الخميس 3 سبتمبر 2015 06:09 ص

تتجه جميع الأنظار إلى واشنطن يوم الخميس المقبل (اليوم) حين يقوم العاهل السعودي بأول زيارة له إلى الولايات المتحدة منذ اعتلائه العرش في يناير/ كانون الثاني عقب وفاة أخيه غير الشقيق الملك «عبد الله». تشير بعض التقارير الأولية من الشرق الأوسط أن الملك قد يرافقه وفد كبير يضم ليس فقط من كبار المسؤولين، ولكن أيضا بعض رجال الأعمال المعروفين وبعض النساء البارزين في المملكة. وفي حين أن الزيارة يمكن أن تؤشر لحقبة جديدة لتحسن العلاقات بين البلدين اللذين طالما كانا حليفين وثيقين. ولكن ليس هناك شك أن الاضطرابات التي اجتاحت منطقة الشرق الأوسط منذ عام 2011 وقد وضعت ضغوطا على العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة.

ويقول العديد من المراقبين أن أحداثا على شاكلة تأييد الإطاحة بالرئيس المصري الأسبق «حسني مبارك» في عام 2011، ثم التراجع عن توجيه ضربات إلى قوات الرئيس السوري  «بشار الأسد» في سوريا حتى بعد أن تجاوزت الخط الأحمر الذي فرضته إدارة الرئيس «أوباما »من خلال استخدامها للأسلحة الكيميائية خارج دمشق في عام 2013. وفي يوليو/ تموز جاء توقيع الاتفاق النووي مع إيران ليزيد الصدع بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة. وفي حين أن الحديث عن تمزق أكثر خطورة في العلاقات بين البلدين ينبغي له ألا يؤخذ على محمل الجد، فالسعودية والولايات المتحدة لم يكونا طرفين في علاقة مصالح متبادلة امتدت طوال سبع عقود لمجرد المصادفة، إلا أن بعض السعوديين يدعون منذ فترة طويلة بلادهم إلى فطم نفسها عن الاعتماد الأولي على الولايات المتحدة كحليف استراتيجي وشريك تجاري. وهنا يأتي دور الصين.

لا يمكن للصين مجاراة السجل الحافل للولايات المتحدة في إبراز قوتها العسكرية في الشرق الأوسط. ومع ذلك، هناك اتفاق واسع النطاق بين السعوديين أنه خلال فترة من الاضطراب لم يسبق لها مثيل في المنطقة، فإنه من المهم جدا الحفاظ على جميع خياراتهم مفتوحة، وتعزيز العلاقات مع العديد من القوى الإقليمية والعالمية قدر الإمكان. وعلى قدر اهتمام المملكة العربية السعودية، فإن مميزات الاتجاه الصعودي لعلاقات أوثق مع الصين تفوق بكثير أي خسائر محتملة له.

بداية بطيئة

كان السعوديون المناهضون بشدة للشيوعية يقفون في المعسكر الأمريكي خلال الحرب الباردة. حتى أنه السعودية لعبت دورا هاما في دعم الجهاديين الأفغان في حربهم ضد الاتحاد السوفيتي الذي غزا البلاد عام 1979. ولذلك، فإنه لا ينبغي أن يشكل مفاجأة أن العلاقات السعودية الصينية كانت غير موجودة تقريبا بعد انتصار «ماو تسي تونغ» والشيوعيين في الصين عام 1949. ومع ذلك، عندما انهار الاتحاد السوفييتي في عام 1989 وبدأت الصين في تحرير اقتصادها فقد أقامت السعودية علاقات دبلوماسية مع الصين في عام 1990. وعلى الرغم من أن العلاقات تطورت ببطء، فإن هناك توافق واسع اليوم بين المسؤولين السعوديين ورجال الأعمال والمحللين أن العلاقات مع الصين لا ينبغي الإبقاء عليها فقط، ولكن ينبغي أيضا توسيع نطاقها.

النفط يعمق العلاقات السعودية الصينية

من المغري أن نفترض أن أي حديث حول العلاقات السعودية الصينية يبدأ وينتهي مع النفط. بعد كل شيء، فإن السعودية هي أكبر مصدر للنفط الخام في العالم والصين هي أكبر مستورد له في العالم. المملكة العربية السعودية هي في الواقع أكبر مورد للصين من النفط الخام.  في يوليو/تموز، صدرت السعوديين 993.000 برميل من النفط الخام يوميا إلى الصين، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 12 في المائة عن الشهر السابق له. مع استثناء فقط لشهر مايو/أيار الماضي حين تفوقت روسيا على المملكة العربية السعودية لفترة وجيزة كأكبر مزود للنفط الخام إلى الصين. وحافظت المملكة العربية السعودية على هذه الصدارة لمدة تقارب 10 سنوات.

زاد الطلب الصيني على الطاقة بشكل كبير خلال العقدين الماضيين حيث نما اقتصادها بوتيرة سريعة، وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن واردات الصين من الشرق الأوسط ستتضاعف تقريبا بحول عام 2035. وبما أن ثورة النفط الصخري أدت إلى زيادة الإنتاج المحلي الأمريكي وانخفاض الواردات السعودية، فقد بدت السوق الأسيوية أكثر جاذبية. الصين واليابان وكوريا الجنوبية ودول آسيوية أخرى تمثل ما يقرب من 70 في المائة من صادرات النفط الخام السعودية.

ومع ذلك، فإن علاقات الطاقة السعودية الصينية تتجاوز التجارة في النفط الخام وتشمل الاستثمارات السعودية الكبيرة في المصافي الصينية والشركات الصينية المساعدة في تطوير معامل التكرير الخاصة وحقول الغاز الطبيعي في المملكة العربية السعودية. كما ارتفعت احتياجات الطاقة المحلية الخاصة في المملكة العربية السعودية بسرعة في الآونة الأخيرة حيث تضاعف استهلاك الكهرباء منذ عام 2000،  ومن المتوقع أن يستمر في الزيادة. وقد حاول صناع السياسة تلبية الطلب المتزايد من خلال الاستفادة من الغاز الطبيعي في المملكة، ما يتيح فرصة لتصدير أكبر كم من النفط الخام. وبينما كانت نتائج البحث عن الغاز الطبيعي في المملكة العربية السعودية مخيبة للآمال، فقد قطع السعوديون خطوات حقيقية في توسيع قدراتهم التكريرية.

ومع قرار السعودية بذل جهود متضافرة لزيادة إنتاجها، فقد برزت شركة «سينوبك» الصينية إلى الأمام وتعاقدت مع شركة النفط السعودية «أرامكو» لبناء مصنع بطاقة 400 ألف برميل في اليوم. والذي بدأ تصدير أول شحناته في يناير/ كانون الثاني الماضي. ليس من المستغرب أن السعوديين استثمروا أيضا بشكل كبير في المصافي الصينية كي يضمنوا وضع المورد المفضل للصين على المدى الطويل . دخلت «أرامكو» السعودية في مشروع مشترك مع شركتي «بتروتشاينا» و«يونان» لبناء مصفاة بطاقة 260 ألف برميل يوميا في جنوب غرب الصين. هذا بالإضافة إلى المصفاة التي تديرها «أرامكو» في مقاطعة فوجيان جنبا إلى جنب مع شركتي «سينوبك» و«إكسون موبيل». وتعد الصين حاليا أكبر شريك تجاري للمملكة العربية السعودية. بدءا من ارتفاع جودة الإلكترونيات الصينية ورخص ثمنها، إلى المنسوجات والصناعات الغذائية التي تغرق السوق السعودي. التبادل التجاري بين البلدين يتزايد باستمرار، وتجاوز حاجز الـ72 مليار دولار العام الماضي. وقد شاركت الشركات الصينية أيضا في بعض مشاريع البناء الكبرى في المملكة العربية السعودية، بما في ذلك مشروع سكة حديد الحرمين الذي يربط المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة عبر مدينة جدة.

