الخميس 28 أكتوبر 2021 02:19 م

نفذ الجيش السوداني يوم الإثنين انقلابا على المسار الانتقالي في البلاد. ويبدو الانقلاب محاولة من العسكريين للحفاظ على الامتيازات الاقتصادية للجيش، وانعكاسا لمخاوفهم من المساءلة التي سيجلبها الحكم المدني الحقيقي.

وجاء الانقلاب مع الموعد النهائي لتسليم الجيش رئاسة مجلس السيادة المؤقت للمدنيين، على النحو المتفق عليه في الإعلان الدستوري الموقع من قبل تحالف قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي في أغسطس/آب 2019.

وقام قائد الجيش "عبدالفتاح البرهان" بحل مجلس السيادة ا(لذي كان يرأسه) إلى جانب مجلس الوزراء. كما أقال حكام المناطق واعتقل كبار السياسيين المدنيين، بمن فيهم رئيس الوزراء "عبد الله حمدوك" الذي ورد أنه اعتقل بعد رفضه تلاوة إفادة سلمت إليه.

من عام 1985 إلى عام 2021

وأعلن الجيش رسمياً أنه سيلتزم بالإعلان الدستوري مع استثناء مواد معينة.

وتشمل هذه المواد 11 و 12 و 15 و 16 المتعلقة بمشاركة المجلس العسكري وتحالف قوى الحرية والتغيير في تشكيل مجلس السيادة ومجلس الوزراء وصلاحيات تلك المؤسسات، بالإضافة إلى المادة 24 (3) التي تنص على أن قوى الحرية والتغيير سترشح 67% من المقاعد في البرلمان الانتقالي الذي لم يتشكل.

كما علق "البرهان" المادة 71 التي تنص على أن أحكام الوثيقة الدستورية استمدت من الاتفاق السياسي، والمادة 72 التي أكدت أن إنشاء مجلس السيادة ينهي دور المجلس العسكري الانتقالي.

وبالتالي، فإن تحرك "البرهان" يستهدف إزاحة قوى الحرية والتغيير من الحكومة المؤقتة ويظهر مرة أخرى عزمه على تولي دور الرئيس السابق "سوار الذهب" الذي أزاح "جعفر النميري" في الفترة الانتقالية عام 1985 وقاد توجيه الفترة الانتقالية كرئيس للمجلس العسكري الانتقالي.

لكن الاختلاف عن عام 1985 هو أن "سوار الذهب" كان يتمتع بدعم ضمني من الأحزاب السياسية الأكثر محافظة، بما في ذلك الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة والجبهة الإسلامية الوطنية، وكلها كانت ترى في المجلس العسكري الانتقالي وسيلة لضرب اليسار الراديكالي.

أما اليوم، فالداعمون الرئيسيون لـ"البرهان" هم فصائل متمردة محددة في دارفور وقعت اتفاقية جوبا للسلام عام 2020، ولا سيما فصيل "مني ميناوي" رئيس حركة "جيش تحرير السودان" (جرى تعيينه حاكما لإقليم دارفور قبل أشهر).

وقد شجبت غالبية الأطراف المدنية الانقلاب الحالي. ومن غير الواضح كيف يعتزم "البرهان" إدارة المرحلة الانتقالية دون دعمهم.

العودة إلى نظام الحزب الواحد

سيكافح "البرهان" من أجل تأسيس نظام حزبي آخر. وعلى عكس "نميري" عام 1969 و"عمر البشير" عام 1989، لا يحظى "البرهان" بحركة أيديولوجية كبيرة تدعمه. ولن يعود "البرهان" إلى الإسلاميين لأنه استطاع جذب المحور المصري السعودي الإماراتي نتيجة قدرته على النأي بنفسه عن الحركة الإسلامية.

وبقدر ما سيعتمد على بقايا النظام القديم، فإنه لن يسعى إلى الاعتماد على "الإسلاميين المتشددين" بل إلى طبقة الانتهازيين الذين انضموا إلى نظام "البشير" ونظام "النميري" بسبب السلطة أكثر من الأيديولوجية في حد ذاتها.

وبدا اتفاق جوبا للسلام عام 2020 في البداية باعتباره إنجازًا رئيسيًا للمرحلة الانتقالية. ولكن لسوء الحظ، تميل الحكومات التي يقودها الجيش إلى توقيع اتفاقيات سلام بسبب السياسة الواقعية أكثر من كونها تريد ذلك فعلا.

وعندما وقع "النميري" اتفاق أديس أبابا للسلام الذي أنهى الحرب الأهلية الأولى في السودان عام 1972، كان ذلك بهدف جذب دعم المتمردين الإقليميين ضد خصومه في وسط النهر، بعد حملات القمع العنيفة ضد حزب الأمة والشيوعيين.

ومثل "النميري" في عام 1972، سعى "البرهان" إلى استخدام اتفاق السلام مع حركات التمرد العاملة في المناطق المهمشة لتقويض الخصوم المدنيين في وسط السودان.

ومن خلال دمج المتمردين في أنظمة الحكم الانتقالية والجيش، عززت اتفاقية جوبا للسلام بالفعل دور الجيش في المؤسسات المؤقتة، حيث استغل "البرهان" و"حميدتي" استياء المتمردين من الأحزاب المدنية التي تهيمن على الخرطوم.

الجهات الفاعلة الانتهازية

كان أحد الفاعلين الرئيسيين هنا هو "مني ميناوي"، حاكم دارفور وزعيم حركة تحرير السودان، والذي كان تاريخياً من أكثر قادة التمرد انتهازية، وفي الأيام التي سبقت الانقلاب، انضم "ميناوي" إلى اعتصام مدعوم من الجيش خارج القصر الجمهوري للمطالبة بحل الحكومة المؤقتة.

ومن بين أمور أخرى، كان "ميناوي" يدافع عن قراره بحل فرع الفاشر من اللجنة المكلفة بتفكيك مؤسسات النظام السابق.

وكما هو الحال في التحولات السابقة، واجهت محاولات الديمقراطيين المدنيين لتفكيك المؤسسات الاستبدادية أزمة في المناطق المهمشة مثل الغرب والشرق، حيث حاول حزب المؤتمر الوطني الذي يتزعمه "البشير" درء المعارضة من خلال جلب قادة إقليميين مختارين إلى أجهزته الخاصة.

وعندما حل "البرهان" الحكومة الانتقالية، علق أيضا عمل لجنة إزالة التمكين بالتزامن مع اعتقال رئيس اللجنة "وجدي صالح".

وقد يكون "البرهان" يأمل في الاقتباس من دليل "عبدالفتاح السيسي" لسحق الديمقراطية، على أمل إدارة نظام حزب واحد ضعيف في حين تبقى الأجهزة الأمنية والعسكرية الموروثة من النظام القديم تحكم بحكم الأمر الواقع.

قوة الشارع

لكن الديمقراطيين في السودان لديهم بالتأكيد أفكار أخرى، فالسياسة البرلمانية أكثر رسوخًا في السودان منها في مصر، وقد حدثت بالفعل 3 انتفاضات مدنية في أعوام 1964 و1985 و2018-2019، سعت إلى العودة إلى الحكم الديمقراطي البرلماني.

وبينما استمرت الأنظمة البرلمانية الثلاثة ما بين 3 إلى 5 سنوات فقط لكل منها، فشلت الانقلابات العسكرية التي أطاحت بها في إنهاء الالتزام بالتعددية السياسية في السودان. وخلال عهد "البشير"، سعت القوى السياسية السودانية في المنفى جاهدة للتوصل إلى توافق حول كيفية جعل النظام الديمقراطي القادم أقوى.

لكن هذا الإجماع تبدد إلى حد ما خلال سنوات التنافس السياسي بعد الثورة داخل قوى الحرية والتغيير، لكن التهديد بالعودة إلى الحكم العسكري الصريح قد يجدده.

وقد يكون "البرهان" أخطأ في تقدير قوة الشارع. ففي حين أن المجلس العسكري الانتقالي عام 1985 كان قادرًا على تحدي قوة الشارع وتفكيكها بسرعة نسبيًا، فإن الحشد الشعبي اليوم أصبح أكثر استدامة.

وسيكون من الصعب على "البرهان" التراجع بعد أن فقد الشرعية الشعبية المحدودة التي حصل عليها من دفاعه الزائف عن الثورة. ويكمن الخطر في أن يلجأ الجيش للشكل الوحيد المتبقي من الشرعية وهو القوة الغاشمة.

لقد وصل الانتقال في السودان إلى أخطر لحظاته، ويجب على الحكومات الغربية أن تفعل أكثر من مجرد التعبير عن "القلق" من استيلاء الجيش على السلطة، ويجب أيضًا ممارسة ضغط حقيقي على الحكومات الإقليمية التي تدعم الجيش.

المصدر | ويلو بيريدج | ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد