السبت 2 يناير 2016 07:01 ص

اعتادت مصر، طوال العقود الماضية، على التهميش والإهمال، وساءت فيها الأحوال الأمنية والاقتصادية والصحية والتعليمية بصورة كبيرة. وحين هلت ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، استبشر المهمشون بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية، لكن سرعان ما انطفأ الحلم الجميل بانقلاب 2013، الذي أعاد البلاد إلى حظيرة الشمولية، والحياة تحت نير الاستبداد.

ولم تكن سنة 2015 سوى إحدى سنوات العودة إلى الوراء، غالبا ما تغيب قضية التهجير الجماعي الذي ارتكبته ولا تزال السلطة الحالية بحق فقراء مصريين على امتداد المحافظات المصرية، عن ضوضاء الإعلام، لكون القضايا الأخرى، من قتل وسجن وحظر ومنع التجمعات وأحكام الإعدام، تشكل مادة "مثيرة" للصورة أكثر من موضوعات التهجير القسري لقرى غالبا ما يكون سكانها من الفئات الأضعف اقتصاديا واجتماعيا.

قرى سيناء

لا يعبأ النظام الحالي بمواد الدستور، الذي تراقص أنصاره فرحا بتمريره، خصوصا المادة 63 التي تنص على "حظر التهجير القسري التعسفي بجميع صوره وأشكاله، ومخالفة ذلك جريمة لا تسقط بالتقادم". وقد تجاوز النظام تلك المادة، بعد تعرض معسكر كرم القواديس في سيناء لعملية إرهابية في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، عبر إنشائه منطقة عازلة على الحدود الشرقية، بطول 14 كيلومترا وعمق 1000 متر.

وهو ما أدى هذا العام إلى اكتمال نكبة التهجير لسكان القرى الحدودية مع فلسطين المحتلة، وتشتيتهم في البلاد، وتدمير قراهم بشكل كامل، وجاء قرار إنشاء المنطقة بصورة مفاجئة، ومن دون إجراء دراسة سابقة أو الإعداد لمرحلة ما بعد إنشاء المنطقة، أو منح التعويض المناسب للسكان المهجرين، الذين يتجاوز عددهم 25 ألف نسمة.

بناء عليه، تم تهجير 19 قرية من الشيخ زويد ورفح، هي: القريعة، والفيتات، والخروبة، والزوارعة، والجورة، وأبو العراج، والتومة، وقبر عمير، والشلاق، والظهير، والمقاطعة، والعكور، والكيلو 21، وشيبانة، والمهدية، وجوز أبو رعد، والخرافين، والوفاق، وبعض سكان قرية الحسينات.

يذكر أنه حين كان الرئيس عبدالفتاح السيسي وزيرا للدفاع، تحدث محذرا من عمليات تهجير أهالي المنطقة الحدودية فى رفح والشيخ زويد، وتفجير منازلهم، منبها من مآلات تلك الخطوة الأمنية، وكيف أن ذلك سيشكل حالة عداء ضد الجيش والبلد بسبب الثأر، غير أن ما حذر منه طبقه هو.

ناهيا... القرية الثائرة

سنوات عصيبة، منذ فض اعتصامي رابعة والنهضة، تعيشها قرية ناهيا الواقعة في محافظة الجيزة، التي يتجاوز عدد سكانها الـ50 ألف نسمة، بعد أن صنفها النظام ضمن القرى المتمردة، لا تتوقف التظاهرات المطالبة بعودة الديمقراطية للبلاد، والمناوشات لا تزال مستمرة بين أهلها وأفراد الأمن وعملائهم من البلطجية الموكلين بفض التظاهرات والإبلاغ عن النشطاء والمتظاهرين. ولا تزال القرية واقعة تحت حصار أمني دائم.

وأسوأ ما تعرضت له ناهيا هذا العام هو عملية الاقتحام التي قامت بها قوات الأمن بعد صلاة عيد الأضحى، تحت وابل من الرصاص الحي والخرطوش وقنابل الغاز، على جموع المصلين بعد خروجهم من صلاة العيد، الأمر الذي أوقع عددا من الضحايا بين قتيل وجريح.

تتبع ناهيا مركز كرداسة، الذي استقبل في فبراير/شباط الماضي الحكم بإعدام 183 من أبنائه، بتهمة الهجوم على قسم الشرطة في أعقاب فض اعتصامي رابعة والنهضة، وما نتج عنه من قتل عناصر شرطية.

وقد دانت منظمات حقوقية عالمية أحكام الإعدام بالجملة التي صدرت بحق المعارضين، كونه لا تتوافر في تلك القضايا الشروط اللازمة لتحقيق العدالة، وهي الأحكام التي كان بطلها القاضي المثير للجدل ناجي شحاتة، الذي لا يخفي توجهاته السياسية وتحيزه ضد المتهمين.

وقد قضت محكمة النقض أخيرا بإلغاء المئات من أحكام الأعدام التي أصدرها شحاتة، ومن بينها أحكامه بالإعدام على متهمي كرداسة.

عرب شركس

في 17 مايو/أيار الماضي، تم تنفيذ حكم الإعدام في حق ستة متهمين، في القضية المعروفة باسم "عرب شركس"، وسط انتقادات حقوقية لإجراءات المحاكمة والتنفيذ، ومن غرائب القضاء المصري أن القضاء الإداري بعد تنفيذ حكم الإعدام، قضى بوقف قرار رئيس الجمهورية بالتصديق على حكم الإعدام، لمخالفته للدستور والقانون.

ويتهم ناشطون النظام بتلفيق التهم لمواطنين أبرياء في هذه القضية، إذ ألقي القبض على بعض المتهمين قبل الأحداث بحوالي ثلاثة أشهر، وأودعوا سجن العزولي، وأسرع النظام، بعد محاكمة عسكرية، في تنفيذ الإعدام بالمتهمين: محمد بكري محمد هارون، وهاني مصطفى أمين عامر، ومحمد علي عفيفي، وعبد الرحمن سيد رزق، وخالد فرج محمد، وإسلام سيد أحمد إبراهيم.

وتتبع قرية عرب شركس محافظة القليوبية، وكانت قوات مشتركة من الداخلية والجيش هاجمت مخزن أخشاب في المنطقة، في مارس/آذار 2014، ما أدى إلى مقتل 6 أشخاص، اعتبرت وزارة الداخلية أنهم "عناصر من تنظيم أنصار بيت المقدس (ولاية سيناء التابع لتنظيم الدولة الإسلامية ـ داعش)".

دلجا

تعيش قرية دلجا التابعة لمركز دير مواس بمحافظة المنيا، في هاجس المداهمات الأمنية التي تقوم باختطاف أبنائها بطريقة عشوائية، إضافة إلى تمركز مدرعات الجيش والشرطة بصفة شبه دائمة حول القرية المحاصرة. وقد دفعت دلجا هذا العام ضريبة مقاومتها للانقلاب العسكري، بعد أن لفقت قضية عرفت باسم "عنف دلجا" لعشرات المتهمين. وقضت المحكمة العسكرية بأسيوط في 12 ديسمبر/كانون الأول، بأحكام تراوح بين السجن المؤبد والمشدد لـ196 مواطنا، بعد اتهامهم بحرق مقر النيابة الإدارية، وحاجز ونقطة شرطة.

وكانت قرية دلجا، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 150 ألف نسمة، صاحبة ابتكارات في التظاهر بعد فض رابعة، إذ خرجت منها مسيرة بالحمير لفتت انتباه وسائل الإعلام العالمية. وفي العام الماضي اقتحم الجيش القرية بمعداته الثقيلة، وألقى القبض على بعض الأهالي، وأهانت قوات النظام أهالي دلجا في بيوتهم عبر مكبرات الصوت.

كفر درويش والرويبات

تدرج أحداث كفر درويش في سياق مسلسل الفتنة الطائفية، التي ما أن تهدأ حتى تعود مرة أخرى للاشتعال، كان بطل الحلقة هذه المرة شاب من أبناء القرية، لكنه يقيم بالخارج، نشر رسوما مسيئة للنبي محمد على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، ما أثار غضب بعض الشباب الذين هاجموا منزل أسرة الشاب.

بعدها تصاعدت حدة الاشتباكات بإحراق بعض الممتلكات القبطية، وبدا أن الأمر سيتجاوز حدود الغضب العابر، لذا تدخلت قوات الأمن وفرضت سياجا حول منازل الأقباط لحمايتهم من أي محاولة للهجوم عليهم، وانتهى الأمر بجلسات عرفية حكمت بتهجير أسرة الشاب خارج القرية. ثم تبع ذلك تهجير خمس أسر قبطية من القرية يبلغ عدد أفرادها 18 شخصا.

لم تكن عملية التهجير في كفر درويش الأخيرة هذا العام، فقد شهدت قرية الرويبات بمركز طامية، بالفيوم، حدثا مشابها، لكنه هذه المرة بسبب علاقة عاطفية بين سيدة هجرت زوجها وأولادها مع جارها المسيحي، ثم تحولت إلى المسيحية وأنجبت طفلين، قبل أن تعود معه إلى القرية لتشتعل الفتنة الطائفية، إلى أن قامت أسرتها بقتلها.

وعلى أثر جلسة عرفية، تم التغاضي عن جريمة القتل وتسويتها في صورة مخالفة للقانون، وفقا لأهالي القرية، وتم التوصل إلى حل بتهجير أسرة الزوج المسيحي تحت إشراف مدير الأمن نفسه، في واقعة غير مسبوقة. وكان النظام قد ألغى مؤتمرا حول تهجير الأقباط في أسيوط منتصف هذا العام، ربما خوفا من أن يثير المؤتمر أزمات للنظام على خلفية الأحداث الطائفية التي لا يملك لها حلا جذريا.

الكولا

قامت الجرافات الحكومية، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، مدعومة بقوات الأمن وقوات مكافحة الشغب، بإزالة ثروة زراعية تقدر بـ150 فدانا زراعيا، كانت في الأصل أرضا صحراوية، استصلحها أهالي قرية الكولا من إجمالي 500 فدان سيتم تجريفها لاحقا، من أجل ضمها لجهاز مدينة أخميم بمحافظة سوهاج.

وقد أصاب قرار التصحير الجائر وغير المسؤول المزارعين من أهالي القرية بصدمة شديدة وسخط كبير، خصوصا أن الكثير منهم أنفق على هذه الأرض أموالا طائلة، ولم يتم التعويض عليهم.