دون قيد أو شرط

ومع ذلك، في حين تقدر المملكة العربية السعودية الإمكانات طويلة الأجل للسوق الصينية لاستيعاب الخام السعودي والبتروكيماويات والمنتجات النفطية المكررة، فإن ما يعجب السعوديين حقيقة في العلاقات مع الصين أنها تأتي دون شروط. وعلى عكس الولايات المتحدة التي تصدر تقارير دورية تنتقد معاملة السعودية للأقليات الدينية أو تسلط الضوء على معاناة المرأة السعودية، فإن المسؤولين الصينيين يتجنبون بكل الأشكال انتقاد السياسة الداخلية أو الخارجية السعودية.

وبدلا من ذلك، يشيد المسؤولون الصينيون بالرياض على كافة المستويات، من الرئيس «شي جين بينغ» إلى العاملين في السفارة الصينية، الجميع يشيدون بالدور الهام الذي تلعبه المملكة العربية السعودية في سوق الطاقة العالمية، وفي الشرق الأوسط والعالم الإسلامي بشكل عام. كما أعلنت الصين بشكل واضح أنها تحترم خيارات السعوديين في اختيار مسارات التنمية التي تلائمهم. هذا الاختلاف يتم تقديره بشدة من قبل المملكة العربية السعودية، التي تحافظ منذ وقت كبير على صورتها كمهد للإسلام وراعية لأقدس الأماكن الإسلامية. مدعية الطريق إلى إصلاح المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية سوف تكون مختلفة عن نظيرتها في البلدان النامية الأخرى. كما لا يخفى على السعوديين أن الصينيين يعنون دولة معينة بذاتها حين يتحدثون عن الالتزام بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى. إنها الولايات المتحدة.

من جانبهم كذلك، فإن السعوديين نادرا ما يسلطون الضوء على التدابير الصينية المثيرة للجدل بحق الأقليات المسلمة وبخاصة الإيغور في المنطقة الغربية المضطربة «شينجيانغ». على سبيل المثال، في حين أصدرت مؤسسة مصر الإسلامية الأكثر احتراما، الأزهر، بيانا يدين تقارير حول قيام الصين بمنع بعض مسلميها من الصيام خلال شهر رمضان المبارك في وقت سابق من هذا العام، فإن المؤسسة الدينية السعودية لم تفعل. من ناحية أخرى، عندما استهدف المتطرفون الإيغور سوقا مفتوحا متسببين في مقتل العشرات في مايو/أيار عام 2014 أصدرت الحكومة السعودية بيانا يدين الهجوم «"الإجرامي»، ومؤطرا إياه ضمن إدانة واسعة لجميع الأعمال الإرهابية.

الصواريخ الصينية

مع استثناء ملحوظ في الأسابيع التي تلت غزو العراق للكويت في أغسطس/آب 1990، سيكون من الصعب العثور على فترة من الزمن في تاريخ المملكة العربية السعودية كان السعوديون يشعرون بتهديدات محدقة حول أمنهم مثلما يشعرون الآن. يشعر السعوديون أنه يجري تطويقهم من قبل إيران من ناحية ومن قبل التنظيم المعروف بـ«الدولة الإسلامية» من ناحية أخرى. فليس من المستغرب أن المملكة العربية السعودية أنفقت 80 مليار دولار على حاجيات الدفاع والأمن الداخلي خلال العام الماضي. وبينما لا تزال الولايات المتحدة حتى الآن أكبر مورد للأسلحة للسعوديين، فإن نفس التفكير الذي يدفع السعوديين لتنويع اقتصادهم فإنه يقودهم أيضا لتقليل الاعتماد على مورد أوحد للأسلحة. وسيكون الصينيون أكثر من سعداء لتلبية احتياجات السعوديين في هذا المجال أيضا.

وقد جرى توثيق قيام الصين بمنح المملكة العربية السعودية مجموعة من الصواريخ البالستية متوسطة المدى في عام 1988. وتشير التقارير إنه تم عقد الصفقة دون علم الولايات المتحدة الأمريكية. وقد ادعى تقرير صدر مؤخرا من قبل صحفي تحقيقات أمريكي بارز أن السعوديين اشتروا منظومة صواريخ  أكثر تطورا ودقة من الصين في عام 2007، لكن هذه المرة مع معرفة الولايات المتحدة. وخلافا لما كان عليه الوضع في الثمانينيات، فقد أصبح السعوديون أكثر شفافية حول قدرات الدفاع الصاروخي الخاصة بهم. وظهرت الصواريخ القديمة أثناء عرض عسكري تم بثه تليفزيونيا في مايو/ أيار 2014. وبينما تتمركز «الدولة الإسلامية» على طول حدودها الشمالية، والحوثيون على حدودها الجنوبية، فإن هناك تأييدا واسعا في المملكة لجميع المسائل والإجراءات المتعلقة بالأمن.

الطاقة النووية

وقبل توصل المملكة العربية السعودية ودول مجموعة 5+1 إلى اتفاق مع إيران بشأن أنشطتها النووية، كان السعوديون قد أوضحوا بأنهم ملتزمون بإيجاد مصادر بديلة للطاقة لتلبية احتياجاتهم المتزايدة من الطاقة المحلية. الإضافة إلى تخصيص المليارات من أجل تطوير الطاقة الشمسية، خصصت المملكة العربية السعودية مبلغ إضافي قدره 80 مليار دولار لتطوير ما يصل إلى ستة عشر مفاعلا نوويا على أن يتم الانتهاء من أولها بحلول عام 2022. وفي حين أن بعض كبار المسؤولين في العائلة المالكة السعودية قد أشاروا إلى رغبتهم في الحصول على نفس المستوى من القدرة النووية التي تم السماح بها لإيران بموجب الاتفاق، مما دفع بعض المراقبين أن يفترضوا أن السعي للحصول على الطاقة النووية يتعلق بالمنافسة مع إيران، فإن السعودية تصنف من بين أعلى المستهلكين كل من الكهرباء والمياه في العالم، ومحطات الطاقة النووية تبدو مناسبة تماما لتوليد الكهرباء وتوفير الطاقة لمحطات تحلية المياه.

تباين وافتراق في سوريا

في حين لا تصنف الصين ضمن المعسكر السياسي الأمريكي الذي تلقي عليه المسؤولية إلى حد كبير حول العنف الدائر في العراق، فإن سياسات الصين في سوريا قد كلفتها بعضا من رأسمالها السياسي وإن لم يكن بنفس القدر كما في حالة موسكو وطهران. وقد أغضب التأييد الصيني لنظام «بشار الأسد» في سوريا السعوديين وغيرهم ممن يلومون «الأسد» على صعود تنظيم «الدولة الإسلامية» إضافة إلى المذابح التي كلفت أكثر من 250 ألف شخص حياتهم. مع ذلك، فإن الوفد الصيني الذي يتكون من مسؤولين سابقين وأكاديميين ورجال الأعمال الذين حضروا المنتدى السعودي الصيني في الرياض في عام 2012 نفوا أن تكون الصين ملتزمة تجاه «بشار الأسد»، وجادلوا بأن مواقفها  في مجلس الأمن الدولي تستند في معظمها على حماية سيادة سوريا.

وقد انتقد مراقبون سياسة الصين الخارجية تجاه الشرق الأوسط لأنها لا تظهر ما يكفي من المبادرة أو الإرادة السياسية لمساعدة في حل النزاعات التي لا تعد ولا تحصى في المنطقة. السعوديون، وربما غيرهم، يرغبون في أن تلعب الصين دورا أكبر في المنطقة وليس فقط في المجال الاقتصادي. في حين أنه يبقى أن نرى ما إذا كانت الصين مستعدة للتخلي عن حذرها السياسي الشديد. ومع ذلك فإن التزامها بتقوية علاقاتها مع المملكة العربية السعودية ليس موضع شك أو تساؤل. ولا يمكن للسعوديين أن يكونوا أكثر سعادة للأمر.