الأحد 24 أبريل 2016 07:04 ص

في يونيو/حزيران من عام 2014، كان البرميل من مزيج برنت، المؤشر الرئيسي للسوق النفطية العالمية، يباع عند سعر 115 دولارا. اليوم وقبل مرور عامين على هذا التاريخ، فإنه يباع عند سعر 45 دولارا وربما أقل من ذلك. لم يكن من المستغرب أن يسبب مثل هذا الانهيار صدمة هائلة للمملكة العربية السعودية ومشيخات النفط في الخليج، والتي تعتمد على على النفط في نحو 85% من عائداتها. ما تحتاج هذه الدول أن تدركه، أنه على عكس موجات الانخفاض السابقة في الأسعار، فإن هذا الانخفاض لن يكون انتقاليا.

هذا هو الوضع الطبيعي الجديد لسوق النفط كما تعكسه الحقائق الجديدة: تناقص النمو الاقتصادي في الصين وبالتبعية تناقص طلبها على النفط، وزيادة كفاءة استخدام الطاقة في العالم لأسباب ليس أقلها الالتزامات المعلنة في ديسمبر/ كانون الأول في مؤتمر باريس بشأن تغير المناخ؛ أو حتى صعود الصخر والغاز الزيتي الذي صار، جنبا إلى جنب مع مصادر الطاقة المتجددة، أكثر قدرة على المنافسة. ومع عودة إيران وليبيا والعراق إلى سوق النفط، فإن الانخفاض الدائم في الأسعار سوف يكون لا مفر منه.

المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى يجب أن لا تدع هذه الأزمة تذهب سدى. لديهم الآن فرصة مثالية من أجل إجراء إصلاحات اقتصادية شاملة.

وينبغي أن يكون هدفهم هو وضع نموذج جديد للتنمية يقوم بتحريرهم من الاعتماد على النفط والغاز. يمكن للمخزونات المالية من عائدات النفط الماضية أن تمنح دول مجلس التعاون الخليجي الست الإغاثة على المدى القصير. ولكن هذا الإطار ينبغي أن يتم استغلاله من أجل إطلاق الإصلاحات الهيكلية اللازمة لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام واستقرار الاقتصاد الكلي، والاستغلال العادل لاحتياطات النفط والغاز.

هذا يعني ببساطة تنويع الاقتصاد، وهو أمر لا يمكن تحقيقه سوى عن طريق تخفيض حجم الجهاز الحكومي وإزالة العقبات التي تعيق القطاع الخاص. وكذا، عبر الإصلاح الجذري لنظام الكفالة وإزالة العقبات التي تعيق القطاع الخاص. ولكن يتعين على الحكومات أيضا إدخال الأطر القانونية والتنظيمية اللازمة للخصخصة والتكامل بين القطاعين العام والخاص. للأسف فإنه حتى الآن، لا يوجد سوى الكويت ودبي هما من اتخذتا خطوات في هذه الناحية، في حين أن المملكة العربية السعودية هي من تعتزم فقط خصخصة بعض المطارات (جدة والدمام).

الخصخصة والشراكات بين القطاعين في البنية التحتية، والطاقة، والصحة، والتعليم، والنقل، والخدمات اللوجستية يمكنها أن تجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية الضخمة. كما أن التشريعات التي تسمح بالملكية الكاملة للشركات من قبل الأجانب والتي توفر الحماية اللازمة لحقوق الملكية الخاصة من شأنها أن تكون لها فائدة إضافية تتمثل في تشجيع المغتربين على الادخار والاستثمار محليا. مناطق التجارة الحرة في دبي هي دليل على النجاح الذي يأتي مع التحرير وإزالة الحواجز أمام الملكية والإدارة الأجنبية.

ويجب أن يكون الإصلاح المالي في مقدمة الأولويات. يمثل الإنفاق الحكومي المسرف والإعانات نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي (5% من الناتج المحلي الإجمالي) لمجموع دول الخليج. دعم الطاقة، المتأصل في دول مجلس التعاون الخليجي، يقوم بتشويه أنماط الاستهلاك والإنتاج؛ ويعوق محاولات الحكومة للتنويع الاقتصادي ويزيد من فرصة التأثر بأسعار الطاقة الدولية المتقلبة. ومن شأن إلغاء الدعم ليس فقط تحفيز الاستثمار في كفاءة الطاقة والطاقة الشمسية، ولكن أيضا توليد منافع بيئية وصحية كبيرة.

وبالمثل، إذا قامت حكومات المنطقة بإدخال نظام كفؤ وعادل لتسعير الخدمات والمرافق العامة، بما في ذلك، المياه والكهرباء، والنقل، فإن ذلك من شأنه أن يخلق حيزا ماليا يحفز خلق فرص العمل ويحفز مخططات ربط التعليم بالتوظيف. بدلا من أن يتسبب الإنفاق الحكومي في مزاحمة القطاع الخاص، فإن الإنفاق على التنمية من شأنه أن يقوم بتعزيز القطاع الخاص.

الحتمية الأخرى هي تنويع الإيرادات الحكومية. النظام الضريبي السائد في منطقة الخليج لا يصلح لهذا الغرض، حيث إن لديه قدرة محدودة جدا على التأثير في سلوك القطاع الخاص كما أنه يخلق سياسة مالية غير قادرة على مواجهة التقلبات الدولية. من عام 2012 إلى عام 2014، بلغ متوسط ​​الإيرادات الضريبية غير النفطية في دول مجلس التعاون الخليجي فقط نحو 1.6% من الناتج المحلي الإجمالي.

كخطوة أولى، فإن دول مجلس التعاون الخليجي ينبغي عليها أن تتجه نحو أنظمة ضريبية جديدة مع أوائل عام 2018، بما في ذلك فرض ضريبة القيمة المضافة وضرائب الشركات والضرائب العقارية، والضرائب على الوقود والتبغ والكحول. مع تحديد ضريبة القيمة المضافة عند 5% فقط، فإن بإمكانها أن تضيف إيرادات بقيمة 1.5 إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي.

ولكن لماذا لا يتم الذهاب إلى أبعد من ذلك؟ فرض ضريبة كربون بنسبة 0.5 دولار على كل لتر من شأنه أن يوفر أكثر من 50 مليار دولار سنويا للمملكة العربية السعودية ويحد بشكل كبير من عجز الموازنة المتوقع بقيمة 90 مليار دولار هذا العام.

وكخطوة ثالثة، يجب على دول مجلس التعاون الخليجي أن تبدأ في التوجه إلى الديون والصكوك (السندات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية) لتمويل عجز الموازنة فضلا عن مشاريع التنمية والاستثمار في البنية التحتية. لدى دول مجلس التعاون الخليجي مستويات منخفضة من الدين الحكومي ويمكن أن تتم إدارة عجز منخفض في الموازنة دون المساس بالاستدامة المالية. ولكن وتطوير الأسواق المالية من شأنه أن يسمح للقطاع الخاص بالاستفادة من موارد مالية وفيرة من الأموال المتدفقة من خارج منطقة الخليج.

وأخيرا، يتعين على دول مجلس التعاون الخليجي زيادة مرونة سعر الصرف والتوجه نحو الاستقلال النقدي. تقليديا، كانت الحكومات تتبع سياسة التوسع خلال فترات الازدهار الاقتصادي وتشديد الأحزمة خلال فترات الركود. ربط عملات هذه الدول بالدولار الأمريكي قد فاقم من هذا النمط المساير للدورة الاقتصادية. في حين أن الربط يعطي العملات الخليجية مصداقية، فإنه لا يعكس قيمها الحقيقية ويفشل في عكس التغيرات الهيكلية العميقة في العلاقات الاقتصادية والمالية للدول الأعضاء في مجلس التعاون على مدى العقود الثلاثة الماضية، وعلى وجه الخصوص لتحول بعيدا عن الولايات المتحدة وأوروبا ونحو الصين وآسيا .

بدلا من ذلك، يجب على دول مجلس التعاون الخليجي أن تربط عملاتها بسلة تتألف من الدولار واليورو، والين، والرنمينبي. إذا شملت هذه السلة النفط أيضا، فإن العملات الخليجية سوف تنخفض مع انخفاض أسعار النفط وترتفع مع ارتفاعه.

خلاصة القول هي أن التنويع الاقتصادي، الذي طال الحديث عنه بدلا من تنفيذه، هو الآن ضرورة لدول النفط في الخليج. وكما يقول المثل فإن الحاجة أم الاختراع، وهو أمر ينبغي على دول الخليج تقبله بصدر رحب.

المصدر | ناصر سعيدي - بروجيكت سينديكيت