تهدد الاحتجاجات في العراق بزعزعة استقرار الحكومة (مضى على تشكيلها عام واحد فقط) وذلك قبل أشهر من انتخابات أكتوبر/تشرين الأول المقبل، لكن من غير المرجح أن تزعزع هذه الاحتجاجات نفوذ إيران الراسخ بشكل عميق في بغداد.

واندلعت احتجاجات يوم 25 مايو/أيار الجاري تطالب الحكومة العراقية بالإصلاحات ومحاسبة المتورطين في عمليات القتل خارج نطاق القانون.

واكتسبت الاحتجاجات زخما شعبيا مماثلا لتلك الاحتجاجات التي شوهدت في عام 2019 قبل جائحة "كوفيد 19".

ومن المرجح أن تتواصل الاحتجاجات قبل الانتخابات البرلمانية في أكتوبر/تشرين الأول، مما يوفر فرصا لاشتعال التوتر بين الناشطين العراقيين والميليشيات المدعومة من إيران، والتي يعتقد كثيرون أنها متورطة في عمليات اغتيال الناشطين خلال العامين الماضيين.

وبعد ساعات من المظاهرات التي كانت سلمية في معظمها تحت عنوان "من قتلني؟" في 25 مايو/أيار، أطلقت قوات الأمن العراقية في بغداد الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع في بعض الاحتجاجات الكبيرة، مما أسفر عن مقتل اثنين من المتظاهرين على الأقل وإصابة آخرين، بالرغم أن المظاهرات انطلقت بعد تصريح رسمي من الحكومة.

ويشعر الكثير من العراقيين بالإحباط من فشل حكومتهم في كبح جماح الميليشيات المدعومة من إيران، والتي يعتبرها البعض من أخطر القضايا الأمنية في العراق إلى جانب تمرد "الدولة الإسلامية" المتواصل.

وبالإضافة إلى الإصلاحات الاقتصادية والانتخابية، يطالب المحتجون بأن تتخذ الحكومة المزيد من الإجراءات لحماية المدنيين من العنف الذي تقوم به العديد من الميليشيات التي تعمل كوكلاء لجهات أجنبية.

الميليشيات بلا كابح

ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2019، قتل ما لا يقل عن 560 متظاهرا في العراق في اشتباكات مع قوات الأمن أو هجمات نفذتها عصابات يعتقد على نطاق واسع أنها تابعة للميليشيات المدعومة من إيران.

وكان هناك أيضا 34 اغتيالا و 47 محاولة اغتيال للناشطين والصحفيين في نفس الفترة الزمنية.

وفي معظم الحالات، نفذ الاغتيالات رجال مسلحون على دراجات نارية.

ويشعر العديد من العراقيين أيضا أن قادة الميليشيات يعملون خارج سيادة القانون، مما جعل حوادث مثل اعتقال القائد بالحشد الشعبي "قاسم مصلح" في 26 مايو/أيار، اختبارًا كبيرًا لقدرة الحكومة على مقاضاة أعضاء الميليشيات.

وإذا أطلقت الحكومة سراح "مصلح" بسرعة، فمن المحتمل أن يستفز ذلك الناشطين وينظروا للأمر على أنه رضوخ للميليشيات، أما إذا اعتقلت الحكومة "مصلح" لفترة طويلة، فمن المرجح أن ينتقم أعضاء الميليشيات، مثلما فعلوا في 26 مايو/أيار عندما هددوا أمن المنطقة الخضراء في بغداد.

ومع ذلك، لن يكون من السهل على رئيس الوزراء "مصطفى الكاظمي" وحكومته منع الميليشيات العراقية من اكتساب المزيد من النفوذ في بغداد.

ومع أن احتواء نفوذ الميليشيات المرتبطة بإيران كان أحد تعهدات "الكاظمي" الأولى عند توليه منصبه في مايو/أيار 2020، إلا إنه أثبت عدم مقدرته إلى حد كبير على تحقيق هذا الوعد، وهو الأمر الذي تسبب في إحباط لدى عموم العراقيين وأشعل الاحتجاجات.

يشار إلى أن "الكاظمي" أنشأ لجنة في مايو/أيار 2020 للتحقيق في عمليات القتل خارج نطاق القانون استجابة للغضب الشعبي، لكن اللجنة لم تحرز شيئًا يُذكر منذ ذلك الحين.

تهديد للحكومة وليس لإيران

ومع عجز بغداد عن تلبية مطالب المتظاهرين، فمن المرجح أن يتواصل زخم المظاهرات قبل الانتخابات لتصبح مصدرا كبيرًا للاضطرابات، كما إن استمرار الاحتجاجات يمكن أن يشجع المزيد من العراقيين على تحدي إدارة "الكاظمي" للقضايا الأخرى.

ويمكن أن يؤدي استمرار الاضطرابات قبل انتخابات أكتوبر/تشرين الأول، إلى تعطيل أو تأخير الانتخابات نفسها، كما إن العديد من المتظاهرين مصرّون على مقاطعة الانتخابات، حيث ينظرون إليها كوسيلة لترسيخ النفوذ السياسي للميليشيات المدعومة من إيران. وقد أكد "الكاظمي" مجددا في 27 مايو/أيار في اجتماع أمني أن حكومته لا تنوي تأخير الانتخابات.

ومع ذلك، فإن حركة الاحتجاج ستفشل في نهاية المطاف في زعزعة نفوذ إيران الراسخ بشدة في بغداد.

ومع استمرار المظاهرات، فإن مقاومة المتظاهرين للميليشيات المدعومة من إيران ستبدأ في التوسع لتصل إلى دعوات لاقتلاع النفوذ الإيراني في البلاد ككل، وهو ما لا يرجح أن تستجيب له الحكومة العراقية، خوفًا من الإضرار بعلاقاتها مع حليف مهم، حيث تزود إيران العراق بالكهرباء والمواد الغذائية وغيرها من البضائع، كما قدمت إيران تدريبات أمنية للميليشيات التي تعمل رسميا داخل قوات الأمن العراقية.

وفي حين أن إيران لا تسيطر بشكل مباشر على تصرفات الميليشيات المتحالفة معها في العراق، فإنها قادرة على التأثير على الوضع السياسي في بغداد بشكل غير مباشر من خلال قادة تلك المجموعات.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد