الثلاثاء 27 يوليو 2021 08:37 م

كنت أتمنى لو كنت مخطئا وأن تكون الوثيقة التي نشرناها في مايو/أيار ملفقة حيث كانت تحوي تفاصيل مروعة عن خطط "قيس سعيد" لتخريب الدستور والاستيلاء على كافة السلطات وإغلاق البرلمان.

في ذلك الوقت، تعرضت للسخرية وقيل لي إنه لا توجد مثل هذه الخطة. وقيل لي إن الأمر كله نتاج اتصالاتي بالإسلاميين. والحقيقة أن مصدر الوثيقة علماني ومن داخل الرئاسة نفسها.

لم تكن الوثيقة مجرد رسالة عابرة وقعت في صندوق البريد الرئاسي، حيث أكد "سعيد" نفسه بعد 4 أيام أن الوثيقة حقيقية بعد أن أجبرته التطورات على الاعتراف بذلك. لقد كانت خطة ملموسة وضعها أقرب مستشاريه.

وجاء في الوثيقة التي كشف عنها "ميدل إيست آي" أنه بعد استدراج رئيس الوزراء "هشام المشيشي" ورئيس مجلس النواب "راشد الغنوشي" إلى القصر واحتجازهما هناك، سيتم تعيين اللواء "خالد اليحياوي" وزيراً للداخلية بالإنابة.

وهذا ما حدث صباح الاثنين حيث تم تعيين "اليحياوي" ليكون الرجل الذي سيقود الحملة التي تجري الآن ضد السياسيين والصحفيين.

ولم يقتصر الأمر على استيلاء "سعيد" على جميع السلطات التنفيذية، بل عيّن نفسه أيضًا مدعيًا عامًا.

وجرى تأطير أفعال "سعيد" على أنها رد فعل على الدمار الذي أحدثه الوباء، لكن في الوقت الذي تم فيه تسريب الوثيقة لم يكن الفيروس قد تسبب في الدمار الحالي. 

وفي ظل الإدارة الأولى لـ"سعيد"، كان وزير الصحة "عبداللطيف مكي" عضوا في حزب النهضة. وقد حظي توزيعه للكمامات في الشوارع بإشادة عالمية كنموذج يجب أن يتبعه باقي العالم العربي.

لذلك لا علاقة لانقلاب يوم الأحد بالفيروس. لقد تم التخطيط له في وقت كان الفيروس تحت السيطرة.

انقلاب واضح

قالت الوثيقة التي وصفت الخطة بأنها "سرية للغاية" إنها تمثل "انقلابا دستوريا". لكن ما حدث ليلة الأحد ذهب إلى ما هو أبعد.

ينص الدستور على أنه حينما يتم تفعيل الفصل الذي يسمح للرئيس بأن باستخدام تدابير استثنائية، فإنه يتوجب على البرلمان أن يظل في حالة انعقاد، وأنه لا يمكن حله، ولكن في الحقيقة أقدم "سعيد" على تعليق البرلمان، وحال دون وصول أعضائه إليه.

يعتمد تفعيل المادة 80 على المحكمة الدستورية، التي حال "سعيد" دون تمكين البرلمان من تشكيلها، حتى وإن كان بموجب الدستور يختار 4 فقط من أعضائها الاثني عشر.

ويعتبر "عياض بن عاشور" واحدا من أبرز أستاذة القانون الدستوري في تونس، وكان قد لعب دوراً محورياً في صياغة الوثيقة الانتقالية والدستور وقانون الانتخابات، وكان رئيس الكيان الذي أدار الفترة الانتقالية في عام 2011، وهو رجل علماني وليس من أنصار الإسلاميين، ومع ذلك يرى "بن عاشور" أن هذا انقلاب بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وبالمثل، قال رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات "نبيل بافون" إن الهيئة "في حالة صدمة" مما جرى.

وقد عارضت جميع المؤسسات التي أُنشئت بعد الإطاحة بالرئيس الراحل "زين العابدين بن علي"، تصرفات "سعيد"، بغض النظر عن ميولها السياسية.

لذلك، لا يوجد شيء دستوري في هذا الانقلاب. هذا انقلاب محض مثل الانقلاب الذي أطاح بـ"محمد مرسي" في مصر عام 2013 ويشبه محاولة الإطاحة بالرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" عام 2016.

ولاقت قرارات "سعيد" معارضة من كل الأحزاب تقريبا من اليسار إلى اليمين، من العلماني إلى الإسلامي بما في ذلك "قلب تونس" و"الجمهورية" و"التيار الديمقراطي"، فضلا عن "الكرامة" والنهضة" بالطبع. وفي وقت كتابة هذا التقرير، كان هناك حزب سياسي واحد فقط، وهو "الشعب"، الذي يؤيد تصرفات "سعيد".

وليس من الصعب معرفة سبب هذه المعارضة. ففي العالم العربي، بمجرد أن تستولي على كافة أفرع السلطة، لا يمكن أن تعيدها.

لم يُخفِ "سعيد" رغبته في تغيير النظام السياسي في تونس. وكان "المشيشي" هو اختياره لرئاسة الوزراء وصدّق عليه البرلمان. ولكن اتسعت الخلافات بين الرجلين عندما رفض "سعيد" المصادقة على التعيينات الوزارية لـ"المشيشي".

لم يكن الصراع بين الرئيس ورئيس الوزراء أيديولوجيا ولم يكن أي من الوزراء سياسيًا وكان من المفترض أن تكون حكومة تكنوقراط. ولكن الخلاف كان حول السلطة التي يريد "سعيد" السيطرة عليها كلها.

من حالم إلى دكتاتور

في النهاية، كان أستاذا للقانون مثل "سعيد"، وليس سياسياً هرماً من النظام القديم مثل "الباجي قائد السبسي"، هو الذي قام بهذه الفعلة مع الديمقراطية في تونس.

يُحسب لـ"السبسي" أنه قاوم الأموال المعروضة من أبوظبي للتخلي عن حزب النهضة، وقد اختار بدلاً من ذلك فن التسوية السياسية. ونتيجة لذلك انهار حزبه لكن تونس لم تنهار.

إن مثل هذا الفن مرفوض بالنسبة لـ"سعيد"، وهو شخص لا يوجد خلفه حزب سياسي، وقد دعمه حزب النهضة باعتباره البديل الأقل سوءًا بين مرشحي الرئاسة.

كان "نضال مكي" طالباً عنده، وقد وصف "سعيد" بأنه حالم يسعى نحو تغيير تحولي كرئيس، وكان "نضال" قال لموقع "ميدل إيست آي" في عام 2019: "توجد لدى سعيد بعض التحفظات بشأن الديمقراطية التمثيلية على الشكل الذي يجري في تونس؛ فهو ليس ضدها بشكل قطعي، وإنما يود تصحيحها من خلال جرعة من الديمقراطية المباشرة".

أثبت "سعيد" أنه مصدر عدم الاستقرار السياسي في تونس. وقد ادعى في أبريل/نيسان أنه القائد الأعلى لكل من الجيش وأجهزة الأمن الداخلي، بينما يضع الدستور القوات الداخلية تحت سيطرة رئيس الوزراء.

وفي يونيو/حزيران، أعاد "سعيد" كتابة التاريخ التونسي بمفرده بالقول إن فرنسا ليس لديها ما تعتذر عنه أثناء حكمها الاستعماري لبلاده حيث أعلن "سعيد" أن تونس كانت تحت "الحماية" الفرنسية وليس الحكم الاستعماري. وبالنظر إلى عدد التونسيين الذين تم اغتيالهم واغتصابهم في ظل الحكم الاستعماري منذ عام 1881، فإن تصريحه يعد صادما.

وكان لدى "سعيد" دافع واحد من إحباط المحاولات المتكررة لترشيح شخصيات للمحكمة الدستورية، بالرغم أن 4 منهم يتم اختيارهم من قبل الرئاسة، و 4 من قبل البرلمان، و4 من قبل الجهاز القضائي، وهذا الحافز هو إعاقة تشكل كيان لديه صلاحية الاعتراض على تحركاته واعتبارها غير دستورية.

بوصفه أستاذاً في القانون، كان المرء يتوقع من مثله أن يرسخ مبدأ الفصل بين السلطات، إلا أن "سعيدا" لا يعترف بأخطائه، ولا يتحمل المسؤولية عن معاناة التونسيين. إن الفوضى التي تضرب الحكومة هي الفوضى التي يصنعها بيديه، كما أدركت تونس سريعاً حينما عطل البرلمان وشن حملة ضد المعارضين السياسيين.

وفي لحظة تعلن الرئاسة أنها تلقت ألف جرعة من اللقاح من الإمارات وتنتشر إشاعات بأن عدداً من أعضاء البرلمان ومن المسؤولين قد أخذوا اللقاح، وفي لحظة ثانية تنكر الرئاسة أي علم لها بتلك "الهدية".

آخر الحصون

على مدى 10 سنوات، كانت تونس تتأرجح من أزمة سياسية إلى أخرى لكنها تمكنت بطريقة ما من النجاة ما جعل الكثيرين يعتبرونها آخر حصن للربيع العربي.

لم يكن حزب "النهضة" مثل "الإخوان المسلمون" في مصر، فقد تنازل طواعية عن السلطة وأبرم صفقات لشق المعارضة لكنه لم يستطع تحقيق التغيير الاقتصادي الذي كانت البلاد في أمس الحاجة إليه. وبالنسبة للتونسي العادي، وخاصة الشباب، سارت الأمور من سيئ إلى أسوأ.

في معظم هذا الوقت، لم يكن حزب النهضة يسيطر على البلاد أو الحكومة، لكنه كان يناضل من أجل إنشاء مؤسسات مثل البرلمان، ومثل المحكمة الدستورية التي من شأنها ترسيخ الديمقراطية في تونس.

إذا كانت التجربة التونسية مع الديمقراطية قد وصلت بالفعل إلى نهايتها، فهذا يعني أن التونسيين سيقبلون حجة الديكتاتوريين في جميع أنحاء العالم العربي بأنهم ليسوا مستعدين للديمقراطية.

ولكن لا أعتقد أن الربيع العربي قد مات، ولا أعتقد أن الشعب التونسي مستعد للعودة إلى حكم الرجل الواحد، ويمكن أن تثبت الأيام التالية أنني على حق مرة أخرى.

المصدر | ديفيد هيرست - ميدل إيست آي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد