الاثنين 5 سبتمبر 2016 03:09 ص

منذ البداية كنا من المشككين والمتسائلين عن جدوى الاتفاق النووي بين القوى الكبرى وإيران الذي تم التوصل إليه في يوليو 2015، وصُور على أنه انتصار مظفر جنّب المنطقة - كما يفاخر الرئيس الأميركي باراك أوباما - حرباً مدمرة، والأهم أضاف أهم إنجاز لرصد الرئيس الأميركي باراك أوباما - الذي تخلو جعبته من أي إنجاز كبير باستثناء اغتيال بن لادن.

نقطة الضعف الرئيسة في الاتفاق النووي بين القوى الخمسة الكبرى وألمانيا- وإيران أنه لا يُنهي برنامج إيران النووي، بل يجمده بين عشرة وخمسة عشر عاماً. ويمكن لإيران التي أصبحت اليوم «دولة على عتبة النووي»، استئناف برنامجها النووي وعسكرته.

أثار الاتفاق النووي الكثير من الانتقادات والتساؤلات حول جدية تعديل مواقف وسلوك وعلاقات إيران مع جيرانها ومحيطها- وخاصة بعد رفع العقوبات- وهذه كانت مقاربة الرئيس أوباما في طمأنة الحلفاء الخليجيين في قمة كامب ديفيد وقمة الرياض. لكن خيبت تصرفات ومواقف إيران آمال وتوقعات الرئيس أوباما وأثبتت صحة تشكيكنا بالاتفاق النووي. بالتصرف بثقة وزيادة أنشطة تدخلاتها في شؤون الدول العربية. وكان ذلك قبل كشف معهد العلوم والأمن الدولي عن تجاوزات وفجوات خطيرة بالاتفاق النووي.

وقد رُفعت العقوبات عن إيران في يناير 2016 بما فيها تسليم إيران 400 مليون دولار نقداً بطائرة خاصة مقابل إطلاق سراح 4 مواطنين أميركيين من أصول إيرانية كانوا محتجزين في إيران، وفسر البعض ذلك كفدية!

اللافت أنه في الوقت الذي تؤكد الولايات المتحدة والدول الخمسة الأخرى عدم وجود أي بنود سرية في الاتفاق النووي- ونفى ذلك مجدداً الناطق باسم الخارجية الأميركية تعليقاً على التقرير- فإن ذلك لا يجيب عما كشفه تقرير «معهد العلوم والأمن الدولي‏» عن محاباة واستثناءات تفسر المحاباة والسكوت الأميركي الرسمي عن تجاوزات إيران في البرنامج الصاروخي وتهديد الأمن الخليجي، حيث حمل الجنرال جوزيف فيتيل، قائد القيادة العسكرية الوسطى الأميركية، إيران 90%من الأنشطة غير الآمنة في منطقة الخليج العربي!

وكما يكرر وزير الخارجية السعودي ونحن معه، فإن إيران تستمر بالتصعيد والتدخل، ولا تزال لم تحسم أمرها بين تصرفات الثورة ونظام الدولة!

ذهب تقرير «معهد العلوم والأمن الدولي» الذي تم استقاء معلوماته من مسؤولين شاركوا بمفاوضات الاتفاق النووي بوجود اجتماعات سرية للجنة القوى الكبرى مع إيران، سمحوا ببنود سرية في الاتفاق النووي، يقدم استثناءات تسمح بتجاوزات بنود الاتفاق النووي. أبرزها السماح لإيران بالإبقاء على كميات أكبر من اليورانيوم المنخفض التخصيب مما هو مسوح به حسب الاتفاق النووي الذي اشترط الإبقاء على 300 كلغ من اليورانيوم منخفض التخصيب بنسبة 3.5%، بينما تسمح الثغرات في البنود السرية بإبقاء إيران كمية غير محددة تتجاوز الكمية المسموح بها.

والخطورة أنه يمكن أن يتم رفع نسبة التخصيب لنسبة أكبر مستقبلًا. كما كشف التقرير عن سماح اللجنة المشتركة باستثناء إيران من كمية غير محددة من اليورانيوم المخصب بنسبة مرتفعة تصل إلى 20% في مختبر لا يمكن استخراجه منه. بينما يشترط الاتفاق النووي على إيران تحويل جميع كميات اليورانيوم المخصب لسائل في مختبر أبحاث. وذلك يسمح لإيران بعسكرة برنامجها لامتلاك السلاح النووي.

ويكشف التقرير عن السماح لإيران بإبقاء 130 طناً من الماء الثقيل المنتج في «مفاعل أراك» للماء الثقيل، وبيع الكمية الإضافية في السوق. وأكد مدير المعهد «ديفيد ألبرايت» أن تلك التجاوزات تصب في مصلحة إيران، ويمكن أن تُستغل بعد انقضاء المدد التي حددتها بنود الاتفاق النووي بين 10-15 عاماً ليتحول برنامج إيران من برنامج مجمد حالياً-لبرنامج نووي عسكري.

لا شك أن نشر هذا التقرير الذي أصدره «معهد العلوم والأمن الدولي» عن وجود ثغرات معيبة وبنود سرية تُحابي إيران يكشف كيف ولماذا يبقى موقف إدارة الرئيس أوباما وحلفائه الغربيين مائعاً، ويتعامل بقفازات حريرية مع تجاوزات إيران في التجارب الصاروخية وسجلها في حقوق الإنسان ورعاية الإرهاب وتدخلاتها في الشؤون الداخلية لحلفاء الولايات المتحدة الأميركية، رغم عدم الإشارة إلى تلك القضايا في الاتفاق النووي.

وسط صمت أميركي ودولي، ما يشجع إيران على تفسير أن الاتفاق النووي يمنحها حصانة لتتمادى بتسلطها وتدخلها وتصرفها بالمزيد من الثقة دون أن تخشى أي عواقب، مستقوية بالاتفاق النووي، ما يُغضب حلفاء واشنطن ويريح إيران ومحورها.

بالتأكيد سيعطي هذا التقرير المزيد من السلاح والمبررات لمنتقدي الاتفاق النووي ليستخدموا تلك المبررات لشن المزيد من الهجوم والانتقاد ضد إدارة أوباما، وسيقنع منتقدي الاتفاق النووي بأن الاتفاق كما وصفوه منذ البداية بأنه اتفاق سيئ ويخدم مصالح إيران.

واستغلت لجنة الحزب «الجمهوري» في مجلس النواب التقرير لتشن هجوماً قوياً على إدارة الرئيس أوباما والمرشحين «الديمقراطيين» ومرشحتهم هيلاري كلينتون التي لا شك ستشهد هجوماً من منافسها «الجمهوري» دونالد ترامب الذي بالتأكيد سيستغله في حملته الانتخابية.

لكن يبقى السؤال هل ستتغير مقاربة واشنطن للسياسة الخارجية، وخاصة قضايا الخليج العربي وقضايا منطقتنا وإيران، بمجيء إدارة أميركية جديدة عام 2017؟! هذا ما سنتطرق له في سلسلة مقالات مستقبلاً في تحليل للانتخابات الرئاسية الأميركية ومقاربة الإدارة الأميركية القادمة لقضايا الخليج العربي والشرق الأوسط.

* د. عبد الله خليفة الشايجي رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة الكويت.

المصدر | الاتحاد الظبيانية