الأربعاء 16 فبراير 2022 07:54 م

رغم أن العلاقات التركية الإسرائيلية دخلت فعليا في مسار استعادة دفئها منذ أشهر عبر سلسلة اتصالات وتصريحات إيجابية بين البلدين، وزيارة مرتقبة لرئيس إسرائيل "إسحاق هرتسوج" إلى تركيا، إلا أن سماء هذا "الدفء" ما زالت ملبدة بالغيوم، ولا يزال المستقبل ضبابيا.

تلك الغيوم يغذيها عاملان أساسيان هما علاقة تركيا بحركة المقاومة الفلسطينية "حماس"، والتحالف القبرصي الإسرائيلي اليوناني بشرق المتوسط، ذلك الملف الحساس لأنقرة والتي يبدو من تصرفاتها أنها لا تقبل المساومة فيه وتعتبر أي حديث عنه مساسا بسيادتها.

ولا شك أن هذان العاملان وغيرهما الكثير مثل الانتهاكات الإسرائيلية في القدس وخاصة بحي الشيخ جراح، جميعها كافية بأن تحرك الكثير من الضباب نحو سماء علاقات البلدين الذين يسعيان بلهف بات واضحا للعيان مؤخرا نحو إتمام التقارب.

وتكثف تركيا وإسرائيل الاتصالات بينهما، في الأسابيع الأخيرة، لعودة العلاقات "الدافئة" بعد توتر دام أكثر من عقد.

عقد من التوتر

هذا التوتر بدأ في أعقاب الهجوم الإسرائيلي في 2010 على سفينة "مرمرة" التركية المتجهة لفك الحصار عن قطاع غزة وأسفر الهجوم عن مقتل 10 متضامنين أتراك وإصابة 56 آخرين.

وإثر ذلك طردت تركيا السفير الإسرائيلي وجمدت التعاون العسكري بعد أن خلص تقرير للأمم المتحدة في الحادث عام 2011 إلى تبرئة إسرائيل بدرجة كبيرة، وقلصت إسرائيل وتركيا تبادل المعلومات الاستخباراتية وألغتا تدريبات عسكرية مشتركة.

وفي عام 2016، عادت تركيا لتعلن استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل بعد 6 سنوات من الشقاق، حيث أكد "أردوغان" في حينه حصول اتفاق مع إسرائيل وأن "العلاقات الاقتصادية معها ستبدأ في التحسن".

بعدها بعامين، عاد التوتر من جديد في العلاقات بين البلدين، بسبب الموقف التركي من العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، لتصبح العلاقات الدبلوماسية بينهما على مستوى القائم بالأعمال.

وفي أواخر 2020، تردد حديث عن حراك لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهو ما ورد ذكره على لسان مسؤولين أتراك بينهم المستشار الرئاسي "مسعود كاسين"، في ديسمبر/كانون الأول 2020، لكن هذا الأمر تجمد لتعود العلاقات إلى التأزم بعد التصعيد العسكري الأخير في غزة وقضية حي الشيخ جراح.

إرهاصات التقارب

ومع تولى "هرتسوج" منصبه، فتح حوارا مع الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، وتحدثا 4 مرات عبر الهاتف، كان أولها من جانب "أردوغان" الذي اتصل لتهنئة "هرتسوج" بانتخابه لرئاسة الدولة، في يوليو/تموز الماضي.

كما اتصل رئيس الوزراء الإسرائيلي "نفتالي بينيت"، بـ"أردوغان" وشكره على تدخله في إطلاق سراح الزوجين الإسرائيليين المتهمين بالتجسس، وكانت تلك هي أول محادثة بين الرئيس التركي ورئيس وزراء إسرائيلي منذ 2013.

وفي نهاية الشهر الماضي، أعلن الرئيس التركي أن "هرتسوج" سيزور بلاده في المستقبل القريب، وقالت قناة "كان" الإسرائيلية الرسمية إن الزيارة "هي جزء من تطور إيجابي وترمز إلى بداية عهد جديد في العلاقات الإسرائيلية التركية".

والثلاثاء، أعلنت تركيا أن "هرتسوج" سيصل إلى البلاد في 9 مارس/آذار المقبل، فيما وصل وفد تركي رفيع المستوى يضم المتحدث باسم رئاسة الجمهورية "إبراهيم قالن" ونائب وزير الخارجية التركي "سادات أونال"، إلى تل أبيب للترتيب لزيارة الرئيس الإسرائيلي.

هذا التقارب التركي الإسرائيلي، أرجعته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية إلى رغبة الرئيس "رجب طيب أردوغان" في البحث عن شركاء جدد، ضمن حتمية إصلاح علاقاته مع الخارج، حيث يواجه اقتصادًا مأزوما، وصراعًا مع جيران عرب وحلفاء غربيين تقليديين.

واعتبرت المجلة، في تقرير لها، قبل أيام، أن العزلة المتزايدة للرئيس التركي في شرق البحر المتوسط والمشاكل الاقتصادية في الداخل "تجبره على التواصل مع خصمه اللدود"، مشيرة إلى أن التقارب التركي الإسرائيلي المتجدد، من شأنه أن "يغير مرّة أخرى الخريطة الدبلوماسية للشرق الأوسط".

كما يأمل "أردوغان" أيضًا أن يساعد إصلاح العلاقات مع إسرائيل ومصر في عكس عزلة تركيا المتزايدة في شرق البحر المتوسط.

والعامان الأخيران، شهدت المنطقة شراكة دبلوماسية وعسكرية مذهلة وغير مسبوقة بين إسرائيل ومصر والإمارات واليونان وقبرص، والتي كانت جميعها منزعجة من تحركات تركيا في المنطقة.

ولطالما نظرت تركيا إلى اليونان وقبرص باعتبارهما خصمين رئيسيين، وقد يكون الهدف الآخر من تغير نبرة "أردوغان" الدبلوماسية هو محاولة إزاحتهما عن شبكة الشراكات سريعة التطور في المنطقة.

مخاوف في الطريق

وفي الوقت نفسه، ذهبت المجلة إلى أن إسرائيل تسير باتجاه "أردوغان" بحذر، بالنظر إلى انتقاده المتكرر لإسرائيل، مستشهدة في ذلك بتصريح سابق قال فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي "نفتالي بينيت": "ليس لدي أوهام فيما يتعلق بتركيا" في إشارة إلى صعوبة إرساء علاقات جيدة مع أنقرة في ظل حكم "أردوغان".

ووفق المجلة، يأتي على رأس قائمة مخاوف إسرائيل دعم "أردوغان" الثابت لحركة "حماس" الفلسطينية، وهي الحركة التي صنفتها واشنطن ضمن قائمتها للجماعات الإرهابية.

وكانت إسرائيل انزعجت من منح أنقرة الجنسية التركية لكبار قادة "حماس"، بمن فيهم شخص تقول إسرائيل إنه "أشرف على مؤامرة لاغتيال رئيس بلدية القدس، وشخصيات عامة إسرائيلية أخرى"، وفقًا لتقرير صحيفة "تليجراف" نشرته عام 2020.

وسبق لـ"أردوغان" وأن تباهى باستضافة اثنين من كبار قادة "حماس"، وهما "صالح العاروري" و"إسماعيل هنية"، وكلاهما مدرج على قائمة واشنطن للإرهابيين العالميين.

لذلك، فليس من المستغرب أن وكالة المخابرات الإسرائيلية "شين بيت" شددت في المناقشات الداخلية حول تركيا على أن أي عملية تطبيع يجب أن تشمل الحد من نشاط حماس في تركيا، كما أفاد موقع "أكسيوس" مؤخرًا.

ما يزيد من شكوك إسرائيل تجاه "أردوغان"، هو جهوده الدؤوبة في عام 2020 لتقويض اتفاقات "أبراهام" مع دول عربية، وهي الاتفاقات التي توسطت فيها الولايات المتحدة لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والعديد من خصومها العرب السابقين.

لكن "أردوغان" تراجع فيما يتعلق بالإمارات، كجزء من جهد أوسع لإصلاح العلاقات مع الإمارات ومصر والسعودية والدول العربية الأخرى التي اشتبكت معها تركيا في السنوات الأخيرة.

وتضمنت هذه الجهود الدبلوماسية التركية، زيارة قام بها ولي العهد الإماراتي الشيخ "محمد بن زايد" في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إلى أنقرة، فيما حل "أردوغان" بأبوظبي اليومين الماضيين.

معوقات محتملة

وكان وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو" سرد 5 شروط لبلاده لتحسين العلاقات مع الاحتلال، هي وقف الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين، والتراجع عن الخطوات التي تستنزف حل الدولتين، والعودة إلى مباحثات السلام مجدداً، ووقف بناء المستوطنات غير الشرعية وسلب الأراضي الفلسطينية، والكف عن الإجراءات التي تهدف إلى تغيير الوضع القائم في القدس.

ومن المعيقات كذلك انتقادات تركيا لسياسات الاحتلال وانتهاكاته بحق الفلسطينيين، وتصريحات عدد من قياداته بأن هذه الانتقادات في كثير من الأحيان ستستمر حتى ولو تقدمت العلاقات مع تل أبيب.

ومن بين المعيقات ملف الغاز كذلك، فإسرائيل وإن كانت تمثل لتركيا شريكاً محتملاً في المستقبل فهي منافس وخصم في المرحلة الحالية وضمن المحور المواجه لها في شرق المتوسط، ولذلك فملف الغاز قد يقرب الجانبين لاحقاً لكنه يبعدهما الآن.

وبين هذا وذاك، يمكن القول إنه بينما أثار تحول "أردوغان" المفاجئ مع إسرائيل شكوك المحللين الإسرائيليين، هناك تفاؤل حذر بين المسؤولين الإسرائيليين بشأن التحسن التدريجي للعلاقات مع تركيا.

وبحسب مراقبين، لن يحدث أي تطبيع للعلاقات الإسرائيلية التركية بنفس السرعة التي حدثت بها بين إسرائيل والإمارات، على سبيل المثال، التي كانت تتعاون بشكل وثيق منذ سنوات عديدة.

المصدر | الخليج الجديد