قروض مصر تتوالي.. فلماذا تفشل كل مرة في الاستفادة منها؟

الأحد 4 ديسمبر 2022 09:39 ص

توصلت مصر إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، تحصل بموجبه على قرض جديد قيمته 3 مليارات دولار، وسط تساؤلات عدة عن ماهية تراكم هذه الديون كوصفة لمواجهة التضخم وانهيار سعر صرف الجنيه وإخراج البلاد من أزمتها المالية والاقتصادية.

ويعتبر القرض الجديد خطوة جديدة على طريق الاستدانة الذي اختارته الحكومة في السنوات الأخيرة لرأب صدع الاقتصاد المصري، والإنفاق على مشروعات يختلف الخبراء حول جدواها ومدى أولويتها.

وفق تقرير رسمي صدر عن البنك المركزي المصري في سبتمبر/أيلول الماضي، وصل حجم الدين الخارجي للبلاد نحو 157.8 مليار دولار، وهو ما يعني أنه زاد بنحو 5 أضعاف مقارنة بالفترة قبل 10 أعوام حيث بلغ في نهاية عام 2012 نحو 34.4 مليار دولار.

ووصل إجمالي الدين المحلي حتى يونيو/ حزيران 2020 إلى 4.7 تريليونات جنيه (191.28 مليار دولار).

وخلال مؤتمر صحفي للإعلان عن خطة الدولة لمواجهة الأزمة الاقتصادية، قال رئيس الوزراء المصري "مصطفى مدبولي"، إن حجم الدين العام الحكومي وصل إلى نحو 86% من الناتج المحلي الإجمالي.

وحسب بيانات وزارة المالية المصرية، وصلت قيمة مخصصات فوائد الدين بالموازنة العامة للدولة خلال العام المالي الحالي إلى نحو 690.2 مليار جنيه (39.08 مليار دولار) مقابل 579.6 مليار جنيه (23.59 مليار دولار) خلال العام  المنصرم، بزيادة تصل نسبتها إلى 19%.

وتمثل مخصصات فوائد الديون نحو 33.3% من إجمالي مصروفات مشروع الموازنة، وبذلك تفوق بأكثر من 5 أمثال مخصصات قطاع الصحة التي تقدر بنحو 128.1 مليار جنيه (5.21 مليارات دولار).

واقترضت مصر من المؤسسات الدولية نحو 52 مليار دولار، وفق البيانات الرسمية.

ويعد صندوق النقد الدولي أكبر المانحين الدوليين لمصر بأكثر من 20 مليار دولار، حيث أقرضها 12 مليار دولار بموجب اتفاق تم أواخر عام 2016، وفي أعقاب جائحة "كورونا" منح القاهرة قرضين آخرين أحدهما على صورة مساعدات عاجلة من خلال أداة التمويل السريع بقيمة 2.77 مليار دولار، والثاني عبر برنامج الاستعداد الائتماني بقيمة 5.4 مليارات دولار.

وتمتلك 4 دول خليجية ودائع دولارية قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل لدى البنك المركزي المصري بقيمة 20 مليار دولار، منها ودائع للسعودية بقيمة 10.3 مليارات دولار، فيما تبلغ قيمة ودائع الإمارات المتحدة 5.7 مليارات دولار، كما تُودع الكويت نحو 4 مليارات دولار.

وتستدين مصر بغية التمويل التنموي نحو 25 مليار دولار، بحسب تصريحات وزيرة التعاون الدولي "رانيا المشاط"، وقدمت المؤسسات المالية الأوروبية 7 مليارات يورو في هذا المجال.

وتقدر قيمة السندات الدولية نحو 29 مليار دولار من ديون مصر الخارجية، وتبلغ قيمة السندات على الخزانة نحو 2.5 تريليون جنيه ()، والأذون على الخزانة حوالي 1.7 تريليون جنيه () من الديون المحلية.

في المقابل بلغ احتياطي النقدي الأجنبي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي 33.4 مليار دولار، مقابل نحو 45 مليار دولار في فبراير/ شباط الماضي.

وفق آخر بيانات البنك المركزي المصري، أصبح متوسط نصيب الفرد من الدين الخارجي 1414 دولار.

وبعد هذه القروض والاتفاق الأخير الذي يعد السابع في تاريخ مصر مع صندوق النقد، لم يتم علاج "الأوجاع المزمنة" للاقتصاد المصري.

بل يزيد القرض الجديد من الأوجاع الاقتصادية لمصر، باعتباره مقدم لسد عجز الموازنة وعلاج ميزان المدفوعات، وهذا ما يجعله يصرف على تمويل الواردات وأمور جارية لا علاقة لها بالإنتاج.

يشرح الخبير الاقتصادي "محمد لطفي"، عدم نجاح الاستدانة في مصر بالقول: "المستقبل غير واضح للسداد بشكل صحي في مصر، فإذا كانت الاستدانة تعجيلاً لإيراد مستقبلي، فعلى الإيراد المستقبلي أن يكون أكبر من الثمن الحالي للاستدانة".

ويضيف: "الظاهر أن حصة الفوائد من إجمالي نفقات الدولة المصرية في تضخم كبير منذ 2010 وحتى اليوم، فهي لم تبلغ في عام 2010 أكثر من نحو 21%، ولكنها قفزت عام 2020 إلى 33%، وقفزت في بعض السنوات إلى قرابة 40% كما في عامي 2018-2019، ما يعني أن جزءاً كبيراً من الديون الجديدة تذهب لسداد الديون القديمة وكلفها".

وعلى الرغم من وجود خيار لرفع إيرادات الدولة، عبر الاستثمار بشكل مباشر، واستثمار الديون بشكل أكبر في مشاريع تدر إيراداً على الدولة لاحقاً، وهو توجه مرفوض من قِبل المؤسسات الدولية مثل الصندوق بشكل عام، إلا أن مصر حسب "لطفي" دائما تلجأ إلى الطريقة الأخرى وهي رفع الضرائب وتقليل النفقات، وهو ما حاولته وتحاوله مصر منذ سنوات، دون أن تنجح في وقف نزيف المالية العامة، أو على الأقل توقف اضطرارها لاتخاذ قرارات اقتصادية مؤلمة مثل تخفيض سعر الجنيه.

ويزيد: "الضغط على الفئات الشعبية المصرية يأتي من الجهات جميعها نتيجة لهذه السياسة، بارتفاع التضخم بسبب انخفاض قيمة العملة، وانخفاض الدعم الحكومي نتيجة للتقشف، وربما لاحقاً ارتفاع الضغوط المالية نتيجة لرفع الضرائب".

ويتابع: "نظرياً يمكن أن تتجنب الدولة المصرية حل هذه المشاكل على حساب الفئات الأكثر ضعفاً، ولكن ذلك يعني تحميل الفئات المتنفذة داخل الدولة وقطاعات الأعمال لعبء تمويل الموازنة، وهو حل غير ممكن عملياً بسبب تركز السلطة والثروة في يد هذه الفئات أصلاً، بل ربما استفادتها من الوضع القائم، بدءاً من إمبراطورية الجيش الاقتصادية، وانتهاءً بالبنوك والشركات العملاقة؛ والتي لم تتوقف أرباحها ومراكمتها للثروة رغم كل المصاعب الاقتصادية".

ويتفق معه الخبير المصرفي "أحمد إبراهيم"، وهو يقول: "وفي ظل نظام ديكتاتوري هو الأعنف في تاريخ الدولة المصرية، تكون مصر النموذج المثالي لفشل أي خطة اقتصادية تقوم على القروض والاستدانة".

ويشرح حديثه بالقول: "نتيجة القرض المصري من صندوق النقد في 2016، تم تحرير نظام سعر الصرف (تعويم الجنيه)، وخفض الإنفاق الحكومي، ونزع الدعم عن المواطنين، وزيادة الضرائب، وبالتالي انخفضت قيمة الجنيه المصري بشكل أكثر مما توقعه خبراء صندوق النقد، مما أدى إلى ارتفاع جميع السلع الاستهلاكية الأساسية".

بجانب ذلك، والحديث لـ"إبراهيم"، "فرضت الدولة رسوماً جديدة وضرائب جديدة كضريبة القيمة المضافة، مما زاد نسبة المصريين الفقراء من 27.8% في العام 2015 إلى أكثر 35% على الأقلّ".

ويضيف: "في ظل نظام يقبع بمستنقع فساد، ولا يأبه بدراسات الجدوى ولا يعرف غير القوة، يتضح أن القروض لا تفيد، وإن وجدت فهي تدعم استمرار النظام القائم على إفقار المصريين وإهانتهم بوصفهم دائماً بـ"الفقراء أوي"، في مقابل زيادة الأغنياء من الجيش وأصحاب الأموال".

كما لا يعول الصحفي المتخصص بالشأن الاقتصادي "مصطفى عبدالسلام"، على القرض لمساعدة الاقتصاد المصري، متهما المؤسسة المالية الدولية بتدمير الاقتصادات الوطنية وتعميق سياسة الاعتماد على الغير مما يتسبب في إحداث اضطرابات سياسية واجتماعية داخل الدولة المقترضة.

ويضرب مثالا على ذلك بالقول: "تخفيض سعر الجنيه يعني أن هناك شحا في العملات الأجنبية لدى البنك المركزي، وهذا يدلل على مواجهة مصر مشاكل في تدبير التزاماتها من أقساط وفوائد الدين".

ويزيد: "تتجه الأمور نحو الأصعب، فإن كانت هناك عوامل إيجابية ساعدت مصر سابقا على تحسين ظروفها خلال قرض صندوق النقد السابق، ولكن الظروف الحالية لا تسمح بطرح سندات مصرية في الخارج ولا تشجع الاستثمارات الخارجية".

ويبدو أن الخبير الاقتصادي "جودة عبدالخالق"، أكثر تشاؤما رغم أنه أحد أعضاء مجلس أمناء الحوار الوطني التي ترعاه الرئاسة المصرية، الذي يقول إن قروض صندوق النقد "لن تغير شيئاً من واقع الوضع الاقتصادي السيئ".

ويضيف أنه لا يمكن لبلد يريد أن يزدهر اقتصادياً الاعتماد على قروض هذا الصندوق، "ودليلنا على ذلك أنه وبعد مرور 6 سنوات على قرض الصندوق الأول عام 2016، لم يطرأ أي تحسن يذكر على الاقتصاد المصري، بل تفاقمت أزماته".

ويرى "عبدالخالق" أن الاقتصاد المصري حالياً، في وضع شديد الصعوبة، ويعاني من أمراض عديدة، و"قد ينتقل إلى غرفة العناية المركزة مصاباً بالسكتة الاقتصادية في أي لحظة، ولن يخرج منها حياً"، على حد تعبيره.

ويتابع: "تراجع تصنيف مصر الائتماني يقول إنها لا تملك القدرة على الوفاء بسداد التزاماتها المالية، وإن أداء الاقتصاد المصري والظروف المحيطة به تشير إلى أن غداً أسوأ من اليوم".

ويختتم حديثه بالقول: "كي يكون الاقتصاد المصري صلباً وقادراً على مواجهة الأزمات، لا بد أن يقوم بالاعتماد على قطاعات الإنتاج الحقيقية وبالتحديد الزراعة والصناعة".

المصدر | الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

ديون مصر ديون قروض السيسي صندوق النقد