السبت 27 يونيو 2020 04:14 م

عقب موقف تركيا.. تغير إيجابي بسياسة "الناتو" تجاه ليبيا

بدعم دول عربية وأوروبية انقلاب خليفة حفتر وميليشياته على الحكومة الشرعية والسلطة في البلد النفطي.

"الناتو" يرغب في لعب دور سياسي أكثر نشاطا بليبيا مدفوعا بمتغيرات أبرزها الاتفاق التركي ـ الليبي ودعم روسيا لحفتر.

بعد تدخله في ليبيا 2011، اقتصرت سياسة "الناتو" على الدعوة إلى "إنهاء العنف" والإعراب عن الاستعداد لدعم العملية السياسية.

بات الناتو يؤكد شرعية حكومة الوفاق برئاسة السراج، ومستعد لمساعدة ليبيا دفاعيا وأمنيا ويطالب بتحقيق في انتهاكات حفتر.

*     *     *

بقلم | شريفة جتين

في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، وقع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس المجلس الرئاسي للحكومة الليبية فائز السراج، مذكرتي تفاهم حول التعاون الأمني والعسكري وترسيم الحدود البحرية بين البلدين في البحر الأبيض المتوسط، لحماية حقوقهما النابعة من القانون الدولي.

وفي أعقاب هذه الخطوة الفارقة، بدأ الملف الليبي يشهد تغيرات داخلية وخارجية سريعة، خاصة على صعيد موقف حلف شمال الأطلسي "الناتو" من الحرب في البلد العربي.

فمنذ سنوات، تعاني ليبيا من صراع مسلح، فبدعم من دول عربية وأوروبية، تنازع مليشيا الجنرال الانقلابي خليفة حفتر، الحكومة على الشرعية والسلطة في البلد الغني بالنفط.

ومنذ تدخله في ليبيا عام 2011، لم يتبع "الناتو" سياسة نشطة تجاهها، لكن في أعقاب توقيع الاتفاق التركي ـ الليبي، بدأ الحلف بإرسال مؤشرات تفيد بوجود تغييرات في سياسته تجاه البلد العربي، ضمن تغير أوسع في أسلوب تعاطي المجتمع الدولي مع القضية الليبية.

 

"الناتو" وليبيا 2011

بدأ تدخل "الناتو" بليبيا، في فبراير/ شباط 2011، مع بدء ما تُسمى الموجة الأولى من ثورات "الربيع العربي"، حيث قابل، آنذاك، الراحل معمر القذافي، انتفاضة شعبية بقمع مسلح دموي.

في أعقاب قراري مجلس الأمن الدولي، 1970 و1973، أطلق "الناتو" عملية "الحامي الموحد" (Unified Protector) في ليبيا، بعد أن أعلن منطقة حظر للطيران.

شن أعضاء في الحلف، على رأسهم فرنسا وبريطانيا، وبمشاركة دول عربية، غارات جوية ضد قوات القذافي، تنفيذا للقرار 1973، وردا على سياسة القمع التي انتهجها القذافي ضد المنتفضين على حكمه (1969 ـ 2011).

نفذ الحلف وشركاؤه، خلال عملية استمرت حوالي 8 أشهر، 26 ألف طلعة جوية في ليبيا، بمشاركة 8 آلاف جندي و21 سفينة حربية وأكثر من 250 طائرة.

ونتيجة لتدخل "الناتو"، امتلكت المعارضة الليبية زمام المبادرة، وأسقطت حكم القذافي عام 2011، ما دفع الحلف إلى إنهاء مهمته في أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه.

 

تحول بموقف الحلف

في حين بدأت بعض الدوائر، مؤخرا، تطرح تساؤلات عن وجود "الناتو" وصلاحياته، بدأ الحلف تطوير رؤية جديدة لمنظومته باسم رؤية "ناتو 2030".

بعد اجتماع لقادة "الناتو"، بلندن في 4 ديسمبر/ كانون الأول 2019، بدأت ترتفع أصوات تدعو إلى أن يلعب الحلف دورا سياسيا فاعلا بالساحة الدولية.

وأعلن أمين عام "الناتو" ينس ستولتنبرغ، أن الحلف بدأ مراجعة كيفية لعب أدوار أكثر في كل من الحرب ضد الإرهاب والشرق الأوسط، وذلك بضغط من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وشدد ستولتنبرغ، في أكثر من مناسبة، على ضرورة أن يصبح الحلف "فاعلا قويا على الصعيد السياسي"، مع الحفاظ على قوته العسكرية. وأثر هذا الوضع بطبيعة الحال على دور "الناتو" في الساحة الليبية.

بعد 2011، اقتصر موقف "الناتو" من ليبيا بشكل رئيسي على المطالبة بـ"إنهاء العنف" ودعم العملية السياسية، واستقبال كبار المسؤولين بالحكومة الشرعية من وقت إلى آخر بمقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل، والإعراب لهم عن استعداده للعب دور أكثر نشاطا في ليبيا.

 

حراك متواصل

رغم عدم امتلاك "الناتو" وجودا عسكريا على أرض ليبيا، إلا أن قضيتها عادة ما تكون حاضرة على جدول أعماله.

وذكّر ستولتنبرغ، في 14 مايو/ أيار الماضي، بقرارات اتخذها رؤساء دول وحكومات "الناتو"، خلال قمة بروكسل لعام 2018 حول ليبيا.

وقال لصحيفة لاريبوبليكا "La Repubblica" الإيطالية: "لا يمكن وضع حكومة السراج، المعترف بها دوليا وتحظى باعتراف الأمم المتحدة، في كفة واحدة مع خليفة حفتر. الناتو مستعد لدعم حكومة طرابلس".

وشدد على أن الحلف مستعد لمساعدة ليبيا في المجالات الدفاعية والأمنية، إذا تلقى طلبا من السراج.

وعقب تلك التصريحات، أجرى ستولتنبرغ مباحثات هاتفية مع الرئيس أردوغان والسراج بشأن مستجدات الملف الليبي.

وقال ستولتنبرغ إن مساعدة "الناتو" لليبيا ستأخذ بالحسبان الوضع السياسي والظروف الأمنية في البلد العربي، مجددا تأكيده استعداد الحلف لدعم حكومة طرابلس.

وخلال اجتماع وزراء دفاع "الناتو"، في 17 يونيو/ حزيران الجاري، أعرب ستولتنبرغ عن قلقه بشأن "المقابر الجماعية" التي عثر عليها الجيش الليبي في مدينة ترهونة (90 كم جنوب شرق طرابلس)، إثر تحريرها من مليشيا حفتر، في 5 يونيو الجاري، مطالبا بإجراء تحقيق بانتهاكات حفتر.

وأضاف أن الحلف يشعر بقلق متزايد بشأن الأنشطة الروسية المتزايدة شرق البحر المتوسط، في كل من سوريا وليبيا، وأنه يتابع تطورات المنطقة عن كثب.

 

متغيرات عديدة

ما سبق يفيد بحدوث تغير في ديناميات "الناتو" المتعلقة بالملف الليبي، ما دفع مسؤولي الحلف إلى التأكيد، مرارا وتكرارا، على تطلعاتهم المتعلقة بالمساعدة في بناء المؤسسات الدفاعية والأمنية الليبية، ومساعدة حكومة طرابلس.

ومما لا شك فيه، أن مذكرتي التفاهم بين تركيا وليبيا كان لهما التأثير الأكبر في تغيير تلك الديناميات.

وبفضل التعاون بين أنقرة وطرابلس، تمكن الجيش الليبي من تحرير ما احتلته مليشيا حفتر من مناطق في طرابلس، ثم حرر مدينتي ترهونة وبني وليد ومناطق أخرى، ويتأهب حاليا لتحرير مدينة سرت (450 كم شرق العاصمة).

إضافة إلى ما سبق، فإن تحركات روسيا، المنافس الأزلي لحلف "الناتو"، في سوريا (بجانب نظام بشار الأسد) وفي ليبيا (لدعم حفتر)، بدأت تشكل مصدر إزعاج لقادة الحلف، مع تزايد الرفض الأمريكي للنشاط الروسي في المنطقة، وهو يتجلى من خلال دعم جماعة الحوثي في اليمن، بجانب زيادة نشاط موسكو الدبلوماسي مع مصر والإمارات.

إن نشر الولايات المتحدة صورا التقطتها أقمارها الاصطناعية، وتظهر توريد روسيا شحنات طائرات حربية من طراز"MiG-29" "Su-27"و إلى ليبيا، يفيد بوجود مؤشرات على مراجعة واشنطن لسياساتها تجاه الملف الليبي.

كما نشرت قيادة القوات الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم"، صورا لطائرات حربية روسية تقلع من قاعدة "الجفرة" الجوية بليبيا.

ووصفت "أفريكوم" روسيا، في بيان، بأنها "تاجر السلاح الأول"، الذي استفاد من الصراعات وحالة عدم الاستقرار في القارة الإفريقية.

وقال قائد عمليات "أفريكوم"، الجنرال برادفورد غيرنغ، إن روسيا تحاول صناعة نقاط ارتكاز استراتيجية في الجناح الجنوبي لحلف "الناتو"، على حساب أرواح الليبيين الأبرياء.

وأضاف أن تزايد وتيرة التعاون بين تركيا والولايات المتحدة، البلدين العضوين في "الناتو"، من شأنه تغيير خريطة التحالفات القائمة في ليبيا.

وأكد وزير الخارجية التركي، مولود تشاوش أوغلو، الخميس، وجود تقارب بين الرئيسين أردوغان وترامب بشأن ليبيا، وأنهما يعتزمان بناء تعاون ثنائي في الملف الليبي.

من ناحية أخرى، يتعمق انقسام بين دول الاتحاد الأوروبي بخصوص ليبيا، حيث تواصل فرنسا دعم حفتر، رغم عدم اعترافها صراحة بذلك، ما يثير انزعاج إيطاليا وألمانيا.

هكذا نرى أن "الناتو"، الذي عاد لاكتشاف دوره في ليبيا، بدأ يدرك أهمية الدور الذي قد يضطلع به في الملف الليبي، وبدأ يعطي مؤشرات على استعداده للعب دور سياسي أكثر نشاطا في الساحة الليبية.

المصدر | الأناضول