الاثنين 7 يونيو 2021 05:52 ص

تحاول روسيا في السنوات الأخيرة أن تعيد فرض نفوذها في مناطق العالم العربي وأفريقيا التي كان لها فيها نفوذ كبير في العصر السوفييتي منذ عقود، ويتجلى هذا في سياستها الخارجية تجاه السودان، وهي دولة كانت مؤيدة للسوفييت منذ 1969 (عندما تولى جعفر النميري السلطة) حتى الانقلاب المدعوم من الشيوعيين في 1971.

وتنبع أهمية السودان الاستراتيجية بالنسبة لروسيا من موقعها الجغرافي على طول البحر الأحمر، الذي يربط البحر الأبيض المتوسط ​​بآسيا، وهو أحد أكثر المجاري المائية ازدحاما في العالم.

كان للسوفييت ذات يوم بصمة عسكرية على طول البحر الأحمر في إثيوبيا والصومال وجنوب اليمن، وبالتالي فإن إعادة ترسيخ روسيا لوجودها في المنطقة أمر حاسم في إظهار النفوذ البحري والوصول إلى المحيط الهندي.

وبوجود منشأة بحرية لروسيا في سوريا والتحدث عن المزيد من القواعد في ليبيا، فإن ترسيخها لموطئ قدم في السودان يوفر لموسكو منصات في كل من البحر المتوسط ​​والأحمر، فيما يعد خطوة مهمة في جهود روسيا لتصبح قوة بحرية عالمية.

السودان يحاول الموازنة

على مدى القرن 21، وخاصة منذ عام 2017، عززت روسيا علاقتها بشكل ملحوظ مع السودان في عهد الرئيس "عمر البشير" والحكومة الانتقالية الحالية.

واليوم، أصبحت السودان واحدة من أكبر أسواق الأسلحة لروسيا في إفريقيا، وبلغت التجارة الثنائية 500 مليون دولار في عام 2018، مما يجعل السودان ثالث أكبر شريك تجاري لروسيا جنوب الصحراء الكبرى.

لكن السودان في الوقت ذاته يتطلع لفرص جديدة لتعميق العلاقات مع الغرب، بعد إزالته من قائمة الحكومة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، في أواخر عام 2020.

وهكذا يجب على السودان موازنة نفسه جيوسياسيًا بين روسيا والولايات المتحدة، في وقت يمكن أن ينضغط فيه بسبب المنافسة الأمريكية الروسية على النفوذ في البحر الأحمر.

الماضي الروسي مع البشير

وخلال الفترة بين 2005 و2010، اتهمت المحكمة الجنائية الدولية "البشير" ولاحقته، وأصبح السودان بعد فرض العقوبات، معزولًا ومنبوذًا عالميًا بشكل متزايد.

ونتيجة لذلك، أولى نظام الخرطوم اهتمامًا أكبر لعلاقته مع روسيا، وعزز دعم موسكو من السرديات الروسية حول احترامها للحقوق السيادية للبلدان العربية والأفريقية، إذ أنه لطالما قدمت روسيا نفسها لدول العالم الثالث كحصن ضد التدخل الغربي في الشؤون الداخلية لدول العربية والأفريقية، وترفض وعظ المستبدين حول حقوق الإنسان.

وبالرغم من أن "البشير" كان مطلوبا من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، فقد زار مدينة سوتشي الساحلية الروسية في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، مسافرًا على متن طائرة أرسلها الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" إلى الخرطوم.

ومع مراقبة "البشير" للتدخل الروسي في سوريا لدعم حكومة "بشار الأسد"، في أواخر عام 2015، فإنه طلب المساعدة من "بوتين" في مواجهة ما رآه تهديدات وجودية داخلية وخارجية لنظامه.

تضمنت هذه التهديدات اندلاعات للصراعات في المناطق الطرفية للبلاد والمظاهرات المناهضة للحكومة في المدن السودانية، وكذلك العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة، وأعرب "البشير" أثناء وجوده في سوتشي أيضا عن اهتمام بشراء نظام الدفاع الجوي "S-300" الروسي.

وجاءت رحلة "البشير" إلى المدينة المطلة على البحر الأسود قبل 13 شهرا من زيارته التي قام بها لـ "الأسد" في دمشق، في علامة على أن السودان أصبح أكثر دعمًا لأجندة روسيا الإقليمية، التي تنطوي على دفع الدول العربية لإعادة تطبيع العلاقات كاملة مع الحكومة السورية.

وفي سوتشي أيضًا، أعرب "البشير" عن دعم العمليات العسكرية الروسية في سوريا، ومواقف موسكو بشأن القضايا الأخرى المثيرة للجدل في الشرق الأوسط.

ولعب "البشير" بطاقة مناهضة الولايات المتحدة لاسترضاء القيادة الروسية، قائلًا لـ"بوتين": "نحن نعارض التدخل الأمريكي في الشؤون الداخلية للدول العربية، ولا سيما التدخل الأمريكي في العراق".

تم ربط توقيت زيارة "البشير" إلى سوتشي برغبته في استغلال التنافس الأمريكي الروسي لمصلحته الخاصة، وعندما ذهب "البشير" إلى روسيا، توقعت الخرطوم بناء على ذلك أن تليّن إدارة "ترامب" موقف واشنطن ضد النظام السوداني.

وتعززت توقعات السودان هذه بفعل ولع الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" بدعم الدكتاتوريين، وكذلك اصطفاف السودان مع دول مجلس التعاون الخليجي ضد إيران في عام 2016، بالإضافة إلى اتفاق بعد محادثات سوتشي، بإنشاء روسيا لقاعدة بحرية على ساحل البحر الأحمر في السودان، وهو تطور ستراه واشنطن كتهديد، وربما سيؤدي لتواصل أمريكي مع الخرطوم لبدء فصل جديد في العلاقات الثنائية.

علاقات بالسودان بعد الثورة

في عامي 2018 و2019، خرج المواطنون السودانيون إلى الشوارع، مطالبين بإصلاحات ديمقراطية وطالبوا "البشير" بالتنحي.

هبت روسيا حينذاك للدفاع عن رئيس السودان، عبر مجموعة "فاجنر" المرتبطة بالكرملين، وهي شركة عسكرية خاصة روسية، عملت مع قوات الأمن السودانية لقمع المتظاهرين.

كما خطط المتخصصون الروس لحملة معلومات مضللة يطلقها نظام "البشير"، وهي محاولة كانت ستجعل من الأخبار الكاذبة ضد المتظاهرين سلاحًا، وتصورهم على أنهم مؤيدون لإسرائيل، ومؤيدون لـ"مجتمع الميم"، ومعادون للإسلام، ومرتبطون بجهات فاعلة أجنبية.

ومنذ أن عزل الجيش السوداني "البشير"، في أبريل/نيسان 2019، توجب على روسيا أن تتعامل مع الواقع السياسي الجديد، وعملت موسكو بجد للحفاظ على علاقات ثنائية جيدة مع الخرطوم بغض النظر عن المؤسسات والشخصيات التي تتولى زمام الأمور.

ويحتمل أن تواجه روسيا معارضة مستمرة لدى هؤلاء الذين يشكلون المكون المدني للحكومة في الخرطوم، من الذين دعموا الثورة واعتبروا دعم موسكو لـ"البشير" مضادًا للثورة.

قاعدة روسيا البحرية

في ديسمبر/كانون الأول 2020، وقعت الخرطوم وموسكو اتفاقية تعاون عسكري فني لإنشاء قاعدة لوجستية بحرية روسية في بورتسودان على ساحل البحر الأحمر.

ويعد هذا المركز البحري هو الأول لروسيا في إفريقيا والثاني خارج الاتحاد السوفيتي السابق، وتهدف الاتفاقية إلى "الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة"، وتبلغ مدتها 25 عامًا، وهي تسمح للروس بإرساء 4 سفن و300 فرد كحد أقصى في الميناء، كما تمنح روسيا "نافذة على إفريقيا".

ويمنح الاتفاق لروسيا أيضًا حرية استخدام المطارات السودانية لنقل "الأسلحة والذخيرة والمعدات" اللازمة لدعم القاعدة.

والواقع أن الدافع الرئيسي لهذه الاتفاقية، يكمن في مصالح الطاقة الروسية، حيث أوضح المحلل السياسي "نيكولا ميكوفيتش" في مقال افتتاحي في ديسمبر/كانون الأول 2020، أن "القاعدة ستساعد موسكو على فرض قدر من السيطرة على تدفق النفط الذي يمر عبر منطقة شمال شرق إفريقيا".

لكن هذا لا يخلو من التحديات، وفقًا لـ"ميكوفيتش"، الذي قال: "تقع معظم حقول النفط في المنطقة جنوب السودان، لكن صادرات النفط تعتمد بشكل كامل تقريبًا على جمهورية السودان. وإذا كانت روسيا تهدف بالفعل إلى السيطرة على تدفقات النفط في هذه المنطقة، فإنها تحتاج إلى امتلاك محطة بورتسودان النفطية المهمة استراتيجيًا".

وفي أبريل/نيسان، أفادت قناة "العربية" ومصادر إعلامية أخرى مختلفة، بأن الخرطوم ألغت الاتفاقية بضغط من إدارة "بايدن"، لكن "صموئيل راماني" من جامعة أكسفورد، يعتقد أن مثل هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة، قائلًا: "تم نفي الخبر من الجانب الروسي وأظهرت وسائل الإعلام السودانية وصول سفينة حربية روسية في 1 مايو/أيار، لذلك يبدو أن الأمر ما يزال ساريًا".

لم تعلق الحكومة السودانية على مثل هذه المزاعم، ولم تكن هناك مستجدات في الأسابيع التي تلت هذه التقارير، ويبدو من المرجح في الوقت الحالي أن روسيا ما تزال محتفظة بخطط قاعدتها اللوجيستية البحرية في السودان.

الصورة الجيوسياسية الأكبر

تسعى الخرطوم للحفاظ على سياسة خارجية متوازنة بين واشنطن وموسكو، لكن هذا سيعتمد على مشهد الحكم الحالي في السودان، والذي يقوم على اتفاق لتقاسم السلطة بين قيادة الجيش والمكون المدني.

فالجيش أحرص على الاقتراب أكثر من روسيا، في حين أن المكون المدني "أميَل بكل إخلاص لجانب الولايات المتحدة"، وفقًا لما يعتقده "راماني".

لطالما جادل "جو بايدن" وكثيرون في حزبه، بأن "ترامب" أمضى 4 سنوات في الخضوع لـ"بوتين"، وتسعى الإدارة الحالية إلى تمييز سياستها الخارجية تجاه روسيا عن سابقتها.

في الوقت نفسه، يحاول البيت الأبيض إغراء الخرطوم بالتقرب من واشنطن مع استغلال الديناميكيات الجديدة في العلاقات الأمريكية السودانية التي نتجت عن رفع تصنيف الإرهاب العام الماضي.

تشير هاتان الحقيقتان إلى أن فريق "بايدن" يرى في السودان ساحة معركة في الصراع الأكبر ضد صعود موسكو الجيوسياسي.

وسيكشف المستقبل ما إن كانت الولايات المتحدة ستنجح في إقناع السودان بعد الثورة لتقليص شراكتها مع روسيا.

المصدر | جورجيو كافيرو/ معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد