الثلاثاء 17 نوفمبر 2015 05:11 ص

«لجنة توم لانتوس لحقوق الإنسان»

شكرا للسادة الرؤساء على تنظيم هذه الجلسة، ودعوتي للتعليق.

نحن في أعقاب المرحلة الأولى من انتخابات مجلس الشعب المصري الجديد، وهو حدث وصفته القاهرة بالخطوة النهائية في "خريطة طريق" التي تقود نحو ما تُسميه انتقالا نحو الديمقراطية. إن مساندة وزير الخارجية جون كيري لهذه الخارطة، بعد فترة وجيزة من إزالة الجيش للرئيس السابق محمد مرسي في 2013، عززت للأسف شرعيتها الدولية. ولكن الطبيعة الحقيقية للمرحلة الانتقالية كشفت منذ ذلك الحين عن نفسها: إنها عودة ظهور السلطوية التي يقودها الجيش والتي تُعيد الحياة العامة المصرية إلى حالة من القمع الذي لم يُشهد منذ عقود.

على الأرجح أن وقائع القمع التي تلت إزالة مرسي معروفة لدى هذه اللجنة، ولكن يجدر التذكير بها مرة أخرى هنا لتبقى مسجلة للعموم.

في جهودها لسحق أولئك الذين قاوموا الانقلاب العسكري، خططت الحكومة المصرية ونفذت هجمات عنيفة وممنهجة ضد اعتصامين لأكثر من 100 ألف شخص في ساحتي رابعة و النهضة، وخلفت 1150 قتيلا على الأقل، ومن المحتمل أن تكون هذه الهجمات أكبر عملية قتل جماعي ضدّ متظاهرين في تاريخ العالم، وجرائم ضد الإنسانية. إلا أن الحكومة لم تحاكم ولو ضابطا واحدا، ناهيك عن مسؤول رفيع، حول عمليات القتل، وأقامت بدل ذلك تمثالا لتكريم الشرطة في موقع فض المظاهرة الرئيسية في ميدان رابعة، وأسمته باسم مدع عام اغتيل بعد أن شارك في تنفيذ الخطة.

في أعقاب الانقلاب، بلغ عدد الأشخاص الذين اعتقلتهم قوات الأمن المصرية، أو وجهت إليهم تهما أو أصدرت ضدّهم أحكاما، بين يوليو/تموز 2013 وأبريل/نيسان 2014، 41 ألف شخص على الأقل، بسبب مزاعم تتعلق بمساندتهم أو ارتباطهم بالإخوان المسلمين، وفقا لأبحاث معمقة جدا أجراها نشطاء على الأرض. واجه هؤلاء الأشخاص قائمة من التهم العامة المتعلقة في جزء كبير منها بمشاركتهم في المظاهرات.

منذ الإطاحة بمرسي، صدر ما لا يقلّ عن 670 حكم بالإعدام في قضايا متصلة بالمعارضة السياسية أو قضايا عنف مزعوم، ومعظمها بعد محاكمات جماعية اعتمدت فقط على شهادة ضباط في الأجهزة الأمنية، دون بذل جهد لإثبات إدانة الأشخاص بشكل فردي.

وجهت المحاكم العسكرية المصرية تهما وأصدرت أحكاما على 3700 مدني على الأقل، منهم طلاب وأساتذة وأطفال، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2014، عندما أصدر السيسي مرسوما بتوسيع اختصاص المحاكم العسكرية لتغطية كل الأماكن العامة لمدة عامين. وعادة ما تُنكر المحاكم العسكرية في مصر حق المتهمين في الاطلاع على التهم الموجهة إليهم، والاتصال إلى محام، والمثول أمام قاض في وقت وجيز بعد الاعتقال.

توفي ما لا يقل عن 124 شخصا رهن الاحتجاز لدى الأجهزة الأمنية بين يوليو/تموز 2013 ويونيو/حزيران 2015، منهم محامون وأعضاء سابقون في البرلمان. تشهد السجون وزنزانات الشرطة اكتظاظا لا يُصدق، ما تسبب في خلق ظروف قاتلة، وخاصة للسجناء الذين يعانون من مشاكل صحية.

خطفت وكالة الأمن القومي التابعة لوزارة الداخلية، المعروفة بأمن الدولة، إلى غاية إعادة تسميتها في أعقاب ثورة 2011، مشتبه بهم لمدة أيام وأحيانا أشهر. وقد وثقت منظمة حقوقية محلية ما لا يقل عن 164 حالة اختفاء قسري فقط بين أبريل/نيسان ويونيو/حزيران.

تواصل منظمات حقوق الإنسان المحلية ادعاء الاستخدام المنتظم للتعذيب من قبل الشرطة وعناصر الأمن القومي. في يناير/كانون الثاني من هذا العام، قالت هيأة كبرى مختصة في قانون حقوق الإنسان إن محامييها عاينوا 465 حالة تعذيب بين أكتوبر/تشرين الأول 2013 وأغسطس/آب 2014، منها 129 حالة ضرب أدت إلى الوفاة.

يوجد حوالي 20 صحفيا وراء القضبان، وهو رقم قياسي وفقا للجنة حماية الصحفيين. ينص القانون الذي أصدره السيسي على فرض عقوبة السجن المؤبد على كل عضو  في منظمة غير حكومية يتلقى تمويلا أجنبيا بهدف الإساءة لمصالح الأمة المعرفة بشكل مبهم. تواجه عدة منظمات غير حكومية رئيسية حاليا التحقيق. كما أغلقت منظمات مصرية ودولية أخرى مكاتبها، وفرّ بعض النشطاء الذين لم يسجنوا بعد من البلاد.

يمنح قانون مكافحة الإرهاب الجديد، الذي أصدره السيسي، للحكومة سلطة ملاحقة جرائم في ظل تعريف فضفاض للإرهاب، قد يشمل العصيان المدني. كما يُجرّم نشر أو ترويج أخبار عن الإرهاب تتعارض مع البيانات الرسمية لوزارة الدفاع، ويسمح للمحاكم بمنع الصحفيين الذين يفعلون ذلك من ممارسة مهنتهم لمدة سنة. وينص القانون أيضا على معاقبة أي شخص حُكم عليه بتسهيل جريمة إرهابية غامضة التعريف، أو التحريض أو الموافقة عليها - سواء في إطار عام أو خاص - بنفس العقوبة التي تفرض على مرتكب الجريمة، حتى وإن لم تحصل أصلا.

منعت مصر بشكل تعسفي عشرات المحامين والعلماء والسياسيين والنشطاء من السفر إلى الخارج، دون أن تسمح لهم بالطعن في أساس المنع. كما منعت السلطات خالد القزاز، مستشار سابق في السياسة الخارجية لمرسي، من السفر خارج مصر، ويحضر أفراد عائلته اليوم في هذه الجلسة على أمل لفت الانتباه إلى هذا الوضع الظالم، وحالته الصحية المستعجلة. اعتقل الجيش القزاز، مع مساعدين آخرين لمرسي، في 3 يوليو/تموز 2013، واحتجزهم بمعزل عن العالم الخارجي لأكثر من 5 أشهر. وقالت عائلته إن السلطات المصرية لم توجه له قط تهما بارتكاب أي جريمة، وأُفرجت عنه في يناير/كانون الثاني 2015 لأسباب صحية بعد أن أسقط مكتب المدعي العام جميع التهم ضده. ومع ذلك، فقد منعته الحكومة من مغادرة البلاد.

في شبه جزيرة سيناء، هدمت الحكومة معظم مدينة رفح على الحدود مع غزة، ودمرت آلاف المنازل، وطردت آلاف الأسر بعد إعلان 79 كيلومترا مربعا منطقة عازلة بالقوة. يبدو أن استراتيجية الحكومة في مجال مكافحة الإرهاب المشكوك فيها لا تحرز تقدما يذكر ضد التهديد المتزايد للجماعة الموالية للدولة الإسلامية في المنطقة. إن غياب المراقبة والتقارير المستقلة يجعل معرفة ما يحدث أمرا شبه مستحيل. نحن إزاء لحظة فارقة، خاصة وأن الحكومة المصرية باتت تسيّس الحقائق، من خلال محاولة ربط الإخوان المسلمين بعنف الدولة الإسلامية وغيرها من الجماعات المتطرفة، دون الاستناد إلى أي أدلة على الإطلاق.

إن ما يجعل هذه الانتكاسة التي عقبت انتفاضة 2011 مخيبة بشكل أكبر هو أنها تمت أمام أنظار قوى عالمية تدعي أنها تكن تقديرا عاليا حقوق الإنسان، ولكنها أذعنت لما يحصل. لقد تجاهلت الولايات المتحدة الأمريكية قانونا أساسيا ينص على معاقبة الانقلابات العسكرية من خلال رفضها لوصف إزالة مرسي بالانقلاب. وبدلا من إدانة اغتصاب السلطة من الشعب المصري، أشاد الوزير كيري بشكل غريب بالانقلاب على أنه "استعادة للديمقراطية". وفي عام 2011، وعد الرئيس أوباما بتغيير سياسة الولايات المتحدة بما يجعلها غير مساندة للطغاة، وداعمة لتطلعات الشعوب إلى الحرية والديمقراطية، مؤكدا في عام 2013 على أننا لن يعود إلى "العمل كالمعتاد" مع مصر بعد الانقلاب. والآن تم نكث هذه الوعود، وعدنا إلى العمل كالمعتاد.

يُصر دبلوماسيو الإدارة الأمريكية على أنهم يثيرون قضايا حقوق الإنسان مع حكومة السيسي على كافة المستويات، وأن انتقاد مصر علنا يؤدي إلى نتائج عكسية، وأن الولايات المتحدة ليس لها نفوذ على مصر. قد يكون بعض هذا الكلام صحيحا، ولكن السجل العام لهذه الإدارة يُبرز أنها تنظر إلى حقوق المواطنين المصريين عل أنها مسألة ثانوية في سبيل تحقيق منهجية أمنية إقليمية تجاوزها الزمن. ومؤخرا، في 29 أكتوبر/تشرين الأول، استلمت مصر 4 طائرات ف-16 من الولايات المتحدة، وقال السفير الأمريكي في القاهرة إن هذا التسليم كان "خطوة أخرى إلى الأمام في التعاون بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية من أجل مكافحة الإرهاب، وجلب الاستقرار إلى المنطقة، وتعزيز علاقتنا التاريخية".

لا ينبغي النظر إلى الدعم العسكري والسياسي الجاري لحكومة السيسي كمجرد أداة للضغط، بل على الولايات المتحدة أن تعترف أن هذا الدعم بمثابة تأييد للحكومة المصرية وقمعها الظالم واللاإنساني، وأن الكثيرين في الشرق الأوسط باتوا يعتقدون أن الإدارة الأمريكية متورطة في الانتهاكات التي ترتكبها تلك الحكومة. هذا أيضا تهديد للأمن القومي، وعلى الولايات المتحدة أن تأخذه بعين الاعتبار.

من أجل إعادة تركيز سياستها تجاه مصر على المبادئ الأساسية التي تدعم سيادة القانون، أو على الأقل تخفيف الدعم لحكومة متورطة في انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، على الولايات المتحدة أن تتخذ الخطوات التالية:

  1. متابعة التقدم المحرز في مارس/آذار عندما أعلن الرئيس أوباما تغييرات على برنامج المساعدات العسكرية لمصر، وذلك بتقليص التمويل الخاص بالمساعدات العسكرية، وزيادة الدعم للمجتمع المدني وبرامج التبادل والمبادرات غير الحكومية الأخرى. ويمكن أن تشمل هذه التغييرات أيضا اشتراط ربط أي مساعدات اقتصادية جديدة وهادفة بالتقدم الحاصل في مجال حقوق الإنسان، وتحديدا الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وحرية الصحفيين والمنظمات المستقلة في أداء عملها دون مضايقات.
  2. دعم التحرك داخل الأمم المتحدة لمساءلة السلطات المصرية، بما في ذلك إنشاء لجنة دولية للتحقيق في عمليات القتل الجماعي في 2013 لأن إفلات قوات الأمن من العقاب يزيد فقط من تغذية الشعور بالظلم ويدفع نحو العنف.
  3. التأكد من أن حكومة الولايات المتحدة، وتحديدا الملحق العسكري في السفارة الأمريكية في القاهرة، لديها حق الوصول بشكل واسع إلى شمال شبه جزيرة سيناء، حيث استخدم الجيش المصري معدات الولايات المتحدة في حملته الغامضة في مكافحة الإرهاب، التي شملت تدمير منازل للمدنيين. وينبغي أن يتجاوز ذلك زيارة المعسكر الشمالي للقوة متعددة الجنسيات والمراقبين لأن الزيارات لا يستجيب لمتطلبات "قانون ليهي" الذي ينص على أن تُجدد وزارة الخارجية بشكل دوري إجراءاتها في تحديد القوات التي قد تكون متورطة في انتهاكات حقوق الإنسان.

شكرًا لكم على اهتمامك.

* شهادة سارة ليا وتسن المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بـ"هيومن رايتس ووتش" أمام "لجنة توم لانتوس لحقوق الإنسان" بالكونغرس الأمريكي.