ربما يبدو دور السعودية في مكافحة تغير المناخ محيرًا. فبعد قمة المناخ "كوب 26" التي استمرت أسبوعين في جلاسكو بهدف التخلص التدريجي من استخدام الوقود الأحفوري والتحرك نحو مصادر الطاقة النظيفة، تعهدت الرياض بالحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والوصول إلى صافي صفر انبعاثات بحلول عام 2060. ولكن في الوقت ذاته، تعد المملكة ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم، ما يعني أن التنازل عن هذا المصدر الحيوي للربح قد يهدد بقاء العائلة المالكة السعودية.

ويحصل حوالي ثلثي القوى العاملة السعودية (في القطاع العام) على رواتبهم من عوائد الوقود الأحفوري، في حين يأتي نحو 60% من ميزانية السعودية من شركة النفط الوطنية السعودية "أرامكو". وبدون الثروة النفطية فإن المملكة ستكافح من أجل الحفاظ على النظام الاجتماعي والاقتصادي واسترضاء سكانها.

وبحسب بيانات إحصائية، جاء ثلث انبعاثات الكربون بين عامي 1965 و2017 من 20 شركة فقط، منهم 5 شركات نفط مملوكة لدول الشرق الأوسط، وكانت "أرامكو" من بين أكبر مصادر التلوث حيث ساهمت وحدها في 4% من الانبعاثات في هذه الفترة.

عرقلة مبادرات المناخ

خلال قمة "كوب 26"، أفادت تسريبات بأن الوفود السعودية تحركت لعرقلة المفاوضات التي تجري بشأن التقرير النهائي، وفقا لمسودة التقرير التي حصلت عليها منظمة "السلام الأخضر"وأرسلتها إلى "بي بي سي". ويعد التقرير النهائي مهمًا لأنه يشكل عنصرا أساسيا في النجاحات المحتملة للقمة.

وكتبت منظمة "السلام الأخضر": "إن التقرير النهائي هو أعلى رسالة تخرج بها قمة كوب وتشير إلى ما تعنيه النتيجة النهائية للعالم، وتشكل جزءا حيويا من أي قمة ناجحة".

وأفادت التقارير أن مستشار وزارة النفط السعودية أصر على أن عبارات مثل "الضرورة العاجلة" و"استعجال الإجراءات التخفيفية على جميع المستويات" يجب ألا يتضمنها التقرير.

وقالت مديرة منظمة "السلام الأخضر" الدولية "جنيفر مورجان" أن خطوة الرياض كانت تهدف إلى "تجريد النص النهائي من الطموح" كما إن الخطوة الساعية لتخفيف حدة الهدف كانت لـ"ضمان ألا تحصل البلدان المتضررة على الدعم الذي يحتاجون إليه وبالتالي لا يوقعون على اتفاق حقيقي".

وعندما سئل وزير الطاقة السعودي الأمير "عبد العزيز بن سلمان" عن هذه الاتهامات، فإنه انتقدها واعتبرها "ادعاء خاطئ وتضليل وكذب". ومع ذلك، فقد عملت السعودية سرا من قبل لإحباط محادثات الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ، في حين تعاونت شركة "أرامكو" مع شركات النفط الامريكية العملاقة للتأثير على سياسات الطاقة في الولايات المتحدة ودعم إنكار تغير المناخ.

وعلاوة على ذلك، فعلى الرغم من تعهد الرياض بالوصول إلى صافي صفر انبعاثات بحلول عام 2060 ودعمها علنا لقمة "كوب26"، فقد أعلنت عزمها على زيادة إنتاج النفط من 12 مليون برميل يوميا إلى 13 مليون برميل يوميا بحلول عام 2027، مما يدل على نيتها مواصلة الاعتماد على إيرادات النفط.

المبادرة الخضراء: حيلة علاقات عامة؟

مع مواجهة السعودية للتدقيق المستمر في ضوء عرقلتها لإصلاحات تغير المناخ، أعلنت المملكة عن منتدى "مبادرة السعودية الخضراء" في الرياض في 25 أكتوبر/تشرين الأول، الذي يخصص 39 مليار ريال (10.4 مليارات دولار) لصندوق استثمار ومشاريع للطاقة النظيفة للمساعدة في الحد من انبعاثات الكربون الإقليمية.

وفي حين كان الهدف هذه المبادرات هو تقديم المملكة كصديقة للبيئة، فقد تسببت هذه المبادرات في تشكك المحللين والمنظمات الناشطة فيما يُعزى جزئيا إلى عدم جدواها. وعلاوة على ذلك، فإن الشك يحوم حول صدق السعودية بشأن الحد بشكل كبير من اعتمادها على الوقود الأحفوري.

وفي الواقع، اعترف وزير الطاقة السعودي أن "محرك النمو الاقتصادي في المملكة هو تصدير مصادر الطاقة لديها، هذا ليس سرا من أسرار الدولة".

وقال "توبياس زومبراجل" وهو باحث في مؤسسة "كاربو" في بون بألمانيا: "أدرك السعوديون وخاصة ولي العهد محمد بن سلمان أن المبادرة الخضراء شيء جيد لتحسين سمعتهم".

وأضاف: "نظرًا للتوجه الأخضر العالمي، فإن المملكة تستخدم هذه المبادرات لتلميع صورتها وتحسين العلاقات التي تدهورت مع قادة الدول الغربية بسبب بعض المغامرات الخارجية للقيادة السعودية".

وتابع قائلًا: "وحظ ذلك عندما أعلنت الرياض عن الاقتصاد الدائري الكربوني في ضوء قيادتها لمجموعة العشرين في عام 2020 وعندما أعلن محمد بن سلمان مبادراته للسعودية والشرق الأوسط هذا العام".

وتسعى السعودية بالتأكيد إلى تشتيت الانتقادات الموجهة إليها من الدول الغربية والاتحاد الأوروبي، لا سيما بشأن الحرب على اليمن وقتل "جمال خاشقجي"  وهي الأشياء التي أضرت بسمعتها الدولية.

وتماشيا مع "رؤية 2030" الخاصة بالسعودية والهادفة إلى تنويع اقتصادها بعيدا عن النفط وإعادة تشكيل صورتها العالمية لجذب الاستثمار العالمي والسياحة، فمن الواضح أن مشروع مبادرتها الخضراء وسيلة أخرى لتعزيز هذه الطموحات.

التحايل على الالتزامات

ومع ذلك، بحثت السعودية أيضا عن ثغرات للتحايل على التزاماتها. فبموجب المعايير الدولية، لن يدحض استمرار صادرات النفط خطط السعودية لتحقيق صافي صفر انبعاثات، لأن هذه الصادرات ستعتبر فقط انبعاثات بالنسبة للحكومة التي تستورد النفط، وليس الرياض نفسها.

وبالرغم أن السعودية قد تأمل بالفعل في زيادة مصادر الطاقة المتجددة لديها، إلا أن "زومبراجل" أشار إلى أن ذلك قد يكون متمحورا أكثر حول مصالح الرياض الذاتية.

وأوضح قائلًا: "إذا تمكنت الرياض من تطوير حصة رئيسية في مصادر الطاقة المتجددة، فيمكنها تحقيق حلمها بأن تصبح مصدرا رئيسيا للهيدروجين الأخضر بالنسبة لأوروبا. ولكن ستنافسها الإمارات وعمان اللتان تمتلكان خططًا مماثلة".

وأضاف: "تفكر السعودية في تنمية قطاع الطاقة المتجددة مع مواصلة مسار الاعتماد على الهيدروكربونات ولكن بطريقة أنظف. لذلك، تنفق المملكة الكثير من المال على تقنية احتجاز الكربون وتخزينه"، وتابع: "هناك طريقة أخرى لتقليل الانبعاثات عن طريق زراعة مليارات الأشجار على سبيل المثال".

ومضى بالقول: "باختصار، يريدون السيطرة على الانبعاثات الناجمة عن الاحتراق ومعالجة الوقود الأحفوري، وليس كميات الصادرات من الوقود الأحفوري".

مخاطر النهج قصير النظر

إذا فشلت السعودية أو لم توفِ بوعدها بالتحول إلى مصادر الطاقة الأنظف، فستكون شبه الجزيرة الخليجية واحدة من أكثر المناطق المعرضة لخطر تغير المناخ في العالم.

وأشارت دراسة أجرتها مؤسسة "أيون كولكتف" الفكرية السعودية، إلى أن دول الخليج تواجه موجات حرارية مميتة، مع ظهور أمراض جديدة غير معروفة، وتلوث أعمق في الغلاف الجوي بسبب الاحترار العالمي.

وأضافت الدراسة أن ذلك قد يهدد موسم الحج بشكل خاص. ولطالما طرق الأكاديميون أجراس الإنذار قائلين إن دول الخليج قد تصبح غير صالحة للسكن في وقت لاحق من هذا القرن بسبب ارتفاع درجات الحرارة، لذلك يجب أن تتخذ السعودية إجراء أكثر قوة إذا كانت ملتزمة حقا ببقاء المنطقة على المدى الطويل.

وحذرت مجلة "هيليون" من أن ارتفاع درجات الحرارة قد يفاقم الظروف الاجتماعية والاقتصادية وقد يحفز النزاعات المحلية داخل المنطقة، مع تأثير درجات الحرارة على الاقتصادات الأكثر هشاشة.

وفي حين أن العائلة المالكة السعودية تركز حاليا على توطيد حكمها، فإن الاقتصار في التفكير على المصالح العاجلة يمكن أن يسبب عواقب وخيمة غير متوقعة على المملكة والعالم العربي في السنوات القادمة.

المصدر | جوناثان فنتون هارفي - إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد