الأحد 12 سبتمبر 2021 04:05 م

على مدار سنوات، يسعى الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، لترسيخ مفهوم جديد لحقوق الإنسان، قبل إطلاق ما يسمى بـ"الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان"، وإعلان 2022 عام المجتمع المدني.

وما بين احتفاء رسمي باستراتيجية "السيسي" الجديدة، وانتقادات لاذعة من قبل المعارضين، تبدو ملامح رؤية حكومية، يحاول النظام المصري تسويقها؛ لإعادة تعريف حقوق الإنسان، من خلال منظور جديد، يتجاهل الحريات السياسية.

وتشتمل "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان" على 4 محاور عمل رئيسية تدور حول الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحقوق المرأة والطفل، وحقوق ذوي الإعاقة والشباب وكبار السن، والتثقيف وبناء القدرات في حقوق الإنسان.

وتحمل الاستراتيجية خطابا يغازل الخارج قبل الداخل، في تناقض لافت مع تقارير مظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والتي تضع مصر ضمن أسوأ الدول على قائمة السجلات الحقوقية.

رؤية "السيسي"

تحديدا في أكتوبر/تشرين الأول 2017، وخلال مؤتمر صحفي بالعاصمة باريس، مع نظيره الفرنسي "إيمانويل ماكرون"، رد "السيسي" بوجه غاضب ردا على سؤال بشأن ملف حقوق الإنسان في مصر، قائلًا: "مبتسألوش ليه عن حقوق الإنسان في التعليم، معندناش تعليم كويس، وحقوقهم في العلاج، مفيش علاج جيد في مصر.. مبتسألنيش ليه عن حق التشغيل وحق الإسكان والوعي الحقيقي.. إحنا معندناش كل ده".

وفي 11 سبتمبر/أيلول الجاري، عبر "السيسي" عن استراتيجيته، بالقول إن كافة الحقوق والحريات مترابطة ومتكاملة، وإن ثمة ارتباطًا وثيقًا بين الديمقراطية وحقوق الإنسان، مع أهمية تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، وبين حق الفرد والمجتمع.

وجدد الرئيس المصري التزام الدولة المصرية باحترام وحماية الحق في السلامة الجسدية والحرية الشخصية، والممارسة السياسية، وحرية التعبير، وتكوين الجمعيات الأهلية، والحق في التقاضي، وتعزيز جهود تحقيق العدالة الناجزة، وضمانات المحاكمات العادلة، والتأكيد على قيم المواطنة والتسامح والحوار، ومكافحة التحريض على العنف والتمييز.

وسلط "السيسي" الضوء على مبادراته الرئاسية، ومنها "تكافل وكرامة، حياة كريمة، 100 مليون صحة، الكشف المبكر عن الأنيميا والسمنة والتقزم، دعم صحة الأم والجنين"، معتبرا ذلك مؤشرا على إنفاذ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، خاصة فيما يتعلق بالحق في السكن الملائم، وفي الرعاية الصحية المناسبة، وفي العمل المنتظم، وفي الغذاء الصحي، وفي مياه الشرب النقية، والصرف الصحي المتطور، وفي التعليم الجيد.

واعتبر الرئيس المصري، إصدار قانون بناء وترميم الكنائس، الذي تم بموجبه تقنين أوضاع نحو 1800 كنيسة ومبنى تابع لها، ووقوف كل من مسجد الفتاح العليم جنبا إلى جنب مع كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الإدارية الجديدة(شرق القاهرة)، شاهدين على إنجازاته في مجال حقوق الإنسان.

((2))

انتهاكات وإعدامات

لكن استراتيجية "السيسي" تجاهلت الإشارة إلى تمكن نظامه من بناء 19 سجنا جديدا في أنحاء البلاد، منذ الانقلاب العسكري في يوليو/تموز 2013، واستمرار فرض حالة الطواري للعام الخامس على التوالي، منذ أبريل/نيسان 2017.

ولم يتطرق الرئيس المصري، إلى مصير نحو 114 ألف سجين، وفق بيان الأمم المتحدة الصادر في أبريل/نيسان 2020، أغلبهم من المعارضين بتهم ذات صبغة سياسية.

ويقبع عدد من المرشحين الرئاسيين خلف القضبان، من أبرزهم رئيس حزب مصر القوية "عبدالمنعم أبوالفتوح"، والداعية المعروف "حازم أبو إسماعيل"، والعقيد "أحمد قنصوة"، فضلا عن مئات الصحفيين والحقوقيين والأكاديميين.

ووثقت "هيومن رايتس ووتش"، وفاة العشرات داخل السجون المصرية جراء الإهمال الطبي، أو الحرمان من العلاج، أو تفشي فيروس "كورونا".

وخلال السنوات الثماني الماضية قضى نحو 774 محتجزاً داخل مقار الاحتجاز المصرية المختلفة، حيث توفي 73 محتجزاً عام 2013، و166 محتجزاً عام 2014، و185 محتجزاً عام 2015، و121 محتجزاً عام 2016، و80 محتجزاً عام 2017، و36 محتجزاً عام 2018، و40 محتجزاً عام 2019، و73 حالة وفاة في 2020، وفق تقارير حقوقية.

وقبل عامين، أظهر تحليل أجرته "رويترز" لبيانات وزارة الداخلية المصرية، أن 465 رجلا قُتلوا في الفترة من أول يوليو/تموز 2015 حتى نهاية 2018، خارج إطار القانون، أي تمت تصفيتهم وإعدامهم بدم بارد، دون محاكمة.

وتقول تقارير الخارجية الأمريكية عن حقوق الانسان في مصر، إن انتهاكات نظام "السيسي" شملت القتل التعسفي أو خارج نطاق القانون على أيدي الحكومة أو رجالها والإخفاء القسري والتعذيب.

كذلك تجاوز عدد المواقع الإخبارية والحقوقية المحجوبة بمصر، بحسب مراصد صحفية وحقوقية 600 موقع، ما دفع مصر إلى احتلال المرتبة 166 على مؤشر حرية الصحافة من إجمالي 180 دولة، عن عام 2020، وفق تقرير منظمة "مراسلون بلا حدود".

رفض حقوقي

مقابل الاحتفاء الرسمي باستراتيجية "السيسي" لحقوق الإنسان، تزايدت الانتقادات الحقوقية للوعود الرسمية، وتجاهل وثيقة "السبع خطوات".

وتتضمن الوثيقة المعلن عنها منذ شهور، 7 خطوات واجبة التنفيذ قبل أي حديث عن أوضاع حقوق الإنسان والحريات في البلاد، أولها الإفراج عن آلاف السجناء السياسيين المحبوسين احتياطياً، أو الأشخاص المحكوم عليهم من جميع التيارات السياسية بسبب نشاطهم السلمي، وإنهاء الحبس الاحتياطي المطول مفتوح المدة، ووقف "تدوير" السجناء السياسيين في قضايا جديدة لإبقائهم في السجون، والخطوة الثالثة، رفع حالة الطوارئ المفروضة منذ عام 2017 بالمخالفة للدستور.

وتدعو الوثيقة إلى تأجيل تنفيذ جميع أحكام الإعدام الصادرة في قضايا جنائية أو سياسية، وعرضها على لجنة مختصة للعفو الرئاسي قبل تنفيذها، كذلك إنهاء الملاحقة الجنائية للمدافعين عن حقوق الإنسان، وإغلاق قضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني، وسحب مشروع قانون الأحوال الشخصية، والخطوة السابعة، رفع الحجب عن مواقع الإنترنت والصحف الرقمية.

ووفق الناشط الحقوقي المصري "نجاد البرعي"، لم يتم سوى تحقيق البند السادس من تلك الخطوات، المعني بإغلاق ملف قضية التمويل الأجنبي، المتهم فيها 20 منظمة وكيان مجتمع مدني، مارس/آذار الماضي.

وتعود القضية إلى 2011، إثر اتهام عدد من المنظمات غير الحكومية، يعمل بها مصريون وأجانب من جنسيات أمريكية وأوروبية، بتلقي تمويل أجنبي غير قانوني والتدخل في الشؤون السياسية للبلاد، وهي اتهامات قوبلت بانتقادات دولية رفضتها القاهرة.

اللافت أن إعلان استراتجية "السيسي" لحقوق الإنسان، جاء بعد أيام من دعوة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية الدولية، في بيان، إلى "إنشاء آلية دولية لرصد حالة حقوق الإنسان والتحقيق في الانتهاكات الجسيمة في مصر".

وأوصى التقرير الصادر عن المنظمة، الولايات المتحدة، وكندا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وشركاء مصر الدوليين الآخرين بفرض عقوبات ووقف جميع المساعدات الأمنية والعسكرية للنظام المصري.

وتترقب مصر، إفراج الخارجية الأمريكية عن مبلغ 300 مليون دولار، كحصة من المعونة الأمريكية السنوية مشروط التصرف فيها، نهاية سبتمبر/أيلول الجاري، بناء على تعامل النظام المصري مع ملف حقوق الإنسان، وهو ما يؤكد أن"الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان"، رسالة مغازلة لإدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" الذي تعهد سابقا بـ"لا مزيد من الشيكات على بياض لديكتاتور ترامب (الرئيس الأمريكي السابق) المفضل"، في إشارة إلى "السيسي".

المصدر | الخليج الجديد