الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 01:51 م

منذ عام 1946، قدمت الولايات المتحدة لمصر أكثر من 84 مليار دولار من المساعدات الخارجية المحسوبة بالدولار التاريخي غير المعدلة وفق التضخم، متمثلة في المساعدات العسكرية والاقتصادية.

وازدادت المساعدات بشكل كبير بعد التفاوض على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في كامب ديفيد عام 1978.

والآن، مع وصول المساعدات الأمريكية لمصر إلى نحو 1.3 مليارات دولار أمريكي سنويا، يقول ناشطو حقوق الإنسان والديمقراطية إن المساعدات الأمريكية يتم استخدامها في القيام بأنشطة تتعارض مع المصالح والقيم الأمريكية، وإن الوقت قد حان  لجعل هذه العملية مشروطة.

ووفقا لمشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط "بوميد"، لا تجني الولايات المتحدة الثمار المقصودة من "استثماراتها" الضخمة في البلاد.

ومع ذلك، بينما تسعى إدارة "ترامب" إلى تخفيضات جذرية في المساعدات الخارجية الأمريكية في أماكن أخرى، تواصل الإدارة طلب 1.3 مليارات دولار سنويا كمساعدات عسكرية لمصر.

وقال "أندرو ميلر"، نائب مدير السياسة في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط: "في وقت يتزايد فيه الضغط على الميزانية الفيدرالية الأمريكية، من المهم للغاية فهم العائد الحقيقي على الاستثمار الكبير الذي تقوم به الولايات المتحدة في الجيش المصري".

ولهذه الغاية، نشر "بوميد" صحيفة وقائع في يوليو/تموز تناولت المفاهيم الخاطئة الشائعة حول المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر، وسلطت الضوء على عدد كبير من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وغيرها من الانتهاكات. وتضمنت القائمة اعتقال وتعذيب مواطنين أمريكيين، واعتقال أطباء وصحفيين، وزيادة العنف ضد النساء والمثليين، واستمرار قمع الأقليات، بما في ذلك التمييز ضد المسيحيين المصريين.

كما أشارت إلى تعاون نظام "السيسي" مع ديكتاتوريات أخرى مثل كوريا الشمالية وشراء معدات عسكرية بمليارات الدولارات من روسيا.

وفي 9 سبتمبر/أيلول، عقدت لجنة الشؤون الخارجية التابعة للجنة مجلس النواب للشرق الأوسط وشمال أفريقيا والإرهاب الدولي جلسة استماع لتقييم وضع حقوق الإنسان في مصر.

وكان من بين الذين أدلوا بشهاداتهم "محمد سلطان"، وهو مواطن أمريكي رفع دعوى قضائية في يونيو/حزيران ضد مسؤولين مصريين بموجب قانون حماية ضحايا التعذيب.

وقدم "سلطان"، المؤسس المشارك ورئيس "مبادرة الحرية"، رواية مروعة عن "النضال من أجل الحرية" الذي استمر عامين في السجون المصرية.

ووصف تفاصيل مؤلمة للأفعال الفاسدة التي هدفت إلى تحطيمه، بل وحتى حمله على الانتحار.

وقال إنه تنقل بين 6 سجون ومراكز شرطة على مدار فترة احتجازه التي استمرت عامين، وفي كل مرة كان يُقابل "بحفلات ترحيب" من الحراس والضباط شملت "ضربه بالهراوات والسياط والأحزمة".

وقال "سلطان" إنه واجه استجوابا لا هوادة فيه من قبل قوات الأمن الوطني مع اتهامه بارتكاب "أبشع مجموعة مفبركة من الجرائم" انتقاما من "الاحتجاج السلمي على الانقلاب العسكري الوحشي والقمع العنيف ضد المواطنين، فيما يعرف باسم مذبحة رابعة".

وبعد 489 يوما من الإضراب عن الطعام، تم إطلاق سراح "سلطان" أخيرا عام 2015. وقال إنه كان أحد "المحظوظين" لأنه مواطن أمريكي. وهو الآن يقاتل من أجل ما يقرب من 60 ألف سجين سياسي آخر لا يزالون محتجزين لدى حكومة "السيسي".

لكن ضغط نظام "السيسي" عليه واضطهاده لم يتوقف منذ تحريره. وبعد رفع الدعوى القضائية ضد النظام المصري في يونيو/حزيران، ألقت السلطات المصرية القبض على 5 من أفراد عائلة "سلطان".

ولا يزالون رهن الاعتقال دون توجيه تهم إليهم، وقد طُلب من عمه أن يطلب من "سلطان" "إسقاط الدعوى" مقابل الإفراج عن 3 من أبناء عمومته.

أما والده، السجين السياسي منذ سبتمبر/أيلول 2013، فقد نقلته السلطات بعد أن رفع "سلطان" الدعوى القضائية مباشرة، ولم يتم الكشف عن مكانه.

وزعم "سلطان" في شهادته أن النظام قد اختطف والده فعليا وأخفاه قسريا كجزء من تكتيكاته الضاغطة.

وفي تعليقه على "العلاقة السامة أحادية الاتجاه" بين مصر والولايات المتحدة، أثار "سلطان" عددا من الأسئلة المؤثرة، ضمن لائحة اتهام لاذعة لإدارة "ترامب"، جاءت كما يلي:

كيف يمكن لنظام قاسٍ ندعمه بأكثر من 1.3 مليارات دولار من ضرائبنا كل عام، أن يعتدي على قضائنا ويخرق سيادتنا دون أي تداعيات؟ وكيف يمكن الاستمرار في الترحيب به على أنه "حليف وشريك"، بينما يزداد مقاومة للضغوط بشأن سجلهم السيئ في مجال حقوق الإنسان؟

وشهد "سلطان" أن هذه النتيجة لم يتم الوصول إليها من فراغ. وذكر أن الرئيس "ترامب" التقى بـ"السيسي" 3 مرات، لكن لم يثر "ترامب" مرة واحدة أي مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان. وقال "سلطان": "بل على العكس من ذلك، في الواقع، أشاد "ترامب" بـ"العمل الرائع" الذي يقوم به "السيسي" في مصر.

ولم يتم محاسبة النظام المصري على جريمة واحدة أو مخالفة ارتكبها منذ ذلك الحين. والجواب البسيط، لقد سُمح له دائما بالإفلات من العقاب. لقد مارست الولايات المتحدة مع مصر دبلوماسية بلا أسنان في مواجهة دبلوماسية بلطجة الدولة".

وشهد "بهي الدين حسن"، المدير والشريك المؤسس لمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أن "قنوات الحوار الوحيدة التي يسمح بها عبد الفتاح السيسي مع المدافعين عن حقوق الإنسان هي خطف وضرب أبنائهم أو بناتهم، أو اعتقال أزواجهن وزوجاتهم، أو إخفائهم قسرا أو تعذيبهم".

ووثق "حسن" سلسلة من الانتهاكات التي ارتكبها النظام المصري ضد المحامين والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وشجب "انهيار الأعراف القضائية" الذي لم يؤثر فقط على "القضايا السياسية، ولكن أيضا على التمييز الصارخ ضد المرأة"، مستشهدا بالعديد من حالات الاغتصاب التي تم نشرها مؤخرا على نطاق واسع والتي تم فيها سجن الضحايا والشهود.

وقال "حسن"، الذي تم اتهامه بـ"إهانة القضاء"، إن المدافعين عن حقوق الإنسان المستقلين كانوا يدافعون منذ أعوام عديدة، إلى جانب القضاة أنفسهم، عن استقلال القضاء.

وقال "حسن": "لم أقصد أبدا إهانة القضاء، لكنني انتقدت من حولوا أقدم نظام قضائي حديث في العالم العربي إلى سلاح ضد المعارضين السلميين".

ويعيش "حسن" حاليا في المنفى في فرنسا. وبشكل مؤثر، بينما أشار إلى أن شهادته أمام الكونجرس الأمريكي يمكن أن تؤدي إلى عقوبات جنائية إضافية في مصر، فقد دعا المجتمع الدولي إلى منع ذلك.

وأوضحت نائبة مدير مشروع أبحاث الديمقراطية في الشرق الأوسط في "بوميد"، "إيمي هوثورن"، في شهادتها، حماقة الوضع الراهن حيث تُمنح مليارات الدولارات لأحد أكثر الأنظمة قمعية في العالم.

وقالت إنه في الأعوام الـ7 منذ الإطاحة بالرئيس المصري الوحيد المنتخب ديمقراطيا، "محمد مرسي"، أصبحت حالة حقوق الإنسان أسوأ بشكل كبير، بل أسوأ مما كانت عليه في عهد "حسني مبارك".

وسلطت الضوء على الحجم المتزايد للقمع، والتوسع في الأهداف، والوحشية المطلقة لأعمال النظام القمعية المتزايدة.

وحثت على أن ترسم الولايات المتحدة "خطوطا حمراء واضحة". ومن بين هذه التوصيات التي استهدفت "ترامب" بشكل واضح، قالت:

"لا ينبغي دعوة السيسي لزيارة واشنطن طالما استمر في سجن المواطنين الأمريكيين ظلما وارتكب الانتهاكات المروعة الأخرى".

علاوة على ذلك، أصرت على أن الولايات المتحدة يجب ألا "تقدم مدحا غير مستحق وغير ذلك من الشرعية إلى السيسي ونظامه".

ودعت "هوثورن" الكونجرس إلى "خفض المساعدات العسكرية، وجعل شرائح الأموال المتبقية مشروطة بإجراءات محددة للحكومة المصرية"، مثل "إطلاق سراح المعتقلين السياسيين الأمريكيين"، والسماح للمسؤولين الأمريكيين "بمراقبة الاستخدام النهائي للمساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة بشكل كاف لضمان عدم استخدامها في انتهاكات حقوق الإنسان"، وهو استخدام غير قانوني بالفعل بموجب قانون مراقبة تصدير الأسلحة.

وبينما كشفت جلسة استماع اللجنة الفرعية لمجلس النواب عن العشرات من الانتهاكات الجسيمة التي تدفع الضرائب الأمريكية ثمنها في مصر، قد يعتمد الإجراء الذي قد تتخذه الولايات المتحدة على من سيفوز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني.

المصدر | إليزابيث ميرس - إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد