الخميس 17 يونيو 2021 06:27 م

في ظاهر الأمر، كان الصراع الأخير بين إسرائيل وحماس تبادلا قصيرا ومحدودا لإطلاق النار لم يرق إلى مستوى الحروب الأخرى، فلم يكن هناك هجوم بري ولا توغل إسرائيلي في غزة ولا تسلل بري لحركة حماس داخل إسرائيل ولا اختطاف أسرى. بل اقتصر الصراع على سلسلة من عمليات إطلاق الصواريخ والقصف المدفعي والغارات الجوية.

ومع ذلك، قد يكون هذا الصراع القصير خطوة مهمة في تطوير الحرب الحديثة. وعلى مدى عقود، كانت هناك محاولات لتطوير نمط تقني للحرب يتم من خلاله تنفيذ العمليات العسكرية دون المخاطرة بحياة الجنود. وبالتحدث بلغة عسكرية بحتة ودون التقليل من مأساة الخسائر المدنية في الحرب، مثلت هذه الجولة خطوة نحو تحقيق هذا الهدف عندما اعتمدت كل من حماس وإسرائيل بشكل حصري على النيران غير المباشرة في الصراع.

وكانت هذه هي الحرب الأولى التي تسعى فيها حماس لمعالجة معضلة الدفاع الجوي باعتبارها هدفا تكتيكيا في حد ذاته. كما كانت هذه هي الحرب الأولى التي يتم فيها تشغيل الجزء الأكبر من منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية بشكل مستقل أي بدون مساعدة بشرية في تحديد الأهداف واختيارها وإطلاق النار عليها. وكانت هذه أيضا من بين الحروب الأولى التي تسعي فيها إسرائيل بشكل مباشر إلى تدمير أو تحييد شبكة واسعة من المنشآت العسكرية تحت الأرض دون تواجد على الأرض.

وأخيرا، على المستوى الاستراتيجي، مثّل الصراع صقلا لإخضاع الأهداف العسكرية للأهداف السياسية. وكانت الرواية الاستراتيجية الإسرائيلية للحرب تدور حول القوة التي لا تقهر والتي تعتمد على التفوق التكنولوجي والاستخباري. وكانت رواية حماس الاستراتيجية للحرب حول المقاومة والصمود حتى في مواجهة قوة متفوقة بشكل ساحق.

ولم يكن لدى حماس والفصائل الأخرى أي فرصة لتحقيق أي هدف عسكري معقول. ولم يكن بإمكانهم أو لديهم أي أمل في ضرب هدف عسكري مهم داخل إسرائيل أو التسبب في تنازل إسرائيلي عن بعض الأراضي. وبدلا من ذلك، قاموا بحملة واسعة من العمليات العسكرية ليس بهدف تحقيق إنجاز عسكري بالمعنى التقليدي ولكن من أجل تحقيق أهداف سياسية. وبحسب منطق "كلاوزفيتس" فإن "الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى".

الأهداف السياسية للحملة العسكرية

وكانت أهداف حماس السياسية والعسكرية في هذه الحملة هو إظهار أنها ملتزمة بهوية القدس العربية والإسلامية وبالتالي زيادة نفوذها في الأوساط الفلسطينية، وكذلك التغلب على منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية وبالتالي التشكيك في رواية إسرائيل عن القوة التي لا تقهر. وبالنسبة للهدف الأول، يمكن اعتبار حماس منتصرة. ووسط الاحتفالات في غزة بعد إعلان وقف إطلاق النار، أعلن قادة حماس أنهم أجبروا إسرائيل على وقف طرد الفلسطينيين من القدس.

وتمكنت حماس والوحدات التابعة لها من تحقيق هدفها الثاني من خلال إطلاق عدد كبير غير متوقع من الصواريخ والقذائف في رشقات نارية منسقة على إسرائيل. وفاجأ هذا التكتيك قوات الدفاع الإسرائيلية، وفي بعض الحالات نجح بالفعل في التغلب على نظام القبة الحديدية. وبالنظر إلى أهمية التكنولوجيا في الرواية الاستراتيجية لإسرائيل، يجب تسجيل أي فشل للدفاع الإسرائيلي على أنه انتصار استراتيجي لحماس.

وكانت الرهانات السياسية ولا تزال أعلى بكثير بالنسبة لإسرائيل منها بالنسبة لحماس. ونظرا لأن إسرائيل قدمت نفسها كقوة عسكرية متقدمة، فقد توقع الناس في إسرائيل والخارج أن أي عملية إسرائيلية سيتم تنفيذها بشكل مثالي دون أخطاء في تحديد الهدف ودون أضرار جانبية. ولم تصل إسرائيل إلى هذا المستوى خلال الحرب أبدا، وألحقت الخسائر المدنية خلال الضربات الانتقامية على غزة أضرارا كبيرة بمكانة إسرائيل في الداخل والخارج.

وعند إعلان وقف إطلاق النار، كانت هذه الجولة من الحرب قد خلفت 256 قتيلا من الفلسطينيين، من بينهم 66 طفلا و40 امرأة، فيما أصيب نحو 2000 بجروح. ونزح أكثر من 113 ألف شخص خلال ذروة الأعمال العدائية، بينما دمرت إسرائيل البنية التحتية في غزة.

صعود الآلات

وكانت الحرب الجوية بين حماس وإسرائيل هي الحرب الأولى في التاريخ التي كانت فيها تكنولوجيا أحد الأطراف (إسرائيل) شبه أوتوماتيكية بالكامل. وأثناء إطلاق صواريخ حماس بتوجيه بشري، جرى تنبيه نظام القبة الحديدية تلقائيا وعن بعد لمواجهة كل صاروخ قادم. وللمرة الأولى في التاريخ، شهد مسرح كامل للحرب نظام دفاع جوي يعترض الأسلحة القادمة دون أي تدخل بشري.

وكانت القدرة الدفاعية الإسرائيلية فعالة في الغالب ليس بسبب قوة الرادار أو الصاروخ المضاد، ولكن بسبب خوارزمية القيادة والسيطرة التي دمجت المكونات المختلفة لنظام القبة الحديدية دون الحاجة إلى تدخل بشري. ومع إطلاق الصواريخ من مسافة قصيرة، لا يوجد حقا وقت كافٍ للتدخل البشري أو تحديد طبيعة واتجاه التهديد ثم إطلاق صاروخ معترض إذا لزم الأمر. 

وتعمل الأنظمة الميدانية الأخرى، مثل نظام الدفاع الأساسي "سي-رام" التابع للجيش الأمريكي، وفق هذا المبدأ أيضا. وحتى وقت قريب نسبيا، كان هذا الهدف يُعتبر في مجال الخيال العلمي أكثر منه في مجال الحرب الحديثة.

وما يميز العملية الأخيرة أيضا أن القبة الحديدية جرى استخدامها كدفاع استراتيجي لبلد بأكمله، ولم يسبق مثيل لهذا التوسع في أنظمة الصواريخ الآلية.

ولا تعد ميزة القبة الحديدية في رادار التتبع أو الصاروخ المضاد أو جهاز التوجيه على الصاروخ، بالرغم من أهمية كل منها. وتوجد بالفعل هذه التقنيات منذ عقود، لكن يكمن التقدم الحقيقي في البرنامج الذي يدمج جميع أنظمة مكونات القبة الحديدية (التعرف على الهدف وتتبع الهدف والتنبؤ بالمسار وإطلاق الصاروخ المعترض وتوجيه الصاروخ إلى الهدف وتوجيه الاعتراض النهائي) في غضون ثوانٍ. ويعتبر برنامج التحكم هذا هو الابتكار الحقيقي للقبة الحديدية، ويسلط الضوء على التكيف الدفاعي الحاسم للقوات الإسرائيلية.

ولا تكمن القيمة الحقيقية لبرنامج التحكم في القبة الحديدية في قدرته على التنبؤ بمسار الصواريخ القادمة، لأن هذه القدرة كانت موجودة في أواخر الستينيات من القرن الماضي في صواريخ الدفاع الجوي الأمريكية. لكنها القدرة على تحليل هذا التنبؤ ومن ثم تحديد الصواريخ القادمة التي يجب اعتراضها، وتلك الصواريخ التي من المحتمل أن تسقط في المناطق غير المأهولة، وما هي صواريخ القبة الحديدية التي سيتم إطلاقها على كل صاروخ قادم. هذه سلسلة ديناميكية من المعادلات التي تتطلب قوة حسابية كبيرة والتي يجب ترقيتها وتحديثها باستمرار. وبعد الجولة الأخيرة، ومن المتوقع إدخال تحسينات على برنامج التحكم.

نظرية السرب.. النحلة القاتلة وجيش التمويه

ومع الاعتراف بأن النصر العسكري بعيد المنال، كان لدى حماس هدفان عسكريان عمليان في تلك الحملة. وكان الهدف الأول هو إثبات أن حماس والفصائل المتحالفة معها قد تمكنت من صناعة وتخزين ترسانة كبيرة من الصواريخ بالرغم من استمرار الحصار المفروض على غزة منذ عام 2007. وكان مجرد إظهار هذه القدرة بمثابة انتصار عملياتي لأنه أثبت عدم فعالية مساعي إسرائيل لعزل غزة، وهو ما عرّض إسرائيل في الأساس لوابل من الانتقادات الدولية.

ومازال صاروخ "القسام" الأول قيد الاستخدام، وبالرغم من كونه بدائي وبسيط نسبيا إلا أنه خطير. وأضافت حماس منذ ذلك الحين أكثر من 10 أنواع مختلفة من الصواريخ إلى ترسانتها، وأظهرت قدرتها على إنتاج هذه الصواريخ بأعداد كبيرة. وتم تعزيز هذه الترسانة ببعض الصواريخ الإيرانية، بالرغم أن أهمية هذه الصواريخ تتراجع مع تحول إيران إلى استراتيجية تمكين إنتاج الصواريخ محليا بدلا من نقلها.

ويعد إنتاج هذه الصواريخ، وتنوع ترسانة حماس الصاروخية، في حد ذاته انتصارا عسكريا. وهو يشكك في الاستراتيجية الإسرائيلية برمتها للتعامل مع غزة ويحول مشكلتها من مستوى الألم العسكري إلى مشكلة خطيرة يرى القادة الإسرائيليون أنها تشكل تهديدا وجوديا لدولة إسرائيل.

ثانيا، على المستوى التكتيكي، حاولت حماس التغلب على الدفاعات الإسرائيلية عبر إطلاق عدد كبير من الصواريخ في رشقة واحدة. ولا تعد تقنية "السرب" هذه جديدة لكنها تتطلب موارد كبيرة لتكون فعالة. ويتمتع نظام القبة الحديدية الإسرائيلي بسمعة أكبر من قدراته الحقيقية كما أن الحسابات المادية تظهر معضلة أخرى؛ إذا تم مقارنة تكلفة إطلاق حماس لصاروخ واحد مع التكلفة التي تتكبدها إسرائيل لمواجهة هذا الصاروخ. وأطلقت حماس والفصائل الأخرى في غزة أكثر من 4 آلاف صاروخ على إسرائيل في 11 يوما، وهذا وابل كبير وتحدٍ حاسم لأي نظام دفاع جوي.

وكما أشرنا سابقا، فإن العديد من الصواريخ التي تم إطلاقها على إسرائيل كانت بدائية نسبيا. ولسوء الحظ بالنسبة لإسرائيل، فإنه يجب اعتراض الصواريخ البدائية بنفس طريقة اعتراض الصواريخ الموجهة الأكثر تطورا. ويبدو أن حماس قد استفادت من هذه الحقيقة بإطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ على نفس الأهداف أو على أهداف قريبة من بعضها البعض. وكان الهدف هنا التغلب على صواريخ القبة الحديدية. وحتى مع التتبع المثالي والأداء الأمثل، لا تزال صواريخ القبة الحديدية، كما هو الحال مع نظام "باتريوت" الأمريكي ونظام "إس-400" الروسي، محدودة العدد.

وإذا كان هناك 25 صاروخا اعتراضيا من صواريخ القبة الحديدية، فعندئذ يتعين على حماس إطلاق 26 صاروخا فقط، والتي تكلف جزءا صغيرا من تكلفة صواريخ القبة الحديدية، لضمان مرور صاروخ واحد. وفي الواقع، فإن اعتراض صاروخ بدائي يكلف إسرائيل نفس المبلغ الذي تتكلفه لاعتراض صاروخ موجه حديث.

التداعيات على إيران وإسرائيل

ومن الواضح أن إيران استخدمت نهجا جديدا في الفترة التي سبقت هذا الصراع. وبدلا من محاولة تهريب صواريخ كاملة كما فعلت مع الصواريخ بعيدة المدى في اليمن، اختارت إيران بدلا من ذلك نقل المعرفة التصنيعية إلى غزة لبناء قدرة صاروخية لا تعتمد على استيراد الأجزاء المتخصصة. وقلل هذا النهج من المخاطر والتكاليف على إيران. وكانت ثمرة هذا النهج واضحة، فصانعو صواريخ حماس قادرون الآن على إنتاج محركات صاروخية تعمل بالوقود الصلب وأكثر استقرارا، كما أنهم قادرون على الاختباء في الموقع لفترات طويلة مع الحد الأدنى المطلوب من الصيانة.

وسوف تقوم إيران بمراجعة الدروس المستفادة من الصراع وتطبيقها على وكلائها الآخرين، وخاصة "حزب الله" اللبناني. وقُدرت ترسانة صواريخ حزب الله بما يصل إلى 130 ألف صاروخ، معظمها أكثر تطورا ودقة مما تمتلكه حماس. وفي أي صراع مستقبلي، من المتوقع أن يتم تكرار وتعزيز أسلوب "السرب". ولتحقيق ذلك، ستواصل إيران نقل المعرفة التصنيعية لإنتاج الصواريخ محليا.

ومن ناحية أخرى، كانت إسرائيل في موقف الضعيف خلال معظم أيام هذه الجولة بالرغم أن تكتيكاتها شهدت تحسنا تدريجيا عن الحروب السابقة. وبعيدا عن القبة الحديدية، حسنت إسرائيل قدرتها على الضربات الجوية الدقيقة ودمج المدفعية الأرضية والطائرات بدون طيار والطائرات المأهولة في شبكة نيران قادرة على ضرب الأهداف بدرجة كبيرة من الدقة، وهو ما يعزز أيضا الاتهامات بأن استهداف إسرائيل للمدنيين والبنية المدنية كان متعمدا.

وتعد الدروس التكتيكية من معركة غزة التي دامت 11 يوما عميقة، فالأسلحة المستخدمة جديدة ورائدة. ومع ذلك، فإن هذه الابتكارات التكتيكية تخدم أهدافا سياسية لأطراف المعركة بينما يتآكل الحل السياسي الذي يجلب السلام إلى المنطقة. ويبدو أن هذا الحل بعيد المنال الآن أكثر من أي وقت مضى.

المصدر | ديفيد روتشز/المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد