الاثنين 30 مايو 2016 01:05 ص

لأسباب عملية، إضافة إلى أسباب أخرى أيديولوجية، فإن المتشددين لا يزالون يواصلون سيطرتهم على طهران. بطريقة أو بأخرى، فإن أولئك المعتدلين الذين تم انتخابهم مؤخرا في طهران لا يبدو أن لهم تأثير كبير على القرارات الفعلية.

وقد تم اختيار رجل دين إيراني متشدد له موقعه في هيكل السلطة في البلاد منذ الثورة الإسلامية عام 1979 الأسبوع الماضي لقيادة مجلس الخبراء وهو الهيئة الدينية التي سيكون من صلاحياتها اختيار المرشد الأعلى القادم للبلاد.

ويشير اختيار «آية الله أحمد جنتي»، البالغ من العمر 89 عاما، وهو محافظ متشدد سبق أن دعا إلى إعدام نشطاء المعارضة بعد الخلاف حول نتائج الانتخابات الإيرانية عام 2009، كما سبق أن دعا العراقيين إلى القيام بتفجيرات ضد القوات الأمريكية في العراق عام 2003، إلى أن المتشددين لا يزالون يتمتعون بكامل نفوذهم في طهران على الرغم من الاتفاق النووي الأخير مع القوى العالمية.

خلال التصويت الذي جرى يوم الثلاثاء الماضي، حاز «جنتي» تأييد 55 عضوا من أصل 88 عضوا من أعضاء الجمعية، ونجح في هزيمة المرشحين للمنصب، وهما المعتدل «إبراهيم أميني» والمحافظ «محمود هاشمي شارودي». وسوف يشغل «جنتي» مقعد رئاسة المجلس لمدة عامين.

ومع بلوغه سن 89 عاما، فإن نفوذ «جنتي» نفسه على السياسة الإيرانية ربما يكون محدودا. ولكن إذا كانت كتلة المتشددين قد نجحت في تأمين 55 صوتا من إجمالي 88 صوتا لمرشحها المفضل يبدو من المرجح أن المرشد الأعلى القادم للثورة الإيرانية سوف يكون على نفس القدر من التشدد والمناهضة للولايات المتحدة.

نفوذ المتشددين

بالنسبة لأولئك المتحيرين من هذا الاستعراض للقوة الذي يقوم به المتشددون، فإن الأمر يستحق إلقاء نظرة إلى الوراء للتطلع نحو التعليقات الأكثر ذكاء في وقت الانتخابات البرلمانية التي جرت في هذا الشتاء. في الوقت الذي كان فيه «بن رودس» يتغزل في انتصار المعتدلين ويصفه بأنه فوز كبير لسياسة البيت الأبيض، فإن أولئك الذين ينظرون إلى بواطن الأمور كانوا يرون شيئا مختلفا. وقد كتب «إيلي لايك» في ذلك التوقيت يقول: «ابتداء من يناير/كانون الثاني، بدأ مجلس صيانة الدستور في تطهير أي من المرشحين الذين أبدوا انحرافا عن سياسة المرