الخميس 4 أغسطس 2022 08:48 ص

بالرغم من تفاقم الأوضاع الاقتصادية في مصر، من المستبعد حاليا اندلاع موجات احتجاج واسعة، نظرا للقبضة الأمنية القوية للنظام المصري وخطط الحكومة لزيادة الإنفاق الاجتماعي لتخفيف الشعور بالأزمة، ولكن إذا استمرت تداعيات حرب أوكرانيا في استنزاف موارد البلاد المالية، فقد تضطر القاهرة في النهاية إلى اتخاذ تدابير تقشف مؤلمة، ما قد يزيد من مخاطر الاحتجاجات.

ومن بين البلدان النامية، كانت مصر معرضة بشكل خاص لصدمة أسعار السلع الناتجة عن حرب أوكرانيا. ومطلع الشهر الجاري، سجلت العملة المصرية أدنى مستوى لها على الإطلاق، حيث تجاوز سعر الصرف 19 جنيهًا مصريًا لكل دولار أمريكي.

أزمة التضخم وتدهور العملة

بالرغم أن التضخم الإجمالي انخفض بشكل طفيف في يونيو/حزيران عن الشهر السابق بسبب التراجع الطفيف في أسعار المواد الغذائية، ما تزال أسعار المستهلك أعلى مما كانت عليه قبل اندلاع حرب أوكرانيا في فبراير/شباط الماضي. وأدى التأثير المشترك للتضخم المرتفع وانخفاض قيمة العملة في الآونة الأخيرة إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على المصريين من مختلف الطبقات الاجتماعية.

وسيظل الاقتصاد المصري ضعيفًا طالما استمرت حرب أوكرانيا في استنزاف احتياطيات القاهرة من العملات الأجنبية عبر زيادة تكلفة الواردات وخفض معدلات السياحة وإثارة مخاوف المستثمرين الأجانب.

وأدى انخفاض قيمة الجنيه المصري إلى زيادة تكلفة السلع المستوردة (مثل الغذاء والوقود) ما أدى إلى تفاقم صدمة أسعار السلع الأساسية التي خلقتها الحرب في أوكرانيا.

كما تسببت الحرب في تقليل عدد السياح الأوكرانيين والروس والأوروبيين الذين يزورون مصر، ما حرم القاهرة من مصدر رئيسي للعملة الأجنبية. وقبل الحرب، كان الروس والأوكرانيون يمثلون نحو 30% من السياح الذين يزورون مصر.

في غضون ذلك، سحب المستثمرون الأجانب نحو 20 مليار دولار من السوق المصرية هذا العام وسط ارتفاع أسعار الفائدة العالمية.

وأدت هذه الخسارة في عائدات رأس المال والسياحة - إلى جانب زيادة تكلفة الواردات - إلى تآكل احتياطيات مصر من العملات الأجنبية (بلغت 33.4 مليار دولار في نهاية يونيو/حزيران انخفاضًا من حوالي 41 مليار دولار في نهاية فبراير/شباط).

مخاطر الاحتجاجات

أدت زيادة الأعباء على الأسر المصرية إلى تفاقم الغضب ضد الحكومة، بالرغم أن الاحتجاجات الجماهيرية لا تزال غير مرجحة في الوقت الحالي بسبب القبضة الأمنية القوية في البلاد. ولا يزال من غير المرجح أن تؤدي المظالم الاقتصادية المتزايدة إلى تأجيج المظاهرات بفضل قيام قوات الأمن بتفريق أي تجمعات غير مصرح بها.

ومنذ الربيع العربي، أصبح لدى المصريين شهية منخفضة بشكل عام للاضطرابات الشعبية الكبيرة. لكن الزيادات في تكلفة المعيشة تنطوي على مخاطر تأجيج السخط من النظام، حيث يعيش أكثر من ربع السكان (30%) بالفعل تحت خط الفقر.

وفي الأشهر الأخيرة، لجأ المصريون بشكل متزايد إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن غضبهم من الحكومة، لا سيما بسبب ارتفاع أسعار أجور النقل العام والوقود والطعام والسلع الأساسية.

وإذا استمرت الحرب في أوكرانيا في ضرب الاقتصاد المصري، فهناك فرصة (وإن كانت ضئيلة) أن يصل هذا الغضب الشعبي في النهاية إلى مستويات تتجاوز قدرة الحكومة على احتوائه من خلال الأساليب الأمنية المعتادة.

استمرار الدعم

ستخفف خطط القاهرة لتوسيع الإنفاق الاجتماعي والحفاظ على دعم السلع الأساسية من مخاطر الاضطرابات عبر تخفيف الشعور بالأزمة الاقتصادية على المدى القريب.

وتظهر أحدث ميزانية للحكومة المصرية أنها تستعد لفترة ممتدة من زيادة الإنفاق الحكومي على دعم السكان خلال هذه الفترة من عدم اليقين الاقتصادي. وتخصص الميزانية أموالًا كبيرة لبرنامج "كرامة وتكافل"، كما تخطط القاهرة لمواصلة دعم بعض السلع لتخفيف تأثير ارتفاع أسعار السلع الأساسية على المستهلكين.

وقبل حرب أوكرانيا، كانت الحكومة تفكر في تقليص بعض هذا الدعم (بما في ذلك الخبز والمياه والكهرباء)، والتي تؤثر بشدة على المالية العامة للدولة. لكن في ظل المناخ الاقتصادي الحالي، ستحاول الحكومة المصرية تجنب مثل هذه الإصلاحات، حيث تدرك أن وضع أي ضغط إضافي على المصريين الذين يعانون بالفعل من شأنه أن يخاطر بتأجيج الغضب العام.

وينطبق ذلك بشكل خاص على دعم المواد الغذائية التي تعتبر حساسة سياسياً بشكل استثنائي لأنها تساعد في منع المصريين الأكثر هشاشة من الوقوع فريسة للجوع.

مزيد من الديون

إذا لم يتم إيقاف التراجع الاقتصادي في مصر في الأشهر المقبلة، فمن المحتمل أن تحتاج القاهرة إلى أموال خارجية لتعزيز الإنفاق الحكومي، الأمر الذي سيتطلب على الأرجح تدابير تقشفية جديدة قد تزيد الضغط على الأسر المصرية. وإذا استمر الوضع الاقتصادي الحالي إلى ما بعد نهاية عام 2022، فلن يترك ذلك خيارا لمصر سوى الحصول على المزيد من الديون.

ومن المرجح أن تضغط القاهرة للحصول على مساعدة مالية من دول الخليج، بالإضافة إلى تمويل خارجي من مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي. ويمكن أن تؤدي شهية الإمارات للاستثمار في الشركات المصرية إلى تعزيز توجه القاهرة لخصخصة الشركات المملوكة للحكومة، بما في ذلك المتعلقة بقطاع الدفاع المصري.

وإذا ظلت مصر ملتزمة بمشاريع الخصخصة، فقد يساهم ذلك في موقف إيجابي من قبل صندوق النقد الدولي، الذي شجع مصر على بناء قطاع خاص أكثر قوة. ومع ذلك، فإن وضع اللمسات الأخيرة على أي اتفاق مع صندوق النقد الدولي لا يزال يتطلب موافقة القاهرة على إصلاحات اقتصادية تتضمن تدابير تقشف لا تحظى بشعبية.

وبالرغم أن المحادثات الجارية بين صندوق النقد الدولي ومصر تشير إلى بعض الانقسام بين الطرفين حول وتيرة ونطاق هذه الإصلاحات، فإن إدارة "السيسي" الحالية أبدت استعدادها من قبل لزيادة الضرائب وخفض الدعم، بالرغم من تكلفة ذلك على الأسر المصرية.

وإذا استمرت حرب أوكرانيا في استنزاف الموارد المالية للبلاد، قد تضطر القاهرة إلى فرض مثل هذه الإجراءات مرة أخرى من أجل فتح الباب أمام مزيد من تمويل صندوق النقد الدولي.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد