الأربعاء 2 ديسمبر 2020 11:10 م

يهدد مقتل "محسن فخري زاده" بتأجيج الأعمال العدائية في الشرق الأوسط، في وقت تحتاج فيه إيران إلى استعادة الدبلوماسية مع الولايات المتحدة لتخفيف العقوبات وإنقاذ اقتصادها، ولكنها تبحث أيضًا عن طرق لردع أعدائها.

ويعتبر اغتيال "فخري زاده" ضربة ضد القدرات النووية الإيرانية، والتي وافقت طهران على تحجيمها في الاتفاق النووي لعام 2015، لكنها عادت لتسريع برنامجها النووي بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في عام 2018.

من هو "محسن فخري زاده"؟

"فخري زاده"، هو أستاذ فيزياء وعميد في الحرس الثوري الإيراني، وكان يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه أبو برنامج الأسلحة الإيرانية في التسعينات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

وتتم مقارنة "فخري زاده" مع "روبرت أوبنهايمر"، الفيزيائي الأمريكي الذي أشرف على جهود الولايات المتحدة الهائلة لبناء قنبلة ذرية في الأربعينات، باعتبار أن "فخري زاده" هو المسؤول الأكثر قدرة على مساعدة إيران على التحول من برنامج نووي مدني إلى صنع قنبلة.

وكان العالم البالغ من العمر 62 عامًا هو المسؤول الأول عن خطة "أماد"، والتي، وفقًا لتقرير صادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قادت أعمال طهران المتعلقة بالأسلحة النووية قبل حلها، وتم تعيينه لاحقًا رئيسًا للمنظمة التي خلفتها.

وكان "فخري زاده" والوكالات المرتبطة به هدفا لعقوبات الولايات المتحدة والأمم المتحدة التي يرجع تاريخها إلى عام 2007 على الأقل، باعتبار أنه يهدد اتفاقيات منع انتشار الأسلحة النووية.

لماذا قتل؟

يقول مسؤولون غربيون حاليون وسابقون إن "فخري زاده" كان سيلعب دورًا حيويًا إذا قررت إيران القيام بجهد مفاجئ لبناء قنبلة نووية. 

وفي عام 2018، اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، "فخري زاده" بأنه شخصية رئيسية فيما تقول إسرائيل إنه صاحب مهمة سرية لامتلاك أسلحة نووية.

لكن مقتل "فخري زاده" لم يكن يهدف لمجرد منع إيران من الحصول على قنبلة نووية، وربما كان يهدف أيضًا إلى إفشال الدبلوماسية بين إيران والغرب.

وقال "عاموس يادلين"، المدير السابق للمخابرات العسكرية الإسرائيلية، إن أولئك الذين خططوا للعملية يهدفون إلى عرقلة عودة الإدارة الأمريكية المقبلة إلى الاتفاق النووي لعام 2015.

وأضاف أنه يمكن تفسير توقيت الهجوم جزئيًا من خلال الاعتبارات العملياتية، فقد أتيحت لمن يقفون وراء الهجوم فرصًا أخرى لاستهداف "فخري زاده".

من المسؤول عن الهجوم؟

اتهمت طهران إسرائيل بقتل العالم الإيراني، لكنها لم تقدم أي دليل يدعم هذا الادعاء.

وقال مسؤولون أمريكيون وإقليميون إنهم يشتبهون في مسؤولية إسرائيل التي لم تؤكد أو تنفي تورطها.

وقال "يوفال شتاينتس"، وزير الطاقة الإسرائيلي وعضو حزب الليكود بزعامة "نتنياهو"، لإذاعة "كان" العامة إن "الاغتيال الذي وقع في إيران، بغض النظر عمن فعل ذلك، لا يخدم إسرائيل  فحسب، بل يخدم المنطقة بأسرها والعالم".

ولم تعلن أي مجموعة أو جهة فاعلة أخرى مسؤوليتها.

كيف ردت السلطات الإيرانية على الهجوم؟

تعهد مسؤولون إيرانيون بالانتقام لمقتل "فخري زاده" لكنهم خففوا إلى حد كبير التوقعات برد سريع.

وقال المرشد الأعلى "علي خامنئي" والرئيس "حسن روحاني" وقائد الحرس الثوري اللواء "حسين سلامي" إن إيران ستنتقم لمقتله، لكن في الوقت المناسب لها.

على النقيض من ذلك، ردت طهران بسرعة في يناير/كانون الثاني بإطلاق صواريخ على قواعد تضم قوات أمريكية في العراق في أعقاب مقتل الجنرال الإيراني "قاسم سليماني".

ويُعد الاستبعاد الواضح للرد الفوري علامة على أن طهران تسعى إلى إبقاء الطريق مفتوحًا لإعادة التعامل الدبلوماسي مع واشنطن.

اتهمت إيران إسرائيل بالوقوف وراء مقتل 4 علماء نوويين إيرانيين بين عامي 2010 و 2012.

ويبدو أن بعضهم يعملون في مجالات يحتمل أن تكون مرتبطة بصنع القنابل.

بينما نجا عالم خامس وهو "فريدون عباسي" الذي جرى تعيينه فيما بعد رئيسًا لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية.

لم ترد إسرائيل مباشرة على الاتهامات ولكن عندما سئل في عام 2015، قال وزير الدفاع آنذاك "موشيه يعلون": "في النهاية، من الواضح جدًا، بطريقة أو بأخرى، أنه يجب إيقاف برنامج إيران النووي العسكري".

ماذا يعني ذلك بالنسبة لبرنامج إيران النووي؟

هناك اتفاق واسع على أن مقتل "فخري زاده" أطاح بشخص لديه علم وخبرة لا مثيل لها بالعمل النووي الإيراني السابق وقدراتها الحالية، فضلا عن الثقة الكاملة التي كان يحظى بها من المرشد الأعلى لإيران.

يقول المسؤولون الغربيون إن "فخري زاده" كان مديرًا فعالًا لبرنامج التسلح النووي الإيراني في التسعينات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث كان له دور حاسم في توظيف الأشخاص وكيفية تجنيدهم وكيفية الحفاظ على سرية البرنامج كما وضع خطة للحفاظ على قدرة إيران على استئناف عملها في مجال الأسلحة النووية.

وكانت خبرة "فخري زاده" في البنية التحتية لبرنامج الأسلحة النووية الذي يكتنفه الكثير من السرية تساعد إيران على استئناف العمل في صنع قنبلة نووية بسرعة أكبر بكثير إذا قررت ذلك.

ومع ذلك، فإن مقتل "فخري زاده" لن يؤثر على قدرة إيران على الاستمرار في مراكمة اليورانيوم المخصب، والذي يمكن تحويله إلى وقود نووي صالح لصنع الأسلحة، أو استخدامه على الصواريخ الباليستية التي يحتمل أن تكون قادرة على حمل رأس نووي. فمن المرجح أنه كان لديه العديد من الخلفاء الأكفاء لمواصلة عمله.

ما مدى قرب إيران من تطوير أسلحة نووية؟

أفادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في نوفمبر/تشرين الثاني، أنه منذ انسحاب إدارة "ترامب" من الاتفاق النووي في عام 2018، تراكم لدى إيران مخزون من اليورانيوم منخفض التخصيب يبلغ 2443 كيلوجرامًا، أي أكثر من 12 ضعفًا من الإجمالي المسموح به بموجب اتفاق 2015.

وتعد أقصى درجة نقاء لهذه المادة هي 4.5%، بينما تكون المواد المستخدمة في صنع الأسلحة مخصبة بنسبة 90%، ومع ذلك، إذا تم تخصيب المخزون الحالي إلى النسبة اللازمة لصنع الأسلحة، فسيكون كافياً لسلاحين.

ولكن المجهول الأكبر هو مدى قرب إيران من إتقان بناء وتركيب رأس نووي على صاروخ حيث أظهرت غارة إسرائيلية على أرشيف نووي إيراني في عام 2018 أن طهران احتفظت بالكثير من خبرتها في مجال الأسلحة النووية من برنامج أسلحتها السابق.

ويقول بعض المسؤولين إن إنتاج رأس حربي نووي سيستغرق عامين إلى 3 أعوام بافتراض عدم تدخل خارجي.

ويعتقد آخرون، مثل "ديفيد أولبرايت"، مفتش الأسلحة السابق ورئيس معهد العلوم والأمن الدولي في واشنطن، أن إيران يمكن أن تصل لجهاز اختبار في غضون 9 أشهر، وتصنع سلاحًا نوويًا في غضون عام، وتصنع رأسًا حربيًا يمكن تركيبه على صاروخ باليستي في غضون عامين.

ماذا يعني ذلك لمستقبل العلاقات الأمريكية - الإيرانية؟

يؤدي مقتل "فخري زاده" إلى تعقيد آفاق بداية جديدة في العلاقات الأمريكية الإيرانية من خلال الضغط على إيران للرد بطريقة من شأنها إفساد الدبلوماسية.

في النهاية، تتمثل الأولوية لإيران في تخفيف العقوبات من خلال التفاوض مع إدارة "بايدن" على عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، وقد قال "بايدن" إنه مستعد للعودة إلى الاتفاق إذا عادت طهران إلى الامتثال الكامل للالتزامتها بناء على الاتفاقية.

ومع ذلك، فإن مثل هذه المفاوضات ستستغرق وقتًا، كما أن عدة أحداث مثل اغتيال "فخري زاده"، وكذلك "سليماني" في يناير/كانون الثاني، وانفجار منشأة "نطنز" النووية الإيرانية في يوليو/تموز، تقلل من صبر طهران أثناء محاولات التواصل دبلوماسيًا مع واشنطن، خاصة مع وجهة النظر التي يتبناها المتشددون في إيران بأن جولات التفاوض والدبلوماسية ذات جدوى ضئيلة.

المصدر | سون إنجل راسموسن، ولورنس نورمان | وول ستريت جورنال - ترجمة وتحرير الخليج الجديد