سفير أمريكي سابق: أخطاء واشنطن مهدت طريق الهيمنة الصينية على الخليج

السبت 12 نوفمبر 2022 08:32 م

اعتبر "شاس فريمان" السفير الأمريكي الأسبق لدى السعودية أن ما وصفه بـ"فن إدارة الحكم غير الكفؤ" في واشنطن على مدار العقود الأخيرة؛ خلق الفرصة للصين لتسريع زوال هيمنة بلاده على الشرق الأوسط.

في تحليل مطول نشره الموقع الالكتروني لمركز "ريسبونسبل ستيت كرافت" البحثي، رأي "فريمان" أن الأيام القادمة ستكون كفيلة بالإجابة حول إذا ما كانت الصين ستستغل الفرصة الآن للهيمنة على المنطقة أم ستستمر في المقاومة السلبية لشبه الحرب التي تشنها ضدها الولايات المتحدة.

واستعرض السفير الأمريكي تطور العلاقات الصينية مع دول المنطقة، مشيرا إلى أن لطالما كانت العلاقات مع بكين ذات أولوية ضئيلة لكل من دول الخليج العربي وإيران، لكن هذا الوضع تغير خلال العقود الأخيرة؛ بسبب عدم الكفاءة من جانب الإدارات المتعاقبة في واشنطن.

وأضاف أن خلال سنوات أصبحت الصين تأتي بثلث وارداتها من الطاقة من دول مجلس التعاون الخليجي، والجزء الأكبر من ذلك يأتي من السعودية. وتشتري الشركات الصينية سدس صادرات النفط الخليجية وخمس صادرات إيران ونصف صادرات العراق.

كما أصبحت الصين أكبر شريك تجاري ومستثمر أجنبي في المنطقة. وبموازاة ذلك تريد دول المنطقة المزيد من المشاركة وليس تقليلها من الصين.

وبالنظر إلي أن الصين تتصدر الابتكار التكنولوجي العالمي، فقد أصبحت شريكا وعميلا مهما لشركات التكنولوجيا الفائقة في إسرائيل وشريكًا في جهود السعودية لتطوير صناعة أسلحة محلية.

وانضمت 17 دولة عربية إلى مبادرة "الحزام والطريق" الصينية.

وأوضح السفير الأمريكي أن العقوبات الأمريكية أجبرت إيران على عكس تفضيلاتها الأوروبية واتجهت إلى الصين ومؤخرا إلى خصمها الجيوسياسي التقليدي روسيا.

مزايا الصين

وذكر "فريمان" أنه على غرار الولايات المتحدة قبل قرن من الزمان، لم يكن للصين أجندة إمبريالية أو أيديولوجية واضحة في الشرق الأوسط.

وأضاف أن الصين وعلى عكس الولايات المتحدة اليوم، لا تطلب من دول المنطقة تغيير أنظمتها وقيمها السياسية، أو معاقبتهم لفشلهم في القيام بذلك، أو المطالبة بعلاقات حصرية معهم.

كما أن الصين لا تجعل سلوك دول المنطقة من دولة ثالثة مثل -مثل روسيا في أوكرانيا- اختبارا أساسيا للعلاقات الجيدة معهم، ولا تهين بكين دول المنطقة أو قادتها.

وذكر الدبلوماسي الأمريكي أنه حتى هذه اللحظة، كانت الصين حريصة جدًا على تركيز سياساتها في غرب آسيا على التجارة والاستثمار والابتعاد عن النزاعات السياسية في المنطقة.

ونتيجة لذلك، تمكنت من الحفاظ على علاقات ودية مع كل دول الشرق الأوسط، بما في ذلك إيران والعراق وإسرائيل وكذلك الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن والفلسطينيين وسوريا.

ولفت "فريمان" إلى أنه بينما ينصب تركيز السياسة الأمريكية في المنطقة الآن على استبعاد النفوذ الصيني، لم تعلن الصين بعد عن معارضتها لاستمرار التدخل الأمريكي.

وبدلاً من ذلك، اقترحت بكين تشكيل حوار متعدد الأطراف حول القضايا الأمنية.. باختصار، بدلا من فرض تفضيلاتها الخاصة أو الانحياز إلى أحد الأطراف، اقترحت الصين المساعدة في التوفيق بين وجهات النظر الإيرانية والخليجية العربية.

في غضون ذلك، وجد شركاء الصين في الخليج أن رأسمالية الدولة في بكين، وإمكانيتها المالية الطائلة، والصعود السريع إلى الحداثة أمر جذاب. وهم يرون الصين ومبادرة "الحزام والطريق" الخاصة بها كمساهم محتمل في "رؤية 2030" السعودية وخطط التنمية الاقتصادية الأخرى.

توسيع هيمنة

في المقابل، جعلت الولايات المتحدة من هزيمة تطلعات الصين في تجديد الثروة والسلطة الهدف الرئيسي لاستراتيجيتها للأمن القومي العالمي. وأصبحت العلاقات الصينية الأمريكية في حالة "شبه حرب".

وبسبب العديد من العوامل غير ذات الصلة، باتت العلاقات السعودية مع الولايات المتحدة مهددة أكثر من أي وقت مضى.

وذكر السفير الأمريكي أن السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان العداء الحاد بين الولايات المتحدة والصين سيؤدي ببكين إلى توسيع أهدافها لتشمل الحد من نفوذ واشنطن على حكومات المنطقة.

وأضاف أن بكين لديها سفير في الرياض. كما هو الحال في كثير من الأحيان في العواصم الكبرى هذه الأيام، بينما واشنطن ليس لديها سفير. الصين لا تهدد السعودية، بينما تهدد الولايات المتحدة.

ولم يتم الإعلان عن أي مواعيد، ولكن يُقال على نطاق واسع أن "شي جين بينج" سيزور الرياض قريبًا. وهناك سيلتقي ولي العهد "محمد بن سلمان" بالإضافة إلى قادة عرب آخرين.

وأوضح أن "شي" و"بن سلمان" رجلان قويان، ويشعران بالضيق من شيطنة السياسيين الأمريكيين لهما والتهديدات التي تواجه بلديهما من واشنطن، وهما على وشك مناقشة كيفية تعزيز تعاونهما.

ويمكن لهؤلاء القادة وغيرهم ممن سيلتقون معا في السعودية أن ينتجوا عمليات إعادة ترتيب جيوسياسية ذات تأثير عالمي كبير.

ثمار مرتقبة

وذكر أن الصين والسعودية ناقشتا مؤخرا العديد من القضايا. وقد تؤتي بعض هذه النتائج ثمارها في القمة المقبلة.

وذكر أن هذه القضايا تشمل استخدام العملة الصينية وعملات غير الدولار لتسوية التجارة الدولية في الطاقة والسلع الأخرى، والاستثمار السعودي في المصافي الصينية ومنشآت تخزين النفط.

وأيضا مبيعات الأسلحة الصينية والمساعدة في تطوير صناعة أسلحة محلية في المملكة، ومشاريع البنية التحتية الصينية واستثمارات أخرى في السعودية والمنطقة.

وبجانب عضوية السعودية في دول البريكس ومنظمة شنجهاي للتعاون، وكلاهما منخرط في إنشاء أنظمة نقدية جديدة وعملات تهدف إلى الالتفاف حول إساءة استخدام الولايات المتحدة لسيادة الدولار لفرض عقوبات أحادية الجانب وبالتالي غير قانونية.

ويضاف إلى ذلك التبادلات التربوية التي تبنى على القرار السعودي بجعل دراسة اللغة والثقافة الصينية جزءا من المناهج الدراسية الأساسية في المملكة، والسياحة والحج لمتابعة حقبة ما بعد الجائحة.

وذكر السفير الأمريكي السابق أنه لن يكون من المستغرب أن نرى الصين والسعودية يبرمان اتفاقية تعاون استراتيجي مع أهداف استثمارية مثل تلك التي اتفقت عليها بكين مع طهران في عام 2021.

على خطى أمريكا

ولفت الدبلوماسي الأمريكي إلى أن هناك احتمال واضح أنه مثلما خلفت الولايات المتحدة على مضض بريطانيا باعتبارها القوة المهيمنة في الشرق الأوسط في القرن العشرين، فإن الصين ستنتهي في نهاية المطاف بالتغلب على أمريكا هناك في القرن الحادي والعشرين.

وتعكس مصالح الصين صدى تلك التي دفعت أمريكا إلى الانخراط في الشرق الأوسط، ومن بينها أن بكين لديها مصلحة قوية في تأمين وصول موثوق إلى موارد الطاقة الغنية بشكل فريد في الخليج.

وتعتبر الصين منطقة الشرق الأوسط مركزا تجاريا مهما ومفترق طرق للتجارة والسفر بين آسيا وأوروبا وشرق أفريقيا؛ مما يجعل استقرارها مسألة ذات أهمية استراتيجية كبيرة. وهناك طلب متزايد بسرعة على الخدمات الهندسية للشركات الصينية، وقدرات البناء، ومعدات السيارات والاتصالات السلكية واللاسلكية، والأسلحة، والمنتجات الاستهلاكية.

ويؤسس المواطنون ورجال الأعمال الصينيون وجودًا أكبر من أي وقت مضى في المنطقة. (يوجد الآن مئات الآلاف من الصينيين في دول الخليج العربية وإيران)

 وإلى جانب تلك المصالح الصينية، لا توجد دولة واحدة في الشرق الأوسط ترى أن "شبه الحرب" التي أطلقتها الولايات المتحدة ضد الصين في مصلحتها. فمن وجهة نظرهم، يشكل هذا عقبة أمام التقدم، كما أن القلق أمريكي المزعج من تعاونهم مع الصين لا يقدم بديلا لهذا التعاون.

النهج الأمريكي الحالي ليس وسيلة قابلة للتطبيق للحفاظ على النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. ومن بين أمور أخرى، يظهر القلق غير اللائق الذي يقوض الإيمان بالحكمة الأمريكية والثقة بالنفس.

وشدد الدبلوماسي الأمريكي أن الأمر المحزن هو أن الصين والولايات المتحدة تشتركان في العديد من المصالح المشتركة مع دول المنطقة،و سيكون من السهل وضع قائمة بمقترحات للتعاون من أجل المنفعة المتبادلة.

لكن "شبه الحرب" الأمريكية ضد الصين لن تسمح بمتابعة مبادرات المنفعة المصالح المشتركة.

ولفت إلى أنه حتى الآن اختارت الصين المضي في أعمالها على الرغم من الجهود الأمريكية لوقفها. لكن هذه المقاومة السلبية قد تكون على وشك الانتهاء، فقد خلق فن الحكم الأمريكي غير الكفؤ فرصة للصين لتسريع زوال الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط. هل ستفعل ذلك الآن؟ سنعرف قريبا.

المصدر | شاس فريمان/ريسبونسبل ستيت كرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

العلاقات الصينية الخليجية الهيمنة الصينية على الشرق الأوسط العلاقات الصينية السعودية

‏⁧الصين‬⁩ تمتلك أقوى كمبيوتر في العالم و ⁧السعودية‬⁩ في المرتبة العاشرة