الجمعة 4 ديسمبر 2015 10:12 ص

تشير التقارير المسربة المتداولة في أنقرة أن هناك خلافا ما بين القوات المسلحة التركية والرئيس «أردوغان» حول إسقاط الطائرة الروسية ربما يستغرق بعض الوقت للتعرف على حقيقته. بعد، فقد أفيد باستمرار، لبضعة أشهر حتى الآن، أن الجيش التركي ليس راضيا عن الطريقة التي يتعامل بها «أردوغان» سياسيا مع الأزمة السورية. اعتقدنا في ذلك الوقت أن هذه التقارير لم تكن دقيقة. حتى إننا قدرنا أن المزاعم بأن الجيش التركي كان يحاول إبعاد «أردوغان» عن عملية صناعة القرار في سوريا كان مبالغا فيه إلى حد كبير.

وكان تقييمنا أن القوات المسلحة التركية تلعب دورا متزايدا في عملية التكامل فيما يخض الأمور الأمنية المتعلقة بالسياسة، وبخاصة مع البيئة الأمنية المضطربة داخل البلاد وحولها. لذلك، فإنه إذا كان تقييمنا دقيقا فإن النزاع المزعوم في أنقرة حول حادث الطائرة الروسية ربما ليس إلا خلافا قابلا للإدارة بين الجيش التركي و«أردوغان».

هذه التقارير المسربة لا ترقى إلى أي شيء مهم. ما يمكن أن يشكل أهمية حقا هو الموقف الغربي تجاه «أردوغان» بعد حادث إسقاط الطائرة الروسية.

تهديدات روسية

ولكن في البداية علينا أن ننتبه إلى تطور آخر ذي صلة. أوردت صحيفة «برافدا» الروسية المؤثرة في 19 نوفمبر/تشرين الثاني تهديدا موجها نحو المملكة العربية السعودية وقطر أن روسيا، في حربها ضد الإرهاب، تعمل بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وتنظم المادة الحق في الدفاع عن النفس للدول وفقا لما أكده «بوتين». كما أكد وزير الخارجية الروسي «سيرغي لافروف» من خلال لقائه مع نظيره اللبناني أن روسيا سوف تسخدم حقها في تطبيق المادة بكل الوسائل المتاحة، سواء أكانت عسكرية أو دبلوماسية أو مالية.

وعلاوة على ذلك، فقد نقل وزير الخارجية الروسي رسالة تحذير شفهية عبر سياسي لبناني إلى كل من المملكة العربية السعودية وقطر.

وقال «يفغيني ساتانوفسكي» الرئيس التنفيذي لمعهد الشرق الأوسط أن البلدين يجب أن يكونا خائفين من العقاب الروسي. «دخلت روس إلى الحرب: عملت فأسها وجذبت السهام واتجهت إلى العمل». كل شيء آخر لا يهم. وأضاف الخبير أن روسيا لم تكن تنسق خطواتها مع المنظمات الدولية حينما استولت على برلين عام 1945.

وجاء التهديد كي يزيد من اشتعال الأوضاع الملتهبة بالفعل. بدأت قطر حملة شعبية لدعم «أردوغان». وكانت باكستان قد أعلنت في وقت سابق أن أي تهديد للمملكة العربية السعودية سوف يقابل برد فعل قوي من قبل إسلام أباد. اختار السعوديون عدم الرد على التهديدات الروسية حتى إن اجتماع مجلس الوزراء الذي أعقب الحادث قد أهمل تماما ما حدث.

أين هي الحدود بين الفعل والخطابة في كل هذا؟

من الصعب القول تحديدا. وبالطبع فإن الأكثر احتمالا هو أن روسيا لن تتخذ أي خطوات عملية وراء التهديدات. والسبب هو أن موسكو تستخدم ببساطة الحادث لصالحها سريعا جدا في الواقع. حيث شهدت سيطرتها العسكرية على الجزء الذي يتحكم فيه «الأسد» من سوريا نقلة كبيرة من حيث نوعية الأنظمة العسكرية المستخدمة هناك.

أضيفت مقاتلات سوخوي 24، صواريخ سلافا، سوى منظومة الدفاع إس-400 وعدة وحدات من القوات الخاصة «سبيتسناز»، إضافة إلى قدرات بحرية أخرى تم إضافتها إلى القوات الروسية في سوريا في غضون أسبوع بعد إسقاط الطائرة.

على الجبهة الدبلوماسية، فإن فرنسا التي كانت تتبنى سياسة متشددة تجاه سوريا تبدو الآن على استعداد للعمل مع الروس لمحاربة «الدولة الإسلامية». كان هذا كافيا للإشارة إلى أن أي محاولة لسحب حلف شمال الأطلسي بكامله نحو مواقف أنقرة بشأن العملية الروسية في سوريا لم تكن ناجحة.

وعلاوة على ذلك، فقد أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عن خطط لإرسال قوات خاصة إضافية إلى سوريا بناء على تقييم إيجابي لتأثير الـ50 شخصا الذين تم إرسالهم في وقت سابق.

في غضون ذلك، فإن قوات «الأسد» جنبا إلى جنب مع الميليشيات الشيعية المتحالفة معها تواصل شن هجمات لا هوادة فيها من حلب إلى حمص إلى درعا والحسكة. يبدو أن الوضع حول حلب صار صعبا جدا بالنسبة للدولة الإسلامية. في هذه المنطقة، لا يوجد تقريبا وجود لتنظيم الدولة الإسلامية ومن الواضح أن قوات «الأسد» تحقق تقدما بطيئا في هذا الصدد.

ما الذي بإمكاننا أن نستنتجه من كل هذا؟

توظف موسكو عملية إسقاط روسيا للطائرة عبر التحرك في مسارين في وقت واحد. الأول هو المزيد من تصليب خطابها السياسي حول الأزمة السورية والمزيد من التشدد حول الحلول السياسية المطروحة، مع اكتساب دعم دولي لموقفها وخاصة في أوروبا. والثاني هو محاولة وضع المعارضة الروسية وداعميها الإقليميين في موقف دفاعي. وبعبارة أخرى، تستخدم موسكو الحادث للمضي قدما بسرعة نحو تحقيق أهدافها الرئيسية في سوريا.

ويبدو من الواضح أن هناك قوة دفع جديدة أنشأها التدخل الروسي في سوريا وتصاعد القدرات العسكرية الروسية في البلاد. ويتجلى هذا الزخم في كل من الوضع العسكري على الأرض والحملة الدبلوماسية لتوسيع مجموعة القوى العالمية المستعدة لدعم جهود موسكو في سوريا أو على الأقل الذهاب معها نحو محاربة «الدولة الإسلامية». المملكة المتحدة انضمت لتوها للتحالف ما يعد خطوة إيجابية في تحركات الغرب لمواجهة الخطط الاستراتيجية الروسية في سوريا.

من الصعب أن نحدد حقا إلى أين يمكن أن يذهب كل ذلك. اختزال الأزمة السورية إلى مجرد هزيمة «الدولة الإسلامية» أو حتى هزيمة المعارضة سوى «الدولة الإسلامية» هو خطأ كبير لسبب واحد: عندما بدأت هذه الأزمة، لم تكن «الدولة الإسلامية» موجودة في سوريا، في الواقع لم تكن هناك أي معارضة مسلحة على الإطلاق.

وفي الوقت نفسه، فإن الجهود المبذولة لتشكيل تجمع موحد يمثل المعارضة سوى «الدولة الإسلامية» تتسارع بشكل ملحوظ. وتشارك قطر والمملكة العربية السعودية ومبعوث الأمم المتحدة «ستيفان دي مستورا» في محادثات مكثفة بشأن تشكيل الوفد. تنتظر المملكة العربية السعودية نتائج هذه المحادثات من أجل الدعوة لعقد مؤتمر في الرياض لممثلي المعارضة الذين وقع الاختيار عليهم. ومن الواضح أن كل بلد على استعداد لتضمين أقرب الجماعات إلى سياساته. في أي حال، فإن المعارضة تجمع تقريبا على إبعاد أي قوات أجنبية لاسيما إيران والميليشيات الحليفة لها.

وأيا كان الوفد تشكيل الوفد الذي سيخرج، فإنه سوف يؤدي إلى تأجيج التوتر القائم بالفعل بين جماعات المعارضة التي تحارب بعضها البعض دون أسباب مفهومة. وقال وزير الخارجية السعودي أن بلاده تصر على تمثيل متوازن لجميع الأقليات السورية في أي وفد موحد للمعارضة.

ومن المرجح أنه سوف تتم إضافة ممثلي الأقليات إلى الوفد. ولكن من أجل ضمان أن هذه ليست مجرد إضافة ديكورية، فإن جميع الجماعات الفاعلة على الأرض يجب أن تلتزم باحترام حقوق جميع المدنيين بما في ذلك الأقليات. كما ينبغي توفير مراقبين من المجتمع المدني ومجموعات النشطاء بهدف إطلاع الرأي العام العالمي حول أي انتهاكات تمس هذا الالتزام.

على الصعيد العالمي، فقد أدرك الدبلوماسيون، بشكل صحيح في الواقع، أن جهودهم ينبغي أن تتركز على وقف إطلاق النار المقترح. إلى تلك الدرجة التي يتم النظر عبرها إلى الحكومة الانتقالية على أنها أداة لتنفيذ وقف إطلاق النار المقترح. بعد، فإن الحكومة الانتقالية سوف تتولى تحديد نبرة ما سوف يحدث في اليوم التالي. على تركيا أن تكون شريكا في كل خطوة على هذا الطريق من أجل تجنب المزيد من الحوادث «روسيا جيت» وتنسيق التحركات في شمال سوريا. يتعين أخد المصالح التركية بالاعتبار في أي خطط مستقبلية.

أي اختراق محتمل لما أسميناه سلفا اتفاق طائف سوريا، (استعارة لاسم اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان)، فإنه سوف يكون اختبارا جديا لما تم إنجازه. قد يكون من المفيد للتحرك فورا، صبيحة اليوم التالي لتوقيع الاتفاق من أجل ضمان شروط استمراره. خريطة الطريق للخطوات المطلوبة بعد الاتفاق ينبغي أن تكون بنفس أهمية الصفقة نفسها.

على أي حال فإنه من الواضح أن قمة باريس للمناخ خلقت الزخم الإيجابي لعبور الأزمة التركية الروسية وأعطت مهلة للعملية الدبلوماسية. هذه العملية تشبه السير على حبل مشدود. يجب أن تستمر المشاركة العالمية في هذه اللحظة الحرجة لجلب الحرب الأهلية في سوريا إلى نهايتها.

إن التوصل إلى وقف إطلاق النار في سوريا هو أمر صعب جدا ولكن الحفاظ عليه هو أمر أكثر صعوبة. الناس على الأرض هو وحدهم القادرين على هزيمة الدولة الإسلامية. هؤلاء الناس على الأرض يجب أن يكون لديهم الأمل في غد أفضل. لن يأتي هذا الأمل بينما «الأسد» لا يزال في رأس السلطة، وهم يعرفون أنه لا يرحم كما «الدولة الإسلامية». كيف يمكن أن تقنع الناس بمحاربة الإرهاب كي يعيشوا في ظل الإرهاب؟

ومع ذلك، وقف إطلاق النار في سوريا لا يزال ممكنا. وعلى المجتمع الدولي أن يظل مشتركا وأن يركز الضوء على بلوغ هذا الهدف. ومن ثم تأتي المحاربة الجماعية لتنظيم «الدولة الإسلامية».

اقرأ أيضاً

وزيرا خارجية أنقرة وموسكو يلتقيان للمرة الأولى منذ إسقاط الطائرة الروسية

موسكو وطهران: لا ضربة عسكرية ساحقة في سوريا!

فيينا.. الحلقة المفقودة بين قتال «الدولة الإسلامية» وتحقيق السلام في سوريا

«ستراتفور»: عوائق كبرى في طريق البحث عن حل في سوريا

«ستراتفور»: قمة فيينا والقضايا الكبرى في الأزمة السورية

«الجبير»: «الأسد» سيرحل سياسيا أو عسكريا وسنختبر نوايا روسيا وإيران في فيينا

تركيا وروسيا ومستقبل الشرق الإسلامي

«داود أوغلو»: لن يشعر أحد بالأمن بدون حل الأزمة السورية

عن المواجهة الروسية التركية في سوريا

رقعة الشطرنج: اللاعبون والأحجار!

روسيا وإيران لتغيير مسار فيينا .. بعد «صدمة» الرياض

«هآرتس»: التحالف المصري الروسي الناشئ يعطل خطط السعودية

«التعاون الإسلامي» ترحب باتفاق وقف «الأعمال العدائية» بسوريا

قادة فرنسا وأمريكا وألمانيا وبريطانيا يتباحثون هاتفيا بخصوص سوريا

لماذا تسعى تركيا وروسيا إلى تفادي المواجهة مع بعضهما البعض؟

«فورين أفيرز»: معالم التقارب التركي الروسي في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة