الاثنين 24 نوفمبر 2014 03:11 ص

إنها ليست مسألة تحقيق انفراجة في محادثات «فيينا» النمساوية أو تخبط إلى أجل غير مسمى في حال الفشل. وإذا حدث ذلك فإن إيران ستكون أخطر بكثير، ولن تقف «إسرائيل» مكتوفة الأيدي بل ستكون أخطر أيضًا.

لم يتبقَ سوى ساعات على انتهاء المفاوضات مع إيران بشأن برنامجها النووي وآلية التعامل معه، ويتساءل الجميع: «صفقة أو لا صفقة"؟ لكن السؤال الحقيقي هو: «حرب أم سلام»؟

وصرح «روزبه بارسي» - متخصص في الشئون الإيرانية والعراقية بجامعة لوند في السويد، والذي زار فيينا الأسبوع الماضي، وتحدث إلى المسئولين من كلا الجانبين - «ينسى الناس ما كنا فيه قبل عامين»، يتربص بالعالم خطر حقيقي جدًا يتمثل في أن إسرائيل قد تشنّ ضربة عسكرية ضد إيران من شأنها - لا محالة – أن تُورط الولايات المتحدة في حرب أخرى واسعة النطاق في منطقة الشرق الأوسط.

رفع رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» صورة لقنبلة كرتونية في خطاب سبتمبر/أيلول 2012م أمام الجمعية العامة لـ«لأمم المتحدة» ورسم خطًا أحمر تحت الصمامات مُبيّنًا كيف أن إيران اقتربت من استكمال تكديس اليورانيوم عالي التخصيب اللازم لصنع سلاح نووي. تلك «الشخبطة» التي شاهدها العالم وتناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي بنوع من السخرية خاصة في العالم العربي لم تكن تحمل المعنى الدقيق للتهديد من نتنياهو الذي يصف البرنامج الإيراني بمثابة تهديد وجود لبلاده.

الولايات المتحدة بدءًا من حكم إدارة «جورج دبليو بوش» عبرت عن ارتيابها إزاء نوايا إيران لتصنيع قنبلة نووية، وأقنعت «إسرائيل» بالابتعاد عن استهداف البرنامج النووي الإيراني فيما يمكن أن يُسمى بحرب سرية. أهم عناصرها تمثل في فيروس الكمبيوتر «ستكسنت» المتطور للغاية الذي أصاب أنظمة التشغيل، وشلّ بعض الآلات المستخدمة في تخصيب اليورانيوم. (الولايات المتحدة - حتى الآن - لم يثبت تورطها بشكل مباشر في عدد من جرائم قتل وشروع في قتل لعلماء نوويين إيرانيين على مدى السنوات الماضية، ويعتقد بشكل كبير أن إسرائيل هي صاحبة اليد في ذلك).

وأعلن الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» بشكل قاطع أن إيران لن يُسمح لها بالحصول على أسلحة نووية، واقتنع القادة الإسرائيليون بذلك، كما قال وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك «إيهود باراك» في يناير/كانون الثاني 2013م: «وزارة الدفاع الأمريكية جهزت (مشارط) دقيقة للغاية ومدروسة بعناية فائقة لمهاجمة إيران متى لزم. هي ليست قضية حرب عظمى أو فشل في كبح إيران. يمكنك في ظل ظروف معينة تَحوّل فيها السيئ إلى أسوأ أن تُنهي الأمر بعملية جراحية».

لكن فرض عقوبات جديدة صارمة من قِبل «الأمم المتحدة» الجديدة على إيران، وانتخاب الرئيس الإيراني المعتدل نسبيًا «حسن روحاني» في صيف عام 2013م فتح الطريق أمام حوار جديد وصل لقمته في «خطة العمل المشتركة»؛ ذلك الاتفاق المؤقت الذي تم توقيعه قبل عام واحد مُجمّدًا البرنامج النووي الإيراني.

والأهم من ذلك - كجزء من خطة مؤقتة – هو أن إيران خففت أو حولت مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، بالإضافة إلى موافقتها إجراء عمليات تفتيش واسعة من قبل «الأمم المتحدة» وإن لم تكن بالشكل المُرضي. لذلك فقد تلاشي - في الوقت الحالي على الأقل - خط «نتنياهو الأحمر» على القنبلة الكارتونية. إن إيران أبعد ما تكون عن بناء القدرات التسليحية مما كانت عليه قبل سنة واحدة ما لم تكن تعمل سرًا واستطاعت أن تخفي أنشطتها عن الأنظار. ولكن الشكوك بشأن ما اعتاد وزير الدفاع السابق «دونالد رامسفيلد» قوله «ثمّت أشياء لا نعرف أنّنا لا نعرفها» هي أسباب سيئة للغاية لشن الحرب - كما تعلم الأمريكيون مع غزو العراق.

ومن جانبها؛ تنكر إيران مرارًا وتكرارًا تطويرها أسلحة نووية وتؤكد أنها لا تريد ذلك، وتشير دومًا أنها من الدول الموقعة على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. بالفعل؛ هي وقعت، لكنها ضُبطت متلبسة بــ«خرق مادي» لهذا الاتفاق في الماضي، ولكن «إسرائيل» ليست من الدول الموقعة على الإطلاق، ما يعني أن إيران تسمح على الأقل ببعض عمليات التفتيش الدولية، في حين أن «إسرائيل» ترفض التفتيش، فضلاً عن الأخيرة لا تعترف رسميًا أنها دولة تمتلك أسلحة نووية.

أي اتفاق ناجح بين إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في «مجلس الأمن» إضافة إلى ألمانيا (مجموعة الخمس زائد واحد) سيغلق الباب على المكاسب التي تحققت بالفعل بالاتفاق المؤقت، وحتمًا سيكون هناك زيادة إلى حد كبير بجانب تخفيف العقوبات التي تعطل الكثير من الاقتصاد الإيراني. ولكن إذا فشلت محادثات «فيينا» الحالية، فإن كل الرهانات فشلت. نعم هناك إمكانية التمديد. لكن خيار استبدال انفراجة دبلوماسية جديدة بتخبط دبلوماسي لا يُعرف له نهاية هو أمر ليس مطروحًا على طاولة التفاوض.

هذا هو السبب الذي يجعلنا نرى في الوقت الراهن أن الروس لا يلعبون دورًا هامًا في هذه المحادثات. لا أحد في «فيينا» يريد لهم الفشل، ويعتبر عرض موسكو لبيع مفاعلات نووية جديدة للإيرانيين مع وقود هو أمر قيد المراقبة الشديدة من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، وتمت إعادة التصنيع خارج إيران، وهو أمرٌ ينظر إليه مسئولون أمريكيون كمادة للتحلية في هذه المفاوضات. وأجرى وزير الخارجية الأمريكي «جون كيري» اتصالات هاتفية مع «نتنياهو»، ومن المقرر أن يلتقي بعد ظهر اليوم الأحد مع وزير الخارجية السعودي «سعود الفيصل»، الذي يشارك نفس مخاوف «إسرائيل» بشأن إيران النووية.

وبناءً عليه؛ لماذا لا يمكننا سماع أغنية «كومبايا» من فندق «قصر كوبورغ» حيث تجري المحادثات؟ إنها ليست مجرد مسألة تفاصيل شيطانية، إنها في الأساس مشكلة السياسة في طهران وواشنطن، والتي لا تمتلك إدارة أوباما ولا إدارة روحاني صلاحيات كافية في هذه المرحلة لضمان التوصل إلى صفقة قوية من تلقاء نفسها.

وسيطر السياسيون الأمريكيون الذين يريدون أن يُشار إليهم وكأنهم يدافعون ويبذلون قصارى جهدهم للدفاع عن مصالح إسرائيل أكثر من الحكومة الإسرائيلية نفسها على «الكونجرس» لسنوات، والآن على وشك أن يعود «مجلس الشيوخ» للجمهوريين، ومن المرجح أن يتكرر الأمر بشكلٍ أكثر وضوحًا. الأهم من ذلك؛ أن المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله «علي خامنئي» وأعضاء برلمانيون بارزون يعربون عن شكوكهم العميقة بشأن الصفقة التي ستُطالب إيران بالتخلي عن الكثير من التكنولوجيا النووية، وهو الأمر الذي يعني العودة للوراء مقابل ما سيترتب عليه من رفع العقوبات تدريجيًا، والتي قد تعود في أي وقت بين عشية وضُحاها ولأي سبب.

لكن في حقيقة الأمر؛ الوضع أسوأ من ذلك؛ حيث إن العديد من المطالبين بعقوبات جديدة وأكثر صرامة ضد إيران، وربما تفكيك شامل للبرنامج النووي الإيراني يأملون في حقيقة الأمر أن مثل هذه الإجراءات وتلك المطالب ستؤدي إلى انهيار النظام الحالي في إيران. وفي المقابل؛ يعتقد الكثير من أعضاء هذا النظام أن هذا هو بالضبط نية الولايات المتحدة و«إسرائيل»، بغض النظر عما يحدث في «فيينا».

إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فإن الحكومة الإيرانية بالتأكيد سوف تبحث عن وسيلة أخرى تضمن بقائها على قيد الحياة، وقد تكون تلك الوسيلة الأسلحة النووية. أما «إسرائيل» فسوف تبحث هي الأخرى عن وسيلة لوقف طهران؛ وهذه الوسيلة قد تكون هي الحرب.

المصدر | كريستوفر ديكي - ديلي بيست