الثلاثاء 25 يناير 2022 06:03 م

"المرأة الحديدية" و"حاكمة قرطاج الثانية" و"خزينة أسرار الرئيس".. هكذا كانت تلقب "نادية عكاشة"، مديرة ديوان الرئيس التونسي "قيس سعيد"، التي تسببت استقالتها مؤخرا، في عاصفة من التساؤلات والتكهنات.

البداية كانت مساء الإثنين، عندما أعلنت "نادية عكاشة" استقالتها، عبر حسابها بموقع "فيسبوك"، حيث كتبت: "قررت اليوم تقديم استقالتي للسيد رئيس الجمهورية من منصب مديرة الديوان الرئاسي بعد سنتين من العمل".

وتابعت: "لقد كان لي شرف العمل من أجل المصلحة العليا للوطن من موقعي بما توفر لدي من جهد إلى جانب السيد رئيس الجمهورية".

وبررت "نادية"، قرار استقالتها بوجود "اختلافات جوهرية في وجهات النظر المتعلقة بالمصلحة الفضلى للوطن"، دون تحديد تلك الاختلافات.

توصف "نادية" (41 عاما)، التي تولت منصبها أواخر يناير/كانون الثاني 2020، بأنها الصندوق الأسود للرئيس وكاتمة أسراره.

كما يتجاوز دورها حسب مراقبين الجانب الإداري بالقصر إلى تحديد السياسات العريضة للدولة وعلاقاتها الخارجية.

وفي كسر لكل الأعراف والنواميس التي تتعلق بعمل مدير الديوان الرئاسي في تونس، رافقت "نادية عكاشة" الرئيس في كل أنشطته، حتى تلك المتعلقة بمقابلة الرؤساء وكبار الشخصيات، فضلا عن حضورها اجتماعات مجلس الأمن القومي.

وتقلدت "نادية" عدة وظائف أكاديمية في مجال القانون العام والدولي. ولعبت دورا كبيرا في التعريف بالمفاهيم السياسية المتعلقة بمشروع "قيس سعيد" ورؤيته للحكم من خلال شعاره الشهير "الشعب يريد".

ويقر كثير من خصوم "سعيد" ومعارضيه السياسيين، بأن مديرة ديوانه كان لها دور مفصلي فيما وصفوه بخطة الانقلاب التي قادها الرئيس في 25 يوليو/تموز الماضي، وأقال بموجبها رئيس الحكومة، وجمد عمل البرلمان، وتولى جميع السلطات.

حاكمة قرطاج

وأطلق عليها كثيرون لقب "عرابة الانقلاب" على الدستور والديمقراطية، عبر تأويل الفصل (80) من الدستور لخدمة مخطط السلطة، والإطاحة بحكومة "المشيشي" وتجميد البرلمان.

ظهر اسم "نادية عكاشة" أيضا، في تسريبات لتقارير داخلية للمخابرات المصرية، أكدت أنها كانت تحضر اجتماعات مع جنرالات قادمين من مصر لقصر قرطاج، لهندسة الوضعية السياسية في تونس.

وسبق أن نشر موقع "ميدل إيست آي" البريطاني وثيقة قال إنها مسربة من مكتب مديرة الديوان، يعود تاريخها إلى 13 مايو/أيار 2021، وتتحدث عن تدبير خطة لفرض "ديكتاتورية دستورية" في البلاد.

ولا تزال الغموض يحيط بحادثة "الظرف المسموم" وما تم إعلانه منذ أشهر من تعرض عكاشة لمحاولة تسمم وإغماء، إثر فتحها ظرفا مشبوها وصل لمكتبها، خصوصا بعد أن أظهرت نتائج التحاليل والاختبارات الفنية للظرف "خلوه من أي مواد سامة أو مخدرة أو متفجرة أو خطرة".

وسبق أن وُجهت لمديرة الديوان المستقيلة انتقادات لاذعة من زملائها بالفريق الرئاسي من مستشاري الرئيس السابقين، كما اتهمت بأنها وراء استقالة عدة شخصيات في القصر، بسبب تعاظم نفوذها وارتباطها بجهات أجنبية.

ويرى مراقبون للشأن السياسي التونسي، أن "نادية" ساهمت في إضافة الغموض واللبس على نشاطات "سعيد"، وعطلت أي استراتيجية اتصال مع الرأي العام أو مكونات المجتمع المدني، وهو ما دفع رفيقة الرئيس في حملته التفسيرية وزميلته في المجال الأكاديمي "رشيدة النيفر"، التي كانت مكلفة من قبل بالاتصال والإعلام في رئاسة الجمهورية، للاستقالة.

ومن بين المآخذ الأخرى عليها شبكة النفوذ القوية التي صنعتها داخل القصر وحوله من أكاديميين أمثال "أمين محفوظ"، أستاذ القانون الدستوري المقرب من الرئيس، ومدونين وإعلاميين وناشطين في المجتمع المدني.

وهؤلاء وظفتهم "نادية" في تبرير سياسيات "سعيد" منذ بداية "الانقلاب" ومهاجمة خصومه من معارضة برلمانية أو سياسيين ونشطاء مستقلين، لتتحول مؤخراً قائمة أهدافها وتتركز خصوصاً على زميلها في منظومة الحكم ما بعد 25 يوليو/تموز، وخصمها اللدود داخل قصر قرطاج، وهو وزير الداخلية "توفيق شرف الدين".

جناحا القصر

في البداية، كان الخلاف بين جناحي الحكم والنفوذ داخل قرطاج، جناح "شرف الدين"، وجناح "نادية عكاشة" من جهة أخرى، باهتاً وغير طاف على السطح، إلا أن تقلد "شرف الدين" لوزارة الداخلية للمرة الثانية، وتمتعه بصلاحيات ونفوذ واسع مقارنة بتقلده الوزارة في حكومة رئيس الوزراء المقال "هشام المشيشي"، جعله هو الآخر يبني شبكة علاقات قوية مع عائلة الرئيس ومجموعات نفوذ جهوية، خصوصاً أنه ينحدر من جهة الساحل، معقل السلطة والنفوذ السياسي تاريخياً، سواء مع الزعيم الراحل الحبيب "بورقيبة" أو مع الرئيس المخلوع "زين العابدين بن علي".

وترى مصادر، أن شبكة العلاقات السياسية والنفوذ الأمني والجهوي اللذين حظي بهما "شرف الدين"، جعلاه ومن معه يفرضون رؤيتهم لمسارات الأحداث على الرئيس، أو أن "سعيد" اقتنع بوجهة نظرهم أكثر من وجهة نظر مستشارته وكاتمة أسراره، وهو ما عمّم الخلاف بين الطرفين.

وبالعودة إلى الاستقالة، فوفق مصادر، فإن "عكاشة" كانت تفكر في تقديم استقالتها، الخميس 20 يناير/كانون الثاني 2022، لكن أجلتها حتى تأكدت من قرارها.

وقالت مصادر، إنها استقالت فعلاً بسبب خلافات جوهرية، وهو ما ذكرته في تدوينة الاستقالة، لكن ما لم يذكر أن هذه الخلافات كانت مع شخصيات نافذة في قصر قرطاج.

وأضافت المصادر نفسها، أن بعض الخلافات الكبيرة لدى "نادية" كانت مع وزير الداخلية التونسي "توفيق شرف الدين"، بسبب قرارات الإقامة الجبرية التي فُرضت على مجموعة من الشخصيات في تونس.

وأيضاً، من بين الأسباب التي دفعت مديرة ديوان الرئيس السابقة إلى تقديم استقالتها، حسب المصادر، هو خلافها مع "سعيد سعيّد" وهو شقيق الرئيس "قيس سعيّد".

بالإضافة إلى ذلك، وقعت خلافات بين "نادية عكاشة" و"عاتكة شبيل"، شقيقة "إشراف شبيل"، السيدة الأولى في تونس.

وتعتبر "عاتكة" من المحاميات البارزات في تونس.

ودخلت "عاتكة شبيل" إلى قصر قرطاج، فأصبحت كلمتها يحسب لها حساب، وهي من اقترحت على زوج أختها الرئيس، أن يتولى "توفيق شرف الدين" منصب وزير الداخلية.

المصادر ذاتها، قالت إن النقطة التي أفاضت الكأس ودفعت "نادية عكاشة" إلى تنفيذ قرار استقالتها بعد تردد، هو إحالة كل من السفير فوق العادة لتونس لدى البحرين "كمال القيزاني"، ومدير الشرطة العدلية سابقاً والمشرف الأمني على سفارة تونس بكندا "عبدالقادر فرحات" إلى التقاعد.

رؤى متباينة

بالنسبة للمحلل السياسي التونسي "باسل ترجمان": "لا يمكن لأي أحد أن يعلم حقيقة هذه الخلافات الجوهرية وأسبابها، لأنها قضية لها علاقة بالعمل داخل ديوان الرئيس، ويعلم الجميع أن ما يجري فيه ليس متاحا لا العامة ولا للرأي العام".

وأضاف: "لكن ما يتسرب حول هذا الموضوع هي خلافات حول رؤية مديرة الديوان المتباينة مع رؤية الرئيس".

وأوضح "ترجمان" أن "رؤية الرئيس تدفع باتجاه ضرورة الإسراع والحسم، ورؤية مديرة الديوان تفضل التروي والبحث عن حلول هادئة بعيدا عما يمكن أن نسميه تعزيز الصدام مع المؤسسات".

واستبعد "ترجمان"، أن تؤثر استقالة مديرة الديوان على سير عمل رئاسة الجمهورية وقراراتها وتوجهاتها، مذكرا بأن "الرئيس السابق "الباجي قائد السبسي" قام باستبدال 6 مديري ديوان.

لكن الصحافة التونسية تحدثت عن فقدان الرئاسة لرقم مهم في معادلة المرحلة.

ووصفت صحيفة "الشارع المغاربي"، المسؤولة المستقيلة بـ"الصندوق الأسود" و"حاملة أسرار الرئيس".

كما ترى يومية "المغرب السياسي"، أن هذه الاستقالة "تربك المشهد السياسي العام وتضغط على الرئيس"، وسمت "نادية عكاشة" بـ"أحد مكونات العقل المدبر لسياساته سعيد وخططه".

وكتب "حسن العيادي"، في "الشارع المغاربي"، بأن الاستقالة "ليست انسحابا من منصب، بل انسحاب من تصور سياسي ومشروع الرئيس ومحيطه، وهذا يعني خسارة للرئيس".

ويرى متابعون، أن الخلافات العميقة داخل القصر، والقرارات التسلطيّة التي لا يتوقف "سعيد" عن إصدارها ومواصلة خرقه للدستور، سيكون لها عواقب، خصوصاً إثر الملاحظات الدولية الصادرة عن مفوضية حقوق الإنسان التي أعربت عن قلقها من "خنق المعارضة" في تونس، وقبلها مؤسسة "فريدوم هاوس"، التي اعتبرت أن ما "أعلنه سعيّد (..) يمثل تراجعاً صادماً عن البناء الديمقراطي في تونس".

أكثر من ذلك، وضع صندوق النقد الدولي شروطا تعجيزية من أجل منح تونس قرضا بـ3 مليارات دولار لسد عجز الميزانية، ونفس الشيء بالنسبة للاتحاد الأوروبي الذي رفض تمكين تونس من القسط الثاني من القرض بقيمة 300 مليون يورو، قبل القيام بالإصلاحات الديمقراطية، وعودة البرلمان، والمؤسسات الدستورية للعمل.

في غضون ذلك يترقب الكثيرون موقف الجيش. وفي هذا السياق، نشرت صحيفة "لا براس" وهي صحيفة تونسية فرنكوفونية مملوكة للدولة، مقالاً للجنرال المتقاعد "محمد المدب"، تحدث فيه عن "حياد الجيش كشرط أساسي لنجاح التحول الديمقراطي".

وقال الجنرال المتقاعد: "يبقى أنّ هذا الانضباط والطاعة (للجيش) يجب أن ينحصر فيما يتطابق مع القانون. فرفض الأمر المخالف للقانون ليس مستهجناً، بل على العكس من واجبنا تشجيعه".

وأوضح أنه "على الفاعلين السياسيين في السلطة أن يوفّروا الشروط الملائمة لبقاء الجيش ضمن أدواره، وفي المكان الذي يعود إليه قانونياً".

وتابع أنّ "على السلطة المدنية، في علاقاتها بالجيش، احترام القانون الملزم للجميع بدقّة حتّى لا تخاطر بحالات عصيان عسكري مؤسفة".

هذا ويرجح خبراء ـم ما بعد الاستقالة، لن يكون كما كان قبلها، إذ من المتوقع أن تحدث تغييرات في منظومة حكم "سعيد".

وترجّح مصادر مختلفة تداعيات لهذه الاستقالة من الوزن الثقيل، من بينها تغييرات قريبة قد تشهدها حقائب مهمة في الديوان الرئاسي والحكومة، من المرجح أن يكون أغلبهم من شبكة العلاقات التي نسجتها "نادية" عندما كانت في القصر.

غير أن التغييرات في المناصب الإدارية والمناصب لا يعني بالضرورة تغييراً أو انفتاحاً في سياسة "سعيد"، بل إن الأمور يمكن أن تتجه نحو تشدد أكثر في سياسات الرئيس، خصوصاً في علاقته بالمعارضة.

ودلل المراقبون على ذلك بما قام به "شرف الدين" من قمع للاحتجاجات الأخيرة، التي خرجت في 14 يناير/كانون الثاني، بمناسبة ذكرى الثورة.

بدائل

ولا يزال الرئيس التونسي "سعيّد"، يحاول إقناع مديرة ديوانه بالتراجع عن استقالتها.

وإذا فشلت هذه المساعي، فمن المرجح أن يتولى أستاذُ القانون الدستوري "أمين محفوظ"، خلافةَ "عكاشة"، خصوصاً أنه يعد من أبرز الداعمين لإجراءات "سعيد".

ويعتبر "محفوظ" من الشخصيات التي تحظى بثقة "سعيّد"، إذ جرت العادة أن يستقبله بالقصر، لمناقشة ما اعتبره الرئيس حلولاً قانونية للخروج من الأزمة التي تعيشها البلاد.

أما الاسم الثاني المطروح، فهو "مروى جابو بالصادق"، التي تولت قبل أسبوعٍ فقط منصب مستشارة للشؤون الأوروبية لدى رئيس الجمهورية.

وتعتبر "مروى جابو"، التي وُلدت سنة 1987، من بين الوجوه الشابة في تونس التي تدعم طرح "سعيّد"، بعدما راكمت تجربة العمل في سفارة تونس في كندا، منذ سنة 2016.

ويقول مراقبون إن ما بعد الاستقالة لن تكون مرحلة هادئة أو باردة بالنسبة لـ"نادية عكاشة"، بسبب عدد القضايا التي تلاحقها أمام العدالة، ولم يصدر في شأنها أحكام بعد.

كما أن شبكة العلاقات التي بنتها خلال فترة عملها في قصر قرطاج، لن تختفي مثلما سيختفي دورها في القصر بعد الاستقالة، لكن من غير المعلوم حتى الآن في أي اتجاه ستوجهها.

المصدر | الخليج الجديد