الثلاثاء 13 أكتوبر 2015 01:10 ص

تعرَّضت مساعي مبعوث الأمم المتحدة لتحريك «الحل السياسي» في اليمن للجمود والمراوحة بسبب إعراض «الحوثيين» وحليفهم علي عبدالله صالح عن تقديم التزام موثَّق بقرارات مجلس الأمن، خصوصاً القرار 2216، كما طلبت الحكومة الشرعية، كي يُصار بعدئذٍ إلى البحث في ترتيبات تطبيق ذلك الالتزام على الأرض. 

وخلال الفترة الماضية كرر «بان كي مون» أن «لا حلّ عسكرياً في اليمن» فيما تضجّرت أوساط الأمانة العامة للمنظمة الدولية من تعثّر المساعي، ولم يخفِ بعض أوساطها اعتقادهم أن الحكومة الشرعية وضعت عقدة تعجيزية رغم أن خصومها أبدوا رغبة في الالتزام، بدليل ما تنقله إيجازات المبعوث إسماعيل ولد الشيخ أحمد من «تنازلات» و«استعدادات إيجابية» لتلبية موجبات القرار الدولي...

وبعد تلكؤ طال أسابيع أُعلن أن الحوثيين و«الصالحيين» بعثوا رسالتين يتعهّدون فيهما بالالتزام المطلوب كتابياً.

واقعياً، كانت هذه الخطوة لتشكّل تقدماً في المشاورات الجارية لو أنها تضمّنت فعلاً ذلك الالتزام بالقرار، لكن الرسالتين جاءتا عبارة عن صياغة لشروط الحوثيين وحليفهم وتصوّرهم لخريطة الطريق لإنهاء الأزمة، بل يعتقد بأنهما تلخيص لمناقشاتهم مع المبعوث الأممي، الذي يُفترض أن يكون شرح لهم أن ما يقدمونه لا يمكن أن يُعتبر رضوخاً للقرار، بل إنه تطويع له والتفاف عليه، لا لشيء إلا لأن شروطهم تتجاهل منطق القرار الدولي ومنطلقه.

ولأنهم انقلبوا على حكومة شرعية، فلولا وجود هذه الحكومة وعدم ارتكابها جرائم أو عنف في حق الشعب اليمني لما كان ذلك القرار الدولي أصلاً، ولما تقبّل العالم عمليتي «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل» ولما اعترف بشرعيتهما. وبالتالي فإن الأزمة التي أشعلت حرباً بسبب غباء الانقلابيين وأطماع الرئيس المخلوع، لا يمكن أن تُحلَّ «سياسياً» بمجرد التذاكي على المطالب الدولية.

تشير أولى النقاط السبع التي جرى تداولها في مشاورات مسقط إلى الالتزام بالقرار 2216 «وفق آلية تنفيذية يتم التوافق عليها» وبما «لا يمس السيادة الوطنية». لا بدّ من أن تكون هناك آلية بطبيعة الحال، لكن لا بدّ أن يكون واضحاً منذ اللحظة الأولى أن الدولة هي الدولة وأن الميليشيات هي ميليشيات.

لكن ما يسمّى «التزاماً» من الحوثيين و«الصالحيين» ينتهج بدءاً غموضاً بشأن اعترافهم بـ«الدولة»، فالآلية بالنسبة إليهم هي تسوية بين طرفين، وإذ يشيرون إلى «السيادة»، فإنهم يريدون المفاوضات السياسية كفرصة لإنهاء تدخل «التحالف العربي» وإطاراً لضمان عزل الحكومة الشرعية عمّن دعمها ومكّنها من العودة إلى عدن لتعمل من أجل جميع اليمنيين.

أما وقف إطلاق النار والانسحاب من المدن، في النقطة الثانية، فمن الواضح أنهم يريدون إخضاعه للمعادلة الميدانية وليس لمرجعية الجيش والأمن الوطنيين، ثم إنهم يشترطون لالتزامه رفع الحصار البري والجوي والبحري، وهو الحصار الذي حرمهم من الدعم الإيراني.

يستمر التذاكي في النقطتين التاليتين، بناء على ما سبقهما، بالنسبة إلى رقابة الأمم المتحدة، الوحيدة المقبولة، أو إلى إدخال البضائع من دون قيود، لكن المهم أن الانقلابيين يعبّرون عن رفض واضح للرئيس عبد ربه منصور هادي، إذ يشيرون (في النقطة 5) إلى عودة حكومة خالد البحاح «المشكّلة بالتوافق» لتصريف الأعمال، وهي الحكومة التي احتجزوا رئيسها وطاردوا أعضاءها، ويريدون تشكيل حكومة وحدة وطنية «لا تتعارض مع الدستور».

وليس معروفاً أهو الدستور الذي انتهكوه أم ذاك الذي منعوا تبنّيه رغم أن أطراف الحوار الوطني وافقت عليه. أما الأهم، فهو أن الحوثيين يطلبون (النقطة 6) استئناف و«تسريع» الحوار بين الأطراف اليمنية من النقطة التي بلغها بإشراف المبعوث الأممي السابق. بديهي أن هذا الحوار وارد في أي خطة لتطبيع الوضع، لكن الحوثيين سبق أن استخدموه غطاءً لانقلابهم، ولا يمكن أن يكون مجدياً إلا في مناخ أمني سليم، ولا أمن ولا أمان بوجود السلاح في أيدي الحوثيين.

تأكيداً لذلك يشترط الحوثيون (النقطة 7) «تسليم السلاح الثقيل إلى الدولة وفقاً لمخرجات الحوار الوطني الشامل». أي أن الحوار المزمع، بعد كل الاشتراطات على وقف إطلاق النار، سيُجرى في ظل سلاح ثقيل نهبه الانقلابيون من ثكن الجيش ولن يعيدوه إلى «الدولة» إلا إذا كانت مخرجات الحوار تناسبهم.

لا شك أن هذه وصفة لنسف الحل السلمي برمّته، ورغم أن كل صيغة الالتزام الحوثي - «الصالحي» ملغومة، فإن اللغم الحقيقي يكمن في المفهوم الذي يُراد فرضه على تنفيذ القرار 2216 ليصبح تسوية بين طرفين متنازعين وليس بين دولة وميليشيات، وهو ما يجب أن ترفضه الأمم المتحدة قبل سواها.