الاثنين 6 أكتوبر 2014 06:10 ص

ستكون المعركة مع تنظيم "داعش" طويلة الأمد، وربما واسعة المدى والنطاق، ولن تنتهي سريعاً مثلما يتخيل ذلك كثيرون، ليس لأنها لن تُحسم بالطائرات الأمريكية والبريطانية والفرنسية، ولا لأن الأمريكيين وحلفاءهم الغربيين مُحجمون عن إرسال قوات برية للحرب ضد التنظيم، كما لا يفتأون يؤكدون، ولكن لأن الولايات المتحدة لا تجد مصلحة في إنهاء "داعش" إن كانت تجد حاجة في معاقبته . وإلى امتداد المعركة في الزمان، يضاف احتمال امتدادها في المكان وخروجها عن نطاقي العراق والشام، وبالتالي ستتزايد بذلك احتمالات الصعوبة في السيطرة على التنظيم.

قلنا إن الحرب لن تنتهي سريعاً بالقضاء على تنظيم "داعش"، لعدم وجود مصلحة أمريكية في ذلك، فالولايات المتحدة لا تخسر كثيراً من وجود تنظيم يُسدي إليها خدمات كثيرة، وينوب عنها في تحقيق أهداف لها لم تعد تملك أن تُرسل جنودها لتحقيقها، وأدوار التنظيم في سوريا واحد من تلك الأهداف والمصالح الأمريكية . وسيمرّ وقت طويل ستجد أمريكا مصلحتها في تسخير مخاطر "داعش" في ابتزاز هذا وذاك، ومقايضة أمن هذا البلد أو ذاك بموقف سياسي ما، أو مصلحة اقتصادية وتجارية ما . . إلخ . أما حربها المحدودة عليه، اليوم، فهي لغرض عقابه على تخطيه الخطوط الحمر، وزحفه باتجاه كردستان العراق - مربط فرس المصالح الأمريكية - ومن أجل ترويضه وإعادة تأهيله سياسياً ليندرج ضمن دائرة الاستراتيجيا الأمريكية في المنطقة، مثلما حصل مع غيره من تنظيمات "الإسلام السياسي".

يخطئ من يراهن، إذن، على حرب تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ضد تنظيم مرتبط بمنظومة المصالح الأمريكية! الأوروبيون وحدهم باتوا يخشون مخاطر هذا التنظيم عليهم . شجعوه في أول الأمر، وسمحوا للمتطوعين من رعاياهم أن يلتحقوا به، في جبهة "الجهاد" في سوريا، حين رغبوا في إسقاط النظام السوري بالسلاح، لكنهم اكتشفوا - متأخرين - ضيق أفقهم السياسي حين بدأ مواطنوهم يُذبحون بأيدي مواطنيهم، وهواجس عودة "الجهاديين" إلى ديارهم الأوروبية تؤرقهم، لكن الأوروبيين لا يستطيعون إنجاز حرب حقيقية على التنظيم من الجو، وهم - قطعاً - لن يُضحوا بجنودهم في حرب برية ليس يُعلم كم ستأخذ من الزمان، وحرب أفغانستان والعراق ما زالت طرية في الأذهان.

ليس من أحد يملك مصلحة في خوض هذه الحرب سوى من تضرروا من "داعش" وأفعالها، أو مَن هم في حُكم من سيتضرر منها غداً، وهؤلاء هم العرب الذين جيء بالتنظيم إلى ديارهم ليفتك بها، وينشر فيها القتل والخراب . ومصلحتهم تزيد معدلاً لأن "داعش" تجنّد أبناءهم للقتال في سوريا والعراق وبعض جرود لبنان، والمقاتلون هؤلاء سيعودون، يوماً، إلى بلدانهم مثلما عاد قبلهم "الأفغان العرب" فيعاملون بلدانهم وشعوبهم مثلما عاملا سوريا والعراق وشعبيهما . ثم إنها تزيد معدلاً لأن العدو، عند "داعش" و"النصرة" وأشباههما، في الداخل لا في الخارج، و"العدو" هذا لم يعد، فقط، يُكنّى ب "الروافض" و"الأقليات"، وإنما أصبح من "أهل السنة والجماعة" أيضاً . وأخيراً تزيد المصلحة معدلاً لأن هذه التنظيمات التي "تجاهد" في دماء العرب: مسلمين وغير مسلمين، وفي "دار الإسلام" لا في "دار الحرب" (حيث "إسرائيل" على مرمى حجر!)، إنما هي تفعل هذه المنكرات جميعاً باسم الإسلام! وتُغَرم صورة الإسلام، وصورة العرب والمسلمين جميعاً، أفدح الغرامات وأبهظها في أركان الأرض كافة.

ما يؤسس مبدأ المصلحة العربية المشتركة والجامعة في كفّ خطر "داعش" وأخواتها، هي الحقيقة التي ليس يجوز لأحد منّا أن يجحدها، أو أن يشيح عنها بالنظر، ومفادها أن أمن البلدان العربية ووحدة كياناتها، اليوم، على كفّ عفريت!
من يجادل في ذلك ويستصغر الخطر، ستفاجئه الأحداث والتطورات بما لم يرغب . وحينها قد تكون فرصة الردّ الجماعي قد ضاعت، أو تعصّت على الإمكان . ما أغنانا عن القول، إذن، إن المطلوب اليوم، وعلى نحو مستعجل، طيّ صفحات الخلافات العربية المندلعة، منذ ابتداء أمر هذه الفوضى "الخلاقة"، والتداعي إلى صوغ استراتيجية شاملة للردّ على هذا الخطر المتنامي الذي تمثله "داعش"، وتنظيمات أخرى نظير (مثل "جبهة النصرة"، و"أنصار بيت المقدس"، و"أنصار الشريعة"، و"جُند الخليفة"، وسائر فروع القاعدة في اليمن والجزيرة العربية والمغرب العربي)، وتوفير أسباب تنفيذ هذه الاستراتيجيا في جبهاتها كافة: العسكرية، والأمنية، والإعلامية، والفكرية.

من النافل القول إن أولى المهمات المطلوبة، من أي حلف عربي في مواجهة الإرهاب، خاصة في لحظته الراهنة التي يؤسس فيها لنفسه كياناً سياسياً جغرافياً قائم الذات، هي إضعافه من طريق ضربات عسكرية وأمنية مركّزة تقوم بها أجهزة عسكرية وأمنية واستخبارية عربية موحّدة، لهذا الغرض، وتكون تحت إمرة قيادة مشتركة موحّدة، ذلك أن وقف النزيف مقدم على معالجة المرض .ولكن الأمر هنا، مثلما قلنا، يتعلق بإضعاف لا بمحو للخطر، حيث ما من حل أمني لظاهرة من هذا الضرب تجتمع في تكوينها عوامل عديدة، والأمراض لا تُعالج بمعالجة أعراضها . لذلك لا مناص من النظر، بعين الرؤية الاستراتيجية، إلى ما يتجاوز نطاق المقاربة العسكرية - الأمنية للمشكلة من مهمات أخرى، في المواجهة، لا تقل عنها أهمية.

المصدر | الخليج