الثلاثاء 8 ديسمبر 2015 06:12 ص

المياه هي الحياة، تلك قضية ثابتة ترتبط بالإنسان في كل زمان ومكان، لذلك فإن أي تهديد يتصل من قريب أو بعيد بمسألة المياه هو تهديد مباشر للحياة، من هنا فإننا نرى أن موضوع «سد النهضة» يجب أن يتصدر أولويات العمل الوطني المصري وأن نحشد إلى جانبه كل الأشقاء والأصدقاء بل وكل المؤمنين بعدالة الحق المصري بحصته المقررة من مياه «نهر النيل»، ونحن لا نشكك في الجهد المبذول من وزارتي الري والخارجية في هذا السياق والأجهزة المعاونة لهما من ذات الاتصال بقضايا الأمن القومي والمصالح العليا للبلاد.

ولكننا نرى في الوقت ذاته ورغم المتابعة المباشرة من الرئيس السيسي لمسار المباحثات، إلا أنه قد أصبح واضحاً أن الأشقاء في إثيوبيا يستهلكون الوقت للمضي قدمًا في مشروعهم ويستغلون ظروف مصر الحالية ليحققوا ما لم يحققوه في ظروفها الطبيعية، وليست مصر ولن تكون كياناً خامداً لا يملك المبادرة ولا يرعى المصالح العليا للبلاد، فذلك أبعد ما يكون عن الشخصية المصرية عبر تاريخها الطويل.

وفي ظننا أن الاتفاق الثلاثي الذي جرى توقيعه هذا العام قد أعطى مسوغاً سياسياً لحكومة أديس أبابا لكي تمضي في مشروعها وهي تقدم صورة ذلك الاتفاق للجهات المانحة، تأكيداً لشرعية ما يعملون وإظهار قبول الأطراف الثلاثة للسد الذي يمضي العمل فيه على قدم وساق.

ولقد اطلعت بنفسي على خريطة «مسح جوي» نشرها موقع «غوغل» تؤكد أنهم قد انتهوا من بناء أكثر من نصف جسم السد حتى الآن، وبالمناسبة فإنني أجازف لكي أقول إن المشكلة ليست في «سد النهضة»، فمن حق أي دولة أن تتبنى مشروعات تنموية ترى فيها مصلحة لها، ولكن بشرط ألا يؤدي ذلك إلى الإضرار بدول أخرى على «مجرى النهر» خصوصاً «دولة المصب»، ولأن الحديث في هذا الأمر ذو شؤون وشجون فإننا نطرحه من خلال النقاط الآتية:

* أولاً: إن حساسية المصريين تجاه النيل وتأمين حقهم فيه هو أمر يضرب بجذوره في التاريخ المصري منذ العصر الفرعوني، ولقد حفلت الكتابات السابقة على ميلاد السيد المسيح بكثير من الروايات عن «النهر» وجاءت الإشارة إليه في الكتب المقدسة الثلاثة، وقد فطن «محمد علي» مؤسس «مصر الحديثة» إلى أهمية النيل وضرورة تأمين منابعه، فانصرفت حملاته جنوباً وفي خلفية ذلك الحاكم الذكي الوصول إلى منابع النهر تأكيدًا لحق مصر في المياه وقد مضى خلفاؤه على ذات النهج.

وحتى عندما قامت الثورة وأصبحت مصر جمهورية فإن عبد الناصر مضى في ترويض «إمبراطور الحبشة» وعزز علاقاته بالقارة الإفريقية، وكان لهيبته ومكانة مصر دورهما في استقرار أوضاع النهر بين «دول الحوض»، وبتوقيع اتفاقية «السلام المصرية «الإسرائيلية» وإدراك الأهداف التاريخية ل«إسرائيل» في الوصول إلى «مياه النهر»، فإن الأمر قد بدأ يأخذ مساراً مختلفاً وظهرت على السطح أفكار متناثرة عن مشروعات استفزازية في «دولة المنبع» أو قربها، وقد اتخذت مصر موقفاً حاداً وواضحاً في عهد الرئيسين السادات ومبارك، ولكن قيام ثورة 25 يناير ودخول مصر في دائرة عدم الاستقرار قد أغرى «زيناوي» وخلفاؤه أن يبدأوا في مشروع «سد النهضة» وسط ضجيج إعلامي إثيوبي، جعل منها قضية قومية لا تقل في سخونتها عما جرى في مصر من شحن وطني أثناء بناء «السد العالي».

* ثانياً: يلاحظ كل المتابعين لفكرة إنشاء السد والبدء في بنائه أن الأمر برمته سياسي بالدرجة الأولى، فحجز المياه لتوليد الكهرباء كان يمكن أن يتم بمجموعة سدود صغيرة، ولكن العقول الخبيثة التي تقف وراء إثيوبيا وتحمل عداء تاريخياً وخصومة مستمرة مع مصر، تسعى لخنق ذلك البلد الكبير وضرب مستقبل التنمية فيه فضلاً عن خلق بؤرة صراع تستنزف الجهد المصري في كافة المجالات، لذلك فإن بناء السد ينطوي على نوع من «الكيدية السياسية» أكثر منها فوائد اقتصادية أو إنجازات فنية، ولقد فطنت مصر إلى ذلك مبكراً وذهب رئيسها المشير عبد الفتاح السيسي إلى منصة «البرلمان الإثيوبي» وقال لأشقائنا في «بلاد الهضبة»، إن أمامنا طريقين أولهما «العداء المتبادل» والثاني هو «التعاون المشترك»، وقد جئتكم برسالة التعاون الذي يؤدي إلى أن يكون الجميع رابحاً وألا يضر طرف طرفًا آخر، فنحن نعترف بحقكم في التنمية مع حفظ حقنا في المياه، ولكن يبدو أن الرسالة لم تصل إلى الأشقاء بالطريقة التي قصدها الرئيس المصري فمضوا في بناء «السد» من دون اكتراث بردود الفعل المصرية، مدعومين بقوى دولية تعادي مصر دائماً مع تصريحات متقطعة لا تخلو من استفزاز لمصر واستخفاف بشعبها، يدعمهم في ذلك حكومة الدولة التوأم ل«مصر» عبر التاريخ في «الخرطوم»، ثم كان توقيع الاتفاق الثلاثي بين «مصر» و«إثيوبيا» و«السودان» والذي وافقت عليه مصر بنية طيبة ورغبة صادقة، إلا أنه قد جرى استغلاله للترويج لقبول مصر بالأمر الواقع واعترافها ببناء السد من دون تغيير، فإذا كان التوقيع صحيحاً من الناحية القانونية، إلا أنه خطأ من الناحية السياسية لأنه يعطي الطرف الآخر ما يريد ولا يأخذ منه التزامًا قانونيًا باحترام حصة مصر في مياه النهر الخالد.

* ثالثاً: إن انشغال مصر في ظروف ما بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011 مع تغيرات هائلة في منطقة «الشرق الأوسط» والتهاب حدودنا الشرقية والغربية إلى جانب المأساة السورية والانتكاسة العراقية والأزمة اليمنية والمشكلة الليبية، فإن أشقاءنا في الجنوب لم يجدوا أفضل من هذا التوقيت لاستثماره، متوهمين أن مصر في حالة ضعف يسمح بالعبث في حقوقها من المياه وإنشاء السد ذي الطابع السياسي كما يريدون مع التنصل من الوثائق القانونية السابقة، وعلى رأسها اتفاقية توزيع «مياه النهر» بين مصر والسودان عام 1959. إن الخيال الذي لا يعرف دروس التاريخ ولا حقائق الجغرافيا قد سمح للبعض بالمضي في بناء السد والسعي لاقتطاع «حلايب وشلاتين» من الجسد المصري إن أمكن ذلك أيضاً.

* رابعاً: لا يخفى على أحد أن الترويج لأحاديث عن توصيل «نهر الكونغو» ب«نهر النيل» أو المبالغة في حجم مياه الآبار في مصر والإشارة إلى مشروعات «تحلية المياه»، إنما هي في مجملها مبررات لا داعي لها لأنها تصب في خانة من لا يريدون لمصر خيراً، إذ المعروف أن المخاطر المحتملة من السد والتأثيرات السلبية في مسيرة التنمية في مصر يجب أن تجعلنا أكثر وعيًا وأشد فطنة تجاه الأهداف البعيدة والأغراض الملتوية التي لا تبدو «الدولة العبرية» بعيدة عنها.

* خامساً: كنا نتصور أننا خرجنا من عباءة الحساسيات التاريخية التي صنعها الاستعمار بيننا وبين أشقائنا في الجنوب، وأننا نبدأ صفحة جديدة بخلق شبكة تجمعنا مع دول حوض نهر النيل وتحيل الجميع إلى رابحين بحيث لا تكون رفاهية طرف على حساب سواه، ونحن في مصر أصحاب مصلحة في أن يزدهر السودان وأن تتقدم إثيوبيا، لأن في ذلك ضماناً للأمن القومي المصري ومدعاة لاستقرار المنطقة، كما أننا نلفت النظر - وبشكل مبدئي - إلى أن لدى الجعبة المصرية دفوعاً قانونية ودولية تجعلها في موقف أفضل عما هي عليه الآن، فلو أنها أعلنت عن توقف المباحثات حول «سد النهضة» لأنه لا جدوى منها ولا طائل من ورائها ثم طلبت القاهرة اللجوء إلى التحكيم لدى «محكمة العدل الدولية»، فإن إثيوبيا سوف ترفض ذلك، وفي هذه الحالة فإن أبواب «مجلس الأمن» مفتوحة أمامنا والمجتمع الدولي يملك حداً أدنى من العدالة عند اللزوم، كذلك فإن الاتفاقيات الدولية المنظمة لمياه الأنهار تدفع لصالح حقنا في المياه بشكل إيجابي دون حرمان إثيوبيا من حقها في التنمية، كما أن هناك «كروتاً» أخرى لدى مصر تعززها الاتفاقيات الدولية، لأن حرمان مصر من حقها في المياه هو بمثابة «إعلان حرب» يتيح لها التحكم في مرور بعض السفن من «قناة السويس» وفقاً لاتفاقية القسطنطينية 1988 وليستخدم كل طرف ما يملكه!

... إننا لا نريد أن نصل إلى نقطة صدام مع أشقائنا، ولكن عندما يأتي الخيار بين المياه والجفاف، بين الحياة والموت فإن الأمر يختلف!