تشويه المونديال.. من يقف وراء الحملة وكيف ردت قطر عليها؟

الثلاثاء 15 نوفمبر 2022 07:14 م

من يقف وراء حملات تشويه مونديال قطر؟.. قد تبدو محاولة الإجابة واستعراض المواقف هنا متأخرة بعض الشئ، نظرا لاقتراب موعد انطلاق البطولة الأشهر عالميا لأول مرة على أراضي دولة عربية إسلامية شرق أوسطية، حيث لم يتبق سوى أيام تعد على أصابع اليد الواحدة على صفارة البداية للكرنفال.

غير أن الحقيقة تشير إلى أن محاولة الإجابة على هذا السؤال والبحث عن خلفيات ما حدث ولا يزال يحدث، ستظل مستمرة حتى بعد انطلاق البطولة، وسط تقارير تشير إلى أن تلك الحملات قد تتصاعد، على الأقل لفترة، بعد الانطلاق، مستغلة أي تطور حول التنظيم وتعاطي السلطات مع المستجدات اليومية لمحاولة التضخيم بغرض استمرار التشويه.

بداية الحملة

وفي حقيقة الأمر، فإن حملات تشويه مونديال قطر بدأت إرهاصاتها فور فوز الدولة الخليجية بحق تنظيم واستضافة البطولة في ديسمبر/كانون الأول 2010، وكان أول رد سلبي من الرئيس الأمريكي، آنذاك، "باراك أوباما"، والذي استنكر قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ووصفه بأنه "قرار خاطئ"، إثر حصول الملف القطري، آنذاك، على 14 صوتًا، مقابل ثمانية للملف الأمريكي.

ورغم حصوله على جائزة نوبل للسلام عام 2009، وتبنيه خطابا تقاربيا مع العالم الإسلامي فور توليه السلطة بالولايات المتحدة، لم يتردد "أوباما" في إظهار عدم تصوره لمنطقية إسناد تنظيم المونديال لدولة عربية شرق أوسطية مسلمة.

وتفاوتت وتيرة حملات تشويه مونديال قطر تبعًا لمتغيرات البيئتيْن الدولية والإقليمية، وهو ما يمكن أن يفسر أحد أسباب توحشها خلال الفترة الماضية، وتركزها وسط دوائر أوروبية رسمية، حيث تعاني أوروبا حاليا من أعنف أزمة طاقة ناتجة عن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وفرض عقوبات غربية على قطاع الطاقة الروسي؛ ما جعل الغاز الروسي يتوقف عن القارة العجوز، والتي تدخل الشتاء الأكثر صعوبة حاليا.

وسط هذا الواقع، يرى مراقبون أن جزءا من الحملات ضد مونديال قطر، والذي جندت له الدوحة كافة إمكاناتها لإنجاحه باعتباره سيعكس قدرات الدولة الخليجية، بل والمنطقة بأسرها أمام العالم، غير منفصل عن محاولات أوروبية لابتزاز قطر في ملف الطاقة، حيث فوجئ الأوروبيون بأن القطريين يرفضون تزويدهم بالغاز بشروط اعتبرتها الدوحة مجحفة، وأبرزها سعي أوروبا لتحديد سقف لأسعار الطاقة.

لم تتردد قطر في التأكيد على أن فرض سقف للأسعار يعد تدخلا صارخا في آليات السوق الحر وانتهاك لقواعد المنافسة وخلق حالة من عدم اليقين بشأن حجم استخراج النفط والغاز، حسبما أكد وزير الطاقة القطري "سعد الكعبي"، في تصريحات مؤخرا، ملمحا إلى إمكانية وقف الغاز القطري إلى أوروبا، في حال مضت الأخيرة قدما في محاولات الابتزاز.

أهداف كبيرة

الملاحظة الثانية في تلك الحملات، هو أن دوافعها كان واضحا أنها ليست عارضة أو آنية، وأنها أكبر، في جوهرها ومضمونها، من موضوع استضافة كأس العالم؛ إذ تنوعت، في حدّها الأدنى بين التشويه والتشكيك والتحريض، بغية ابتزاز قطر، أو الضغط عليها، وصولًا، في حدّها الأقصى، إلى المطالبات اليائسة بسحب حق الاستضافة تحت حججٍ متنوعةٍ، تراوحت بين رشوة الفيفا، وموت العمّال الأجانب خلال تشييد المنشآت الرياضية، وسجن المثليين أو التضييق عليهم، والطقس الحار في قطر، ما يُخفي رغبة في استهداف ما تمثله البلاد من تطور تنموي وإداري وتشريعي لافت، مقارنة بسياقها الخليجي.

أطراف التشويه

الدنمارك وألمانيا وفرنسا، يمكن القول بأنهم قادوا حملات التشويه التي تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة، وقد تسبب الأمر بأزمة ديبلوماسية بين قطر وألمانيا، إثر تصريحات لوزيرة الداخلية "نانسي فايسر"، والتي تجاوزت مسائل انتقاد التنظيم وحقوق الإنسان إلى الذهاب لفرضية عدم منطقية إسناد البطولة "لمثل هكذا دول"، على حد قولها.

النزعة العنصرية الواضحة في تصريحات "فايسر" أشعلت غضب الدوحة، وهو غضب بالكاد بدأ يهدأ قليلا بعد مبادرة الوزيرة لزيارة العاصمة القطرية، وهي الزيارة التي جاءت بطعم الاعتذار للمسؤولين القطريين، بعدما استدعت قطر السفير الألماني ووبخته وحذرته من ردة فعل الدولة العنيف ضد أي انتقاص منها أو عنصرية.

وفي الدنمارك، يرى مراقبون أن الدوائر الإعلامية وحتى بعض الرسمية في البلاد، لم تهضم الموقف القطري القوي منذ "أزمة الرسوم الدنماركية المسيئة" للنبي ﷺ (عام 2005)، وبدؤوا خلطا للحقائق والتهيؤات في المواقف من الدوحة بصورة عامة، وهذا هو ما حكم حملات التشويه الدنماركية، وصولا إلى إقدام منتخب البلاد على ارتداء قمصان مطموسة، فيما قال إنها اعتراضا على تردي حقوق العمال في الدولة الخليجية، وهو إجراء استنكرته الدوحة.

كيف ردت قطر؟

هنا العنصر الأكثر أهمية، حيث يرى متابعون أن  الردود والمعالجات القطرية إزاء تلك الحملات جاءت بمنهجية دبلوماسية "رصينة" و"حازمة" في نفس الوقت، وهو التوازن الذي جعل الرد القطري "توليفة ناجحة وفاعلة".

وبدأ الأمر من رأس الدولة، أمير البلاد الشيخ "تميم بن حمد آل ثاني"، خلال خطابه أمام مجلس الشورى القطري في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حيث أرسى بوضوح نظرة قطر للأمر، حينما أكد أن حسن النية الذي بدأت به لمواجهة حملات الأكاذيب العنصرية ضدها "لن تستمر" أمام ضراوة تلك الحملات مؤخرا.

وعلى الرغم من التزام الدوحة بقيم الحوار وآليات الحلول السياسية والدبلوماسية وتقديم الحقائق، يبدو أن الدبلوماسية القطرية تتجه نحو التعامل بحسم أكبر مع زيادة حدّة الهجمات الدعائية على الدولة، كما حدث في الردّ على تصريحات وزيرة الداخلية الألمانية "نانسي فايسر".

وتلقف التوجيه من أمير قطر، أجهزة الدولة، فتحرك وزير الخارجية القطري الشيخ "محد بن عبدالرحمن آل ثاني" ليؤكد للعالم أن الدوحة لن تلتزم الصمت أمام تلك الحملات بل سترد بالحجة والبرهان، وتمثل جزء مهم من تلك الحجة في تحركات وزير العمل القطري "علي بن صميخ المري"، في مقابلة مع وكالة  الأنباء الفرنسية في أوائل الشهر الجاري، ثم الذهاب إلى البرلمان الأوروبي، قبل ساعات، ليقدم ما فعلته قطر في ملف العمال الذي كان أحد أبرز أسباب مرتكزات الحملات العنصرية.

وأمام البرلمان الأوروبي، وقف الوزير القطري لينبه من خطر انزلاق الأمور وتجاوزها كل حدود المنطق، قائلا إن "الانتقادات" ضد قطر تحولت إلى "حملة عنصرية وكراهية" ضد الشعب القطري.

وقال الوزير القطري إن "هناك مبالغات ومزايدات وعنصرية تجاه تنظيم بلاده لهذه المناسبة العالمية"، مؤكدًا أن قطر تقبل الانتقادات البنّاءة، لكنها ترفض الاعتماد على المصادر المغلوطة.

واعتبر أن "الانتقادات التي تتعرض لها قطر وبطولة كأس العالم ترقى إلى إرهاب فكري وإعلامي وحرب نفسية بدواعي عنصرية من بعض الجهات التي لا يروق لها تنظيم البطولة في قطر"، لافتا إلى أن المونديال هو حلم لأجيال عربية ومسلمة سيتحقق على أرض قطر.

خبرات كسر الحصار

وكان لافتا أن قطر استخدمت خبرات كسر الحصار التي مكنتها من تجاوز أعنف أزمة كان من المنتظر أن تعصف بها كدولة، خلال الحصار الذي بدأته دول خليجية وعربية ضدها في 2017، إلى أن انتهى في 2021، بنجاح قطري في تجاوز كل ما حدث دون أن يؤثر عليها، بل على العكس كان الحصار مناسبة جيدة للانطلاق في قطاعات استراتيجية.

في هذا الإطار تحركت قطر ضد حملات تشويه المونديال، عبر التزام خطابٍ متوازن، والاعتماد على الذات، وتجميع الجهود الوطنية وتنميتها لتحقيق أهداف الدولة، مع وضع حملات التشويه في حجمها الطبيعي، والاستمرار في الطموح وتكثيف الجهود، لإنجاز مونديالٍ متميز، يقدّم الوجه الحضاري للقطريين والعرب والمسلمين.

ولم تتردد قطر في استخدام كافة مقومات قوتها الناعمة، واقتصادها المزدهر، وموقعها كمركز للغاز والتجارة، وسياستها الخارجية الديناميكية، التي تقوم على شراكاتٍ استراتيجية متوازنة على الصعيدين، العالمي والإقليمي، لصد هذه الهجمات بفاعلية ملحوظة حتى الآن.

وكان لافتا تفاعل مجلس التعاون الخليجي ودول عربية مع حملات التشويه ضد قطر قبل المونديال، حيث بادرت باستنكارها وإعلان التضامن مع الدوحة، وهو الأمر الذي فعله ناشطون وإعلاميون ومغردون ذوو ثقل دشنوا حملة "أنا عربي وأدعم قطر".

هنا تحديدا، يقول متابعون إن هناك "حالة إدراك خليجية عربية استثنائية" تبلورت للتضامن مع قطر من أجل الخروج بحدث عالمي، يمثل فرصة نادرة لتقديم "النموذج العربي الحضاري" للعالم، والتصدّي لحملات التشويه والمليارات التي يجري إنفاقها لتشويه صورة العالمين، العربي والإسلامي.

ماذا ننتظر؟

واقعيا، لن تتوقف حملات تشويه مونديال قطر، حتى بعد انطلاقه، لذلك يبدو أن الدولة الخليجية ستظل شاهرة أسلحتها الدفاعية إعلاميا ودبلوماسيا بشكل إيجابي، بالتزامن مع عملها على ضبط مصفوفة التنظيم للبطولة لضمان عدم خروج أية أحداث عن الخط.

من هنا، جاءت جولة أمير قطر الأخيرة، بصحبة رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "جياني إنفانتينو"، الإثنين، لمركز قيادة البطولة في مقره الرئيسي بمركز الدوحة للمعارض، لتؤكد للعاملين بالمركز أولا، وللعالم، أن قيادة البلاد ستكون على رأس الحدث طوال فترة البطولة.

المصدر | الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

مونديال قطر كأس العالم 2022 تشويه مونديال قطر عنصرية حصار قطر

ذوو الاحتياجات الخاصة يترقبون مونيدال قطر.. لماذا؟