليص نمو السكان الوافدين ووضع خطط لتقليص تلك المجتمعات الوافدة في العقود المقبلة. وقد استجابت الحكومة السعودية لدعوات تخصيص حصص محددة للعمالة من باكستان والهند وبنغلاديش والفلبين من أجل المساعدة في فطم دول الخليج عن الاعتماد على العمالة الأجنبية. وسيكون من الأسهل بكثير تنفيذ هذه الإجراءات في بعض أجزاء من دول مجلس التعاون الخليجي، كما هو الحال في عمان، دون غيرها، مثل قطر أو الإمارات العربية المتحدة.

ومع ذلك فإن إصلاح قوانين الهجرة تعد واحدة من أكثر المبادرات السياسية نجاحا في دول الخليج خلال السنوات الأخيرة. وساعدت العلاقات بين دول الخليج والبلدان التي تتلقى الجزء الأكبر من تدفقات التحويلات تسهيل عملية تحديد تدفق العمال.

البنية التحتية والتعليم والدفاع

الإنفاق الحكومي على البنية التحتية والتعليم والدفاع مرتفع أيضا. وسوف تكون هذه المناطق الأخيرة التي تلجا الحكومات إلى تخفيض الإنفاق بشأنها. وسوف يكون سبب الكثير من العجز في الميزانية المتوقع لدول مجلس التعاون الخليجي في عام 2015 بسبب استمرار الإنفاق في مشاريع البنية التحتية والتنمية. تتداخل الدول الخليجية أيضا مع العديد من القضايا الجيوسياسية في المنطقة مثل عدم الاستقرار في اليمن والمفاوضات النووية الأمريكية الإيرانية المستمرة، كما التهديدات الأمنية الناجمة عن ذلك. لذلك، سوف يتم الإبقاء الإنفاق الحكوم مرتفعا، على الرغم من أنه قد يؤدي إلى إبطاء حتمي في المستقبل.

قامت المملكة العربية السعودية بإزاحة الهند عن موقعها كأكبر المشترين للمعدات العسكرية الأجنبية والتكنولوجيا في عام 2014، في حين زادت أيضا قطر والإمارات العربية المتحدة بشكل كبير مشترياتها من الأنظمة العسكرية. هذه التغيرات في الإنفاق الدفاعي تعكس المواقف والنظرة المتغيرة للدول الأعضاء في مجلس تعاون دول الخليج تجاه منطقتهم. سوف تحافظ دول الخليج أيضا على معدل إنفاقها في مجال التعليم باعتباره أحد النقاط الحرجة خاصة مع تصاعد نسب الشباب (أكثر من نصف سكان السعودية تحت سن 25 عاما)، ورغبة الحكومات في إبقائهم بمعزل عن التأثيرات المحتملة للتطرف. وتبرر الدول إنفاقها المتزايد على التعليم والتدريب بأنه استثمار في مجتمعات العمل المستقبلية، بهدف تحويل اقتصاداتها نحو قطاع الخدمات، رغم أن هذا النهج قد أسفر عن نتائج مختلطة.

في النهاية قد يثبت أن الضغط المالي الناجم عن انخفاض أسعار النفط قد هو أمر مؤقت قد يستمر فقط على المدى القصير أو المتوسط، كما أن​​ دول الخليج لديها موارد مالية وافرة وفرص متاحة للاقتراض من الخارج للمساعدة في إدارة العجز في الميزانية. ولكن يبدو أن هناك إجماعا لدى القادة الخليجيين، وهم يشهدون في أنفسهم تحولا بين جيلين، أن سخاء الدولة الذي حدد ملامح الحياة في دول الخليج خلال التسعينيات والعقد الأول من الألفية الجديدة لن يكون مستداما. ومن المرجح أن الشروع في الإصلاحات في دول مجلس التعاون الخليجي سيكون وفقا لشروطها، وفي الوقت الذي تراه مناسبا. الاستقرار الاجتماعي لا يزال الأولوية القصوى، وبالنظر إلى الترابط بين العديد من المخاوف في الدول الأعضاء  (العمل والعمالة المنزلية والطاقة والضرائب)، فن تغيرات كبيرة على مدى فترة زمنية قصيرة يمكن أن تؤثر سلبا على النمو والنشاط الاقتصادي.

ومن المرجح أن تشرع دول مجلس التعاون في عملية الإصلاح وهي في وضع مالي قوي نسبيا. كما أنها قررت مؤخرا الحفاظ على معدلات الإنتاج عالية لتحقيق مكاسب على المدى الطويل الرغم من انخفاض أسعار النفط العالمية. دعم الوقود والإصلاحات الضريبية يرجح أن يكون القضايا الأولى على أجندة الإصلاح الخليجية ربما في مطلع عام 2016 إذا ظلت أسعار النفط على حال انخفاضها. إيران قد تقدم نموذجا جيدا للغاية لمثل هذه التغييرات، عبر تثبيت نظام الدفع النقدي الثابت (زيادة الأجور) لإدارة عملية الإحباط المجتمعي الناجم عن تقليص الدعم. في نهاية المطاف، من غير المرجح أن تكون هناك محاولات لإقامة التغيرات طويلة الأجل لخطط دعم الدولة قريبا، خاصة وأن دول الخليج تتعامل مع الاضطرابات في سوريا واليمن، وتدير العلاقة الناشئة بين الولايات المتحدة وإيران.