الاثنين 8 يونيو 2015 02:06 ص

في الأسبوع الماضي تعرضنا لمأزق الكيانات الوطنية في منطقة الشام - العراق التي خضعت لهندسة سياسية خاصة منذ تشكل الدولة الوطنية، وبقي الحديث عن منطقة الخليج والجزيرة العربية التي تشهد اليوم تحديات استراتيجية كثيفة متولدة عن الأزمة اليمنية الحادة. وعلى الرغم من اختلاف أوضاع اليمن سياسياً واقتصادياً عن البلدان الخليجية، إلا أنها تشكل جزءاً أساسياً من هذه المنظومة من حيث التركيبة الديموغرافية والخريطة القبلية والدينية، فضلاً عن تداخلها الجغرافي مع المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان. لا تختلف التركيبة السياسية للدولة اليمنية الوسيطة عن النموذج السياسي الخليجي في المرحلة نفسها، سواء تعلق الأمر بالسلطنات والمشيخات الجنوبية أو بدولة الإمامة الزيدية في الشمال التي قامت إلى جانب الإمامة السعودية والإمامة العُمانية، والإمامات الثلاث هي حصيلة ائتلاف دعوة دينية وقاعدة قبلية نجم عنها كيان سياسي قوي ومتسع الانتشار والنفوذ.

في بقية بلدان المنطقة التي خضعت للاستعمار البريطاني، تشكلت إمارات، اندمجت سبع منها بعد استقلالها في دولة اتحادية هي دولة الإمارات العربية المتحدة التي شكلت حالة سياسية فريدة في المنظومة العربية، كان من المؤمل أن تكون نموذجاً للاحتذاء في بقية الإقليم.

من نافل القول هنا التذكير بأن نموذج الدولة الوطنية التي قامت في المجال الخليجي اتسمت بسمتين رئيسيتين هما: الشرعية التقليدية في نظام الحكم والاقتصاد الريعي القائم على المداخل النفطية، بيد أن جملة تحولات نوعية استجدت في العقدين الأخيرين أهمها: الاتجاه إلى مأسسة الحكامة السياسية من خلال بنيات دستورية وقانونية لتنظيم هياكل الدولة التي تحولت بفعل الطفرة التنموية الهائلة من نموذج المشيخة القبلية إلى نموذج الدولة الوطنية الإدماجية المرتكزة على قاعدة بيروقراطية وإدارية حديثة، وبروز نسيج مجتمعي من نوع مزدوج الهوية بين دائرة المواطنة ودائرة الهجرات الوافدة.

وإذا كانت البلدان الخليجية حققت مكاسب نوعية لا شك فيها على صعيدي الاستقرار السياسي والتوسع التنموي، وغدت اليوم محور النظام الإقليمي العربي بعد موجة الانتفاضات، والأزمات العاصفة التي عرفتها المنطقة، إلا أن التحدي الأكبر الذي تواجهه يتعلق بمدى قدرتها على تحصين نفسها من صدمات الانهيار المريع الذي تشهده الدائرة المحيطة بها، خصوصاً في الساحتين العراقية واليمنية، حيث ثغور أمنها الحيوي.

الأحداث التاريخية القريبة تؤكد أن الصراعات التي خاضتها المجموعة الخليجية تمت على الجبهتين اليمنية والعراقية منذ سقوط الإمامة في صنعاء بداية الستينيات وما تلاها من مواجهة مصرية سعودية، إلى الحرب العراقية الإيرانية وحرب تحرير الكويت، انتهاء بالحرب المندلعة راهناً في اليمن.

ولا شك أن أخطر هذه الصدمات هي الحروب الطائفية التي أريد تصديرها للمنطقة الخليجية، بدءاً بالبحرين قبل ثلاث سنوات وانتهاء بالتفجيرات الإرهابية التي استهدفت مساجد في القطيف والدمام بالسعودية. ومن المعروف أن قلب هذه الحروب هو العراق بفتنته الأهلية المتفاقمة، واليمن الذي كاد أن يقع تحت سيطرة المليشيات «الحوثية» بنزعتها الطائفية المدعومة إيرانياً.

لا يمكن تصور الأمن الإقليمي الخليجي خارج استحقاقات التعامل مع الملفين العراقي واليمني في أبعادهما الداخلية وتأثيراتهما الإقليمية. وإذا كان مجلس التعاون الخليجي قد تشكل عام 1981 من أجل توطيد أمن المنطقة واستقرارها في ظرفية اتسمت بمناخ الحرب الباردة (التهديد الشيوعي الناتج عن الحضور السوفييتي في جنوب اليمن) وبأطماع وتهديدات إيران الخمينية (خصوصاً بعد اندلاع الحرب مع العراق)، فإن المنظومة الخليجية تواجه على الجبهتين ذاتهما مخاطر من نوع جديد تتعلق بطبيعة الهندسة السياسية للمنطقة التي هي في طور التغير بتأثير الموازين الناتجة عن الصراع الأهلي والإقليمي الطاحن.

وهكذا يتعين على البلدان الخليجية أن تكون فاعلة في مسار التسويات الضرورية المرتقبة في الساحتين العراقية واليمنية بتشجيع خط المصالحة الوطنية بين مكونات الصراع والخروج من الاصطفاف الطائفي المدمر، مع ما يترتب على هذا المسار من احتضان لهذين البلدين المهمين في مقاربة البناء الخليجي.

من الحقائق الجغرافية البديهية أن الأمن الخليجي ينطلق من ميناء الحديدة على البحر الأحمر، وينتهي بشط العرب في جنوب العراق على الحدود مع إيران، ولذا فإن مطلب الاستقرار السياسي الداخلي في المنظومة الخليجية يقتضي إطفاء الحرائق المندلعة على طول هذا المحور الملتهب.