السبت 28 نوفمبر 2020 11:03 م

في حين أنه لا يوجد دليل حتى الآن على الجهة التي خططت لاغتيال العالم النووي الإيراني "محسن فخري زادة"، تتوجه أصابع الاتهام إلى إسرائيل التي اغتالت العديد من العلماء النوويين الإيرانيين في الماضي، لكنها لم تكن قد تمكنت حتى وقت قريب من الوصول إلى "فخري زاده" الذي كان يحظى بحماية شديدة.

وتزعم بعض التقارير الإيرانية أنه كان هجوما انتحاريا، ما يقلل من احتمالية قيام العناصر الإسرائيلية بتنفيذ الهجوم، لكن ثقوب الرصاص في سيارة "فخري زاده" تلقي بظلال من الشك على ذلك.

ومع ذلك، فقد استخدمت إسرائيل في الماضي عملاء من منظمة "مجاهدي خلق"، وهي جماعة إيرانية في المنفى، للقيام بهجمات في إيران.

وكانت منظمة "مجاهدي خلق" هي أول جماعة نفذت عمليات اغتيال انتحارية داخل إيران.

لكن إسرائيل تبقى هي المشتبه به الرئيسي لعدة أسباب، حيث لديها الخبرة والقدرة، وقد فعلت ذلك من قبل، ولديها الدافع.

وفي حين أنه من غير المرجح أن تكون إسرائيل قد نفذت الاغتيال دون الحصول على ضوء أخضر من إدارة "ترامب"، لا يمكن استبعاد دور أمريكي أكثر مباشرة.

وبحسب ما ورد أجرت إدارة "ترامب" عدة عمليات تخريبية مشتركة مع إسرائيل ضد المنشآت النووية الإيرانية العام الماضي، واعتمدت جزئيا على المخابرات الإسرائيلية في تنفيذ اغتيال الجنرال "قاسم سليماني" خارج مطار بغداد في يناير/كانون الثاني الماضي.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، ورد أن "ترامب" نفسه أثار احتمال مهاجمة إيران مع كبار مستشاريه للأمن القومي، بينما كان وزير الخارجية "مايك بومبيو"، أبرز صقور السياسة الإيرانية داخل الإدارة الأمريكية، يلتقي برئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" وقادة في دول لديها خصومة مع إيران في الخليج العربي، ولا سيما السعودية والإمارات.

على أي حال، لن تواجه إسرائيل سلبيات كثيرة إذا شنت هجمات في إيران في الوقت الحالي.

ويمكن لإيران أن تبدأ هجوما ضد إسرائيل وتشعل صراعا أوسع يجذب الولايات المتحدة، ما يؤدي إلى مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران كان "نتنياهو" يسعى إليها منذ فترة طويلة.

أو ربما تنتظر طهران وصول الرئيس المنتخب "جو بايدن" للتعامل معه.

وفي كلتا الحالتين، من المرجح أن يؤدي الاغتيال، وغيره من الهجمات المستقبلية المحتملة، إلى تقوية موقف إيران وتعقيد محاولات فريق "بايدن" لإحياء الدبلوماسية. ويخدم كل ذلك مصلحة "نتنياهو" أيضا.

ومن المرجح أن يتضاءل انفتاح طهران على مفاوضات بشأن الصواريخ وغيرها من الأمور إذا انخرطت إسرائيل في سلسلة من الاغتيالات في إيران.

وفي الواقع، أدانت إدارة "أوباما" الاغتيالات الإسرائيلية السابقة، لأنها كانت تعلم أن جرائم القتل لن تؤدي إلى انتكاسة كبيرة لبرنامج إيران النووي بقدر ما ستؤدي إلى تقويض أي جهد للتفاوض على اتفاق للحد منه.

وبافتراض مسؤولية إسرائيل وتورط إدارة "ترامب" في استفزازات إسرائيلية إضافية، نجد أنفسنا الآن في وضع مشابه، ولكن ربما يكون أكثر خطورة خلال الشهرين المقبلين، خاصة إذا فشل "بايدن" وفريقه للسياسة الخارجية في إيصال رسالة شديدة اللهجة بأن إسرائيل ستتحمل وحدها التكاليف إذا استمرت في شن هجمات داخل إيران خلال الفترة الانتقالية الحالية.

على هذا النحو، يجب أن نكون مستعدين لطريق وعر للغاية في انتظار تنصيب "بايدن".

وإذا تبين أن إسرائيل كانت وراء الاغتيال، فلن تبقى رغبة "نتنياهو" في جر الولايات المتحدة إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط مجرد شكوك.

ومن المهم أيضا أن يلاحظ الجمهور الأمريكي النمط الأوسع للأزمة.

فمن عام 2002 إلى عام 2012، ضغطت إسرائيل على الولايات المتحدة للتصدي لبرنامج إيران النووي.

وخلال تلك الفترة، فرضت واشنطن عقوبات أكثر صرامة على طهران وهددت مرارا بعمل عسكري.

لكن هذه الجهود فشلت في منع إيران من بناء قدراتها النووية بشكل منهجي.

وبعد ذلك، من عام 2012 إلى عام 2015، حاولت الولايات المتحدة اتخاذ مسار الدبلوماسية الحقيقية، جنبا إلى جنب مع المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين، وبلغت ذروة الدبلوماسية في خطة العمل الشاملة المشتركة، التي تم الترحيب بها على نطاق واسع باعتبارها اتفاقية منع الانتشار النووي الأكثر أهمية، والتي وافقت إيران بموجبها على كبح حاد لبرنامجها النووي.

وبالرغم من هذه القيود، أعلنت إسرائيل معارضتها للاتفاق، وضغطت بنجاح على إدارة "ترامب" للانسحاب منه عام 2018، وفرض عقوبات جديدة كجزء من حملة "أقصى ضغط" ضد إيران.

وكما هو متوقع، أدت سلسلة من التصعيد منذ ذلك الحين لجعل الولايات المتحدة وإيران على بعد دقائق من الحرب مرتين.

لكن مع ذلك، لم تقع الحرب التي سعى إليها كثيرون في إسرائيل والولايات المتحدة.

والآن، بعد أن تعرض "ترامب" للهزيمة أمام "بايدن"، من المرجح أن يرى أولئك الذين يريدون الحرب، لا سيما في إسرائيل، أن نافذة الفرص المتاحة للحرب تكاد تنغلق.

وفي هذه الأثناء، تنسق إسرائيل مع "ترامب" والسعودية والإمارات من أجل مجموعة جديدة من العقوبات تهدف أيضا إلى إفساد فرص "بايدن" في استئناف الدبلوماسية مع إيران.

وتوضح هذه التطورات الدرجة التي يشعر بها "نتنياهو" بالجرأة لتقويض رئيس الولايات المتحدة الديمقراطي وجر الولايات المتحدة إلى الحرب دون خوف من العقاب.

المصدر | تريتا بارسي/ريسبونسيبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد