السبت 17 أبريل 2021 02:45 ص

من المنطقي أن يتمتع سد النهضة الأثيوبي بدعم أغلبية ساحقة من الأثيوبيين على اختلاف انتماءاتهم السياسية، حيث يجري الترويج له باعتباره سيحدث نقلة في بلد لا يستطيع حوالي 60% من سكانه الوصول إلى الكهرباء، حيث من المتوقع أن يولّد حوالي 6500 ميجاوات من الطاقة الكهرومائية التي سيتم تصدير بعضها إلى الدول المجاورة.

وعندما تم الانتهاء من مرحلة التعبئة الأولى في يوليو/تموز الماضي، وملء 4.9 مليار متر مكعب من المياه في خزان السد، وصف رئيس الوزراء الأثيوبي "آبي أحمد" هذه الخطوة بـ "نقطة تحول" في تنمية إثيوبيا، ومن المتوقع أن تبدأ مرحلة التعبئة الثانية، والتي ستصل لإجمالي 13.5 مليار متر مكعب من الماء، في يوليو/تموز المقبل.

أما مصر فهي تشعر بالخطر على إمداداتها من المياه، باعتبارها دولة مصب تعتمد على النيل لتلبية احتياجاتها من المياه العذبة.

وقد أعطت اتفاقيات تقاسم المياه التي تم التوصل إليها في عام 1929 و 1956 مصر الحق في حصة الأسد من مياه النيل، لكن السد الجديد يهدد هذه الاتفاقيات.

وأغضب إصرار مصر على حقوقها التاريخية إثيوبيا وكذلك الدول الأفريقية الأخرى التي تدعم بناء السد.

وأصبحت مصر في مأزق لأن أديس أبابا مصممة على المضي قدما، تاركة للقاهرة خيارات محدودة للغاية.

عناد إثيوبيا

عندما وضعت إثيوبيا الأساس لسد النهضة في 2011، انخرطت في محادثات مع مصر والسودان، لحل النزاع على حقوق المياه، لكن مصر اتهمت إثيوبيا بعدم التفاوض بحسن نية، وأن الإثيوبيين يحاولون إطالة المحادثات لأطول فترة ممكنة بدلا من التوصل إلى اتفاق.

وفشلت المفاوضات الأخيرة في كينشاسا، تماما مثل محادثات العام الماضي في واشنطن، لأن إثيوبيا رفضت الالتزام باتفاق ملزم على زمن الملء وتشغيل السد.

وتريد إثيوبيا الاكتفاء فقط بصفقة حول المبادئ العامة، بما لا يتطلب تقديم تنازلات أو ضمانات، وقد رفضت مطالب مصر بـ 55 مليار متر مكعب من الماء سنويا لأنها ستؤثر على إمداداتها خلال فترات الجفاف، والتي قد تستمر نحو 18 شهرا.

وبالمثل، فإن قلق مصر الرئيسي بشأن السد هو كيف سيؤثر على الإمدادات خلال فترات الجفاف الممتدة.

وعرضت إثيوبيا إطلاع مصر والسودان على عملية التعبئة التي ستبدأ في يوليو/تموز من خلال مشغلين معينين من قبل البلدين، ولكن مصر والسودان ترى أن هذا بمثابة محاولة لشراء الوقت وفرض حقائق جديدة على أرض الواقع، لأن الاقتراح الإثيوبي لا يحدد المعلومات التي ترغب حكومة أديس أبابا في مشاركتها.

لكن أديس أبابا ليس لديها حافز لتقديم تنازلات؛ حيث أفرجت إدارة "بايدن" بالفعل عن 272 مليون دولار من المساعدات لإثيوبيا والتي تم تجميدها في عهد الرئيس السابق "دونالد ترامب" على إثر رفضها لتوقيع اتفاقية ملزمة مع مصر برعاية الولايات المتحدة.

وبالتالي، تسبب فك ارتباط المساعدات المالية بمفاوضات السد، في طمأنة أديس أبابا بأن الولايات المتحدة لم تعطِ الإذن لضربة عسكرية مصرية ضد السد.

وأعرب مستشار الأمن القومي الأمريكي "جاك سوليفان" عن استعداد الولايات المتحدة للمساعدة في حل النزاع.

لكن إثيوبيا حريصة على إبعاد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة عن المحادثات، مفضلة بدلا من ذلك وساطة الاتحاد الأفريقي فقط، في ظل اعتقادها بأن دول جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية ستتعاطف مع قضيتها وتفهم تصورها لمصر "كقوة استعمارية".

عقبات الخيار العسكري

هددت مصر مرارا وتكرارا باستخدام القوة للدفاع عن حقوقها في النيل. وفي عام 1978، قال الرئيس المصري "أنور السادات" إن القضية الوحيدة التي يمكن أن تدفع مصر إلى الحرب هي المياه.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، حذر الرئيس "عبد الفتاح السيسي" من أن عرقلة وصول مصر إلى النيل سيؤدي إلى "عدم استقرار في المنطقة بشكل لا يتصوره أحد".

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، وقعت مصر اتفاقيات تعاون عسكري مع 3 دول على ضفاف نهر النيل؛ هي السودان وأوغندا وبوروندي. وتستطيع القوات الجوية المصرية من الناحية النظرية أن تضرب السد، حيث رفعت الولايات المتحدة الفيتو الخاص بها عن شراء مصر لصواريخ "SCALP-EG" من فرنسا.

وتحتاج طائرات "الرافال" في رحلة القصف إلى طائرات مقاتلة مرافقة، مثل طائرات "SU-35" والتي تلقت مصر 5 منها. ومع ذلك، فقد تواجه القوات الجوية المصرية مشكلة في دمجها في ترسانتها.

وبالرغم من حجم القوات الجوية المصرية، فإن معظم أسطولها عفا عليها الزمن، وتقل لديها جدا الطائرات القادرة على تنفيذ مثل هذه العملية المعقدة.

وستحتاج مصر إلى دعم السودان لاستهداف السد، لكن السودان غير راغب بالدخول في حرب، ومع أن مصر والسودان عقدتا تدريبين جويين مشتركين يحاكيان هجومًا على أهداف العدو، إلا أن الهجوم على السد غير مرجح.

وقال مسؤولون من كلا البلدين إن جميع الخيارات مطروحة لحل النزاع، ولكن الملاذ الأخير بالنسبة للسودان هو الذهاب لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فقد استبعد وزير خارجية السودان الحل العسكري قائلا إنه يجب استنفاد جميع الخيارات الدبلوماسية.

نفاد أوراق الضغط

لطالما شعر العديد من الزعماء المصريين بالقلق بشأن القدرة على الوصول إلى موارد مياه النيل.

ففي الخمسينيات من القرن الماضي، دعا "جمال عبدالناصر" مرارا وتكرارا الإمبراطور الإثيوبي "هيلا سيلاسي" لزيارة القاهرة، لكن تم رفض الدعوة. 

كما دعا "ناصر" لفكرة توحيد دول وادي النيل، وهي فكرة رفضتها إثيوبيا بصرامة.

بعد فشل "عبدالناصر" في التأثير على "هيلا سيلاسي" ليتعاون، سعى إلى زعزعة استقرار إثيوبيا، كما فعل مع السودان بعد أن أعلنت بشكل أحادي الاستقلال عن بريطانيا ومصر في عام 1956.

وتسبب الرئيس السابق "حسني مبارك" في فقد مصر لأوراق الضغط، بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا بعد محاولة اغتياله في عام 1995 بينما كان في أديس أبابا لحضور قمة أفريقية، وهكذا عزل "مبارك" مصر عن إثيوبيا ومعظم إفريقيا، وعلق أنشطة مجلس الأعمال الإثيوبي المصري لمدة 17 عاما.

وكانت سياسات "مبارك" قصيرة النظر سببا في إقدام إثيوبيا على مشروعها العملاق دون الحاجة إلى القلق بشأن موافقة مصر.

كما علّقت مصر عضويتها في مبادرة حوض النيل في عام 2010 بعد أن وقعت 6 دول على ضفاف النيل اتفاقية عنتيبي، والتي قللت نصيب مصر والسودان من موارد مياه النيل.

وفي الآونة الأخيرة، اتهم المنتقدون "السيسي" بإضعاف موقف مصر التفاوضي من خلال توقيع إعلان المبادئ المثير للجدل عام 2015، والذي عرض تعويضات على بناء السد لبلدان المصب.

فمن خلال توقيع الاتفاقية، اعترفت مصر بحق إثيوبيا في ملء خزان السد وأضعفت حقها في الاعتراض،

وطلب وزير الخارجية المصري من نظيره الروسي التدخل ومنع إثيوبيا من اتخاذ قرارات منفردة يمكن أن تؤثر على إمدادات المياه لمصر، بالرغم من معرفته أن أديس أبابا تعارض الوساطة الأجنبية. وألقى "السيسي" باللوم في أزمة المياه على ثورة 2011 التي أطاحت بنظام "مبارك"، زاعما أن إثيوبيا لم يكن بإمكانها بناء السد لولا الثورة.

لكن الحقيقة هي أن خطط السد تعود إلى عام 2001، وأن مصر درست بالفعل عواقب بناء السد في عام 2009، عندما شكلت لجنة تقييم حالة شملت ممثلي وزارات الدفاع، والشؤون الخارجية والداخلية والموارد المائية والكهرباء.

والواقع الآن، أن بناء السد وصل لنقطة لا رجعة عنها، وباعتبار مصر دولة مصب، فليس لديها خيار عدا إبقاء قنوات التواصل مفتوحة.

وفي حين أظهر الزعماء الإثيوبيون من "هيلا سيلاسي" إلى "آبي أحمد" عزمًا على إدارة الموارد المائية في بلدهم، فقد فشل القادة المصريون من "عبدالناصر" إلى "السيسي" في حمايتها.

المصدر | هلال خاشان/جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد