الخميس 16 يناير 2020 03:08 م

أعلن قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا، الثلاثاء، تفعيل "آلية فض النزاع" المدرجة ضمن الاتفاق النووي مع إيران، على خلفية فشل طهران في احترام التزاماتها بموجب الاتفاق الذي تم توقيعه في 2015.

ويعتبر بعض المراقبين أن الإعلان الأوروبي الثلاثي بتفعيل "آلية فض النزاع" بمثابة مقامرة من لندن وباريس وبرلين؛ لإنقاذ الاتفاق النووي عبر التهديد بقتله، بينما اعتبره آخرون، الخطوة الرسمية الأولي لإنهاء الاتفاق النووي.

و"آلية فض النزاع"، هي أحد الإجراءات التي يمكن لأحد أطراف الاتفاق النووي اللجوء إليها لمعالجة مشكلة تخلّف الطرف الآخر عن التزاماته، وفي حال تعذر ذلك، فإن الأمر قد يصل إلى إعادة الملف لمجلس الأمن الدولي، وإمكانية فرض عقوبات مجددًا.

وفي مايو/أيار 2018، انسحبت واشنطن من الاتفاق النووي الموقع عام 2015، بين إيران ومجموعة (5+1)، التي تضم روسيا وبريطانيا والصين والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، وفرضت على طهران عقوبات اقتصادية.

وينص الاتفاق على التزام طهران بالتخلي، لمدة لا تقل عن 10 سنوات، عن أجزاء حيوية من برنامجها النووي، وتقييده بشكل كبير، بهدف منعها من امتلاك القدرة على تطوير أسلحة نووية، مقابل رفع عقوبات مفروضة عليها.

  • مقامرة محفوفة بالمخاطر

وبالنظر إلى توقيته الغريب، الذي يأتي وسط تضاعف التوتر الإيراني الأمريكي، يري مسؤولون ومحللون أن الإعلان الثلاثي من قبل لندن وباريس وبرلين بمثابة مقامرة محفوفة بالمخاطر، وقد يأتي بنتائج عكسية، بينما يري الأوروبيون أنه لا أحد غيرهم يحاول إنقاذ الاتفاق النووي الذي أصبح في طريقه إلى الموت، على خلفية التصعيد بين واشنطن وطهران.

وفى تعليقها على خطوة تفعيل "آلية فض النزاع"، قالت المستشارة السابقة لمنسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي؛ "ناتالي توتشي": "إذا كانت هناك استراتيجية أوروبية فهي محاولة كسب الوقت". ساعدت "توتشي" في التفاوض على الاتفاق النووي مع إيران عام 2015.

وذكرت "توتشي"، في تصريحات لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، أن السيناريو المتفائل، هو أن الأوروبيين فعلوا ذلك لتجنب غضب "ترامب"، آملين في تمديد كسب بعض الوقت حتى الانتخابات الأمريكية في نوفمبر/ تشرين الثاني.

وأضافت "توتشي" أن الأوربيين يراهنون على أن إيران لن تستخدم الحرية التي منحتها لنفسها - عبر التخلي عن الالتزام ببنود الاتفاق- في تخصيب اليورانيوم إلى مستويات يمكن من خلالها إنتاج قنابل نووية في الوقت الراهن.

كما يأمل الأوروبيون في حث الولايات المتحدة وإيران على الدخول بطريقة أو بأخرى في مفاوضات حول صفقة محسنة، تحظى برضا "ترامب"، لكن وفق "توتشي" فإن هذه استراتيجية عالية الخطورة على نحو كبير، ومن الصعب أن تترك إيران الأمور معلقة حتى نوفمبر/ تشرين الثاني.

وعلى نفس المنوال، اعتبرت "ويندي شرمان"، وهي مفاوض أمريكي رئيسي في اتفاق 2015، أن تفعيل آلية فض النزاع يعد خطوة محفوفة بالمخاطر بشكل لا يصدق، وأنها ستزيد من احتمالية انهيار الاتفاق النووي.

  • صعوبات إضافية

من جانبه رأي مدير السياسة الخارجية في مركز الإصلاح الأوروبي، "إيان بوند"، أنه من الصعب أن نري مرؤوسي "ترامب" في البيت الأبيض، الذي عارضوا الاتفاق النووي، ودعموا حملته لفرض أقصى ضغوط ممكنه على إيران، وهم يمنحون التنازلات اللازمة للبدء في محادثات جديدة.

ووفق لـ "بوند"، يعتقد فريق "ترامب" أن استراتيجيتهم ناجحة، ويشيرون إلى أن الحكومة والاقتصاد الإيراني ضعيفان، ويقولون إن عملية قتل "قاسم سليماني" في بغداد قبل حوالي أسبوعين، كانت خطوة حاسمة على طريق ردع أنشطة إيران في المنطقة، متجاهلين ما أثارته من محاولات جادة لطرد الأمريكيين من العراق وسوريا.

يظهر ذلك في التصريحات التي أطلقها وزير الخزانة الأمريكي؛ "ستيفن منوتشين"، الأربعاء، تعقيبا على التفعيل الأوروبي لآلية حل الأزمات.

وقال الوزير الأمريكي، في تصريحات لقناة "سي إن بي سي"، إنه مع تفعيل الآلية فإن الولايات المتحدة تعتقد أنه سيتم إعادة فرض العقوبات الدولية على إيران سريعاً.

وأضاف: "أجريت مناقشات مباشرة جدا، كما فعل وزير الخارجية (الأمريكي مايك) بومبيو أيضا، مع نظرائنا.. أعتقد أنكم رأيتم الدول الأوروبية الثلاث وقد أصدرت البيان وفعلت (آلية) حل النزاعات، ونتطلع إلى العمل معها بسرعة، وأتوقع إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة سريعا".

  • رد الفعل الإيراني

ويصر الأوروبيون أن تفعيل آلية فض النزاع، هي محاولة أخيرة لتجنب نتيجة المسار الذي تسير فيه إيران نحو الحصول على قنبلة نووية، واتجاه واشنطن وطهران نحو التصعيد العسكري المحتمل.

بينما في المقابل، أثار الإعلان الثلاثي الأوروبي بالفعل غضب إيران، التي اعتبرت أن تخليها عن الالتزام ببنود الاتفاق النووي كان رد فعل مبرر على الانسحاب الأمريكي والتصعيد التالي له، متهمين الأوروبيين بالميل باتجاه الرئيس "دونالد ترامب" وحملته لممارسة أقصى ضغوط على طهران.

بدوره، اتهم متحدث الخارجية الإيرانية؛ "عباس موسوي"، بريطانيا وألمانيا وفرنسا بعدم الوفاء بالتزاماتها في الاتفاق النووي، مضيفا أن "إيران سترد بجدية وحزم على أي إجراء غير بناء من قبل الدول الثلاث".

وفي وقت سابق الأربعاء، رفض الرئيس الإيراني؛ "حسن روحاني"، أي مقترحات لصياغة اتفاق نووي جديد.

وحذّر "روحاني"، الجيوش الأوروبية من خطر قد يلحق بها، على خلفية تفعيل الآلية.

  • عدم اليقين

وترى خبيرة الشؤون الإيرانية في المركز الأوروبي للعلاقات الخارجية؛ "إيلي جيرانماية"، إن كل من إيران والولايات المتحدة لا يمكن التنبؤ بتصرفاتهم، مرجحة أن ينتهي الأمر سريعا إلى مجلس الأمن إذا لم تتدخل الدبلوماسية.

ووفق محللين، فإن الاضطرابات السياسية في إيران بعد مقتل "قاسم سليماني"، وإسقاط الطائرة الأوكرانية بالخطأ، تخلق حالة من عدم اليقين، حيث تقوم الحكومة الإيرانية باتخاذ إجراءات صارمة ضد الاحتجاجات، ومع الانتخابات البرلمانية التي ستعقد في الشهر المقبل، من المتوقع أن يزاد الخطاب المتشدد.

وفي حين تصر إيران أن أنشطتها النووية للأغراض السلمية، فإن قراراها التخلي عن بنود الاتفاق النووي أثار مخاوف من أنها قد تجمع ما يكفي من اليورانيوم المخصب لصنع قنبلة نووية في غضون أشهر.

وقال "بوند": "أعتقد أن مقتل سليماني سيدفع الإيرانيين لتسريع برنامجهم النووي. لقد رأوا ما فعله كيم يونج أون زعيم كوريا الشمالية، والدرس المستفاد بالنسبة له هو أنه إذا كان لديك أسلحة نووية، فسوف تحصل على رسائل حب من الرئيس، وإذا لم تفعل فإن جنرالاتك يمكن أن يقتلوا".

  • البحث عن حل

وقالت "جيرانماية" إن رد فعل إيران الأول عل مقتل "سليماني" كان هادئا نسبيا، لكن بالنظر إلى الجمود وعدم قدرة أوروبا على تحقيق المصالح الاقتصادية التي وعدت بها، يمكن أن ينتهي الأمر بعواقب وخيمة قد تصل إلى التصعيد النووي.

فعلى سبيل المثال، يمكن لإيران تقييد وصول المتفشين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو طردهم، ويمكن حتى أن تذهب إلى أبعد من ذلك. ولا يمكن فصل ذلك كله عن المواجهة الأمريكية الإيرانية، وفقا لـ "جيرانماية".

من أجل ذلك يري محللون أنه من المتوقع أن تستمر الدول الأوروبية الثلاث في التركيز علي إيجاد فرصة لتحقيق انفراجة دبلوماسية، على غرار الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون"، أواخر الصيف الماضي، إلي ايران.

وتقول إيران أنها ستحتاج إلى تخفيف العقوبات كشرط مسبق للدخول في أي محادثات، بينما تقوم إدارة "ترامب" بزيادة العقوبات على إيران.

وفى هذا الصدد تكهن بعض المسؤولين الأوربيين بإمكانية أن يلعب الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" دورا مهما في الوساطة لحل الأزمة.

وقال محلل الشؤون الدفاعية الفرنسي؛ "فرانسوا هيسبورج"، إنه بالإمكان تخيل مفاوضات تدريجية أولا لتحديد العقوبات التي يمكن لواشنطن رفعها كبادرة حسن نية من جانبها، ثم عقد اجتماع رفيع المستوي على غرار ما حدث بين "ترامب" و"كيم" زعيم كوريا الشمالية.

وفيما عبر "هيسبورج" عن شكوكه من نجاعة هذا الحل، لكنه أثنى على الدول الأوروبية الثلاث لمحاولتها على الأقل تخفيف حدة التوتر، في إطار مساعيها لمنع إيران من السير في طريق كوريا الشمالية، والمخاطرة بحرب حقيقة مع الولايات المتحدة و(إسرائيل).

واعترف "هيسبورج" بأن فرصة الأوربيين لتحسين الأمور منخفضة للغاية، لكنه استطرد قائلا: "ليس هناك من يحاول حل الأزمة غيرهم".

المصدر | الخليج الجديد + متابعات