الاثنين 24 أغسطس 2015 10:08 م

يوم 21 يونية 2014، أعلنت إسرائيل رسميا أنها تسلّمت أول حاملة نفط من كردستان العراق، وأكد «آفي ديختر» وزير الأمن الداخليّ السابق، ورئيس جهاز الأمن العام الأسبق، أن أهم أهداف بلاده هو «تأسيس دولة كرديّة مستقلّة في شمال العراق تسيطر على نفط كركوك وكردستان».

كان التعاون بين قسم من أكراد العراق وإسرائيل معروفا منذ عشرات السنين، وخصوصاً في فترة صراعهم ضد النظام العراقي.

ويقول «حلمي موسى» في صحيفة «السفير» أنه بعد الحرب الأميركية على العراق ظهرت أشكال مختلفة من التعاون الاقتصادي والعسكري بين الحكم الذاتي وإسرائيل ولعب الكثير من ضباط الاستخبارات السابقين وبعض اليهود الأكراد دورا كبيرا في تعزيز هذه العلاقات، بل أن بيع النفط العراقي لإسرائيل من خلال اتفاقيات مع الحكومة الكردية لم يكن سرا، حتى ان البعض تفاخر به، خصوصا بعد وصول ناقلة نفط كبرى الى ميناء إسرائيلي في العام الماضي.

لكن الجديد هذه المرة هو أن إسرائيل تعتمد بشكل شبه كلي على النفط الوارد إليها من كردستان العراق، وأن نسبة الواردات من كردستان تبلغ 75%. وهذا ما كشفت عنه أمس الأول صحيفة «فايننشال تايمز» الاقتصادية، التي أظهرت أن إسرائيل استوردت مؤخرا من كردستان العراق ما لا يقل عن 19 مليون برميل نفط.

وقبل أكثر من عام، وتحديداً في شهر حزيران العام 2014، نشرت وكالة «رويترز» تقريرا قالت فيه أن إسرائيل ستتلقى أول شحنة من النفط من الأكراد. وحينها اقتبست الوكالة عن مسؤول إسرائيلي قوله أن إسرائيل معنية بتوثيق علاقاتها مع الأكراد، كجزء من تعزيز علاقاتها الديبلوماسية في الشرق الأوسط، وخلق فرص جديدة لواردات الطاقة.

ومعروف أن النفط الكردي يصل إلى إسرائيل وكأنه عبر طرف ثالث، وهي الطريقة ذاتها التي استخدمتها إسرائيل في علاقاتها مع نظام الشاه في الستينيات والسبعينيات. فالنفط يباع شكلا من الحكومة الكردية إلى شركات تنشأ لهذا الغرض بعلم الحكومتين الكردية والإسرائيلية. وتتفاخر الحكومة الكردية بأنها سعيدة لأن أحدا ما يشتري نفطها وهي لا تخفي أنها تبيعه بأسعار خاصة. ومن الواضح أن الحكومة التركية التي تستفيد من مرور النفط عبر أراضيها وتصديره عبر موانئها تبدو مرتاحة لذلك.

وفي الصيف الماضي، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في موقف نادر، أن إسرائيل تدعم قيام دولة كردية في شمال العراق، في المنطقة التي يوجد فيها الحكم الذاتي الكردي. كما أن الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز قال شيئا مشابها. وهذه الأقوال عبرت ليس فقط عن الصلة بين إسرائيل والحكومة الكردية وإنما أيضا عن عمق الأزمة بين إسرائيل وتركيا التي تخشى من قيام دولة كردية على حدودها.

وذكرت الإذاعة العامة الإسرائيليّة الرسميّة باللغة العبريّة (ريشيت بيت) حينئذ أنّ «إسرائيل ستكون أوّل دولة ستشتري النفط من كردستان العراق»، فيما كشفت صحيفة (يديعوت احرونوت) الإسرائيلية، عن تعاون سري بين إقليم كردستان العراق وإسرائيل في المجال الزراعي ليكون نواة للوصول إلى بغداد وإقامة مشاريع تحت اسم مستعار.

ولهذا لم يكن ما أعلنته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية الاثنين 24 أغسطس الجاري 2015، أن أكثر من 75% من مجموع واردات النفط الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة مصدرها إقليم كردستان في العراق، وأن إسرائيل ابتاعت 19 مليون برميل من النفط من كردستان العراق منذ مايو الماضي، وأن قيمة العقود بين الجانبين تقدّر بنحو مليار دولار، يشكل أي مفاجأة.

وتفيد «فايننشال تايمز» بأن خبراء التجارة والصناعة يفترضون أن إسرائيل تستورد النفط الكردي بأسعار مخفضة، لكن الحكومة الكردية تنفي ذلك. ويرى خبراء آخرون أن إسرائيل بذلك تجد سبيلا لدعم الأكراد ماليا.

ومن المعروف أن موضوع النفط في كردستان وتصديره إلى الخارج كان ولا يزال موضع نزاع بين حكومة كردستان العراق والحكومة المركزية في بغداد. ولكن حكومة كردستان تفلح في تجاوز الرفض المركزي العراقي بسبب ضعف بغداد من ناحية، ومصالح إقليمية وخصوصا تركية من ناحية أخرى.

وتنقل «فايننشال تايمز» عن مستشار لحكومة كردستان قوله: «لا يهمنا أين يذهب النفط الذي نبيعه لتجار. فهدفنا هو الحصول على أموال لتمويل قوات البيشمركة في مواجهة (داعش)، ولدفع رواتب الموظفين». وتزعم الحكومة الكردية أنها لم تبع النفط لإسرائيل «لا بشكل مباشر ولا غير مباشر».

وكانت وكالات الأنباء قد نشرت في شباط الماضي صورة لناقلة نفط عملاقة تسمى «ألتاي»، مسجلة في ليبيريا، وتحمل مليون برميل من النفط من كردستان تفرغ حمولتها في ميناء عسقلان. وقد أثير أمر هذه السفينة خصوصا بسبب الخلاف بين حكومة أربيل الكردية والحكومة العراقية المركزية في بغداد على مبيعات النفط ما قاد إلى احتجاز السفينة عدة شهور في تكساس. ولم تفلح السفينة في الحركة إلا في كانون الثاني الماضي بعد اتفاق مؤقت بين الحكومتين على تصدير النفط فوصلت السفينة إلى ميناء عسقلان.

ومعروف أن حكومة أربيل أنشأت خط نقل نفط مباشرا بين كردستان وتركيا متجاوزة منظومة أنابيب النفط المركزية العراقية، وهو ما اثار الخلاف حول حقوق النفط. وهنا برز خلاف بين إسرائيل التي وقفت إلى جانب الأكراد والولايات المتحدة التي وقفت إلى جانب الحكومة العراقية في هذا النزاع وعارضت بيع النفط بشكل مستقل من جانب كردستان.

ويبيع الأكراد النفط أيضا بكميات كبيرة لكل من إيطاليا وفرنسا واليونان. ورغم كل واردات إسرائيل من النفط العراقي عبر كردستان، الا انها لا تزال تستورد النفط من كازخستان وروسيا.

وفي يونيو/حزيران 2013، قال بنيامين نتنياهو حينما كان وزيرا للمالية انه يتوقع إعادة فتح خط انابيب نفطي من العراق إلى إسرائيل في المستقبل القريب بعد إغلاقه عام 1948 عندما قامت إسرائيل، وأبلغ نتنياهو مجموعة من المستثمرين البريطانيين «لن يطول الأمد قبل أن يتدفق النفط العراقي على حيفا»، وهو الميناء الواقع في شمال إسرائيل.

وسبق أن كشفت صحيفة «هارتس» في يونيه 2014 أن (إسرائيل تشتري النفط من الإقليم الكردي في العراق) مشيره لرسو سفينة «الطائي» المسجلة في ليبيريا في ميناء عسقلان وهي تحمل نحو مليون برميل من النفط من إنتاج آبار النفط في الإقليم الكردي في العراق.

وقالت إن «مصافي نفط إسرائيلية وأميركية انضمت إلى قائمة متنامية من مشتري النفط الخام من إقليم كردستان العراق الذي يخوض صراعا مريرا مع الحكومة المركزية في بغداد التي تقول إن مبيعات الإقليم غير مشروعة».

ولكن السؤال الذي لم يجب عليه أحد من مراسلي الصحف الغربية والإسرائيلية الذين تحدثوا عن «استيراد تل أبيب نفط بمليار دولار من كردستان العراق» هو: لماذا الاستيراد من كردستان تحديدا رغم تعدد أسواق البيع مع انهيار أسعار النفط؟ وهل للأمر علاقة بالتطبيع الصهيوني الملح على العلاقات مع الخليج القريب من العراق؟ أم أن هناك أهداف صهيونية أخري غير معلنه.

كردستان مدخل للخليج؟

تقارير عراقية قالت إن لجوء كردستان لبيع نفطها لإسرائيل يرجع لخلافات مع بغداد وصعوبة الحصول على مستحقات الإقليم الكردي من عوائد نفط العراق، ولكن التقارير الإسرائيلية قالت إن الهدف أكبر من النفط وهو الوصول إلي أسواق بغداد ودول خليجية لاحقا تحت ستار كردستاني، مع اعترافها أن إسرائيل تقوم بشراء النفط الكردي بأسعار رخيصة.

ففي تقرير سابق لصحيفة يديعوت أحرونوت مع بدء توريد النفط العراقي للدولة الصهيونية في يونيو/حزيران 2014، قالت إن «الهدف النهائي للمشروع الإسرائيليّ هو العاصمة بغداد، لإقامة المزارع وتسويق المنتجات الإسرائيليّة تحت اسم مستعار»، وأنه لهذا الهدف تمت استضافة وفد كردي رفيع المستوى في تل أبيب للبحث في سبل التعاون بين الجانبين.

وألمح مراقبون صهاينة أن تسويق المنتجات الإسرائيلية في كل أنحاء العراق انطلاقا من كردستان، هدفه الوثوب إلي دول الخليج أيضا وبيع البضائع الإسرائيلية هناك عبر واجهة شركات كردستانية، رغم أنه لا توجد علاقات دبلوماسية وتجارية رسمية بين الجانبين على المستوى الرسمي.

وذًكرتنا الصحيفة الإسرائيلية بقول وزير الأمن الداخليّ السابق، ورئيس جهاز الأمن العام الأسبق، «آفي ديختر»، بعد غزو العراق في العام 2003، خلال محاضرة ألقاها في تل أبيب: «لقد حققنا في العراق أكثر مما خططنا وتوقعنا»، مؤكدًا أنّ «تحييد العراق عن طريق تكريس أوضاعه الحالية تشكل أهمية استراتيجية للأمن الإسرائيليّ، وتكريس أوضاعه الحالية ليس أقل أهمية وحيوية عن تكريس وإدامة تحييد مصر».

ولذلك لم تنس إسرائيل تعليق الأمر على شماعة «محاربة الارهاب» بادعاء «إنها تسهم في تمويل الحرب التي تشن على تنظيم الدولة من خلال شراء النفط العراقي الذي يصدره إقليم كردستان».

حيث زعمت صحيفة «يسرائيل هيوم»، كبرى الصحف الإسرائيلية، والمقربة من ديوان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إن عوائد النفط التي تجنيها حكومة إقليم كردستان «توظف في الحرب التي تشنها على تنظيم الدولة».

ولكن الصحيفة كشفت ضمنا أبعاد التدخل الاسرائيلي في كردستان سياسيا وأمنيا حينما قالت إن عددا من جنرالات الجيش والمخابرات الإسرائيلية المتقاعدين قد «دشنوا شركات أمنية بشكل خاص للتعامل مع حكومة كردستان»، وأن «رئيس الموساد الأسبق داني ياتوم، دشن شركة استشارات أمنية تعمل بشكل لصيق مع حكومة الإقليم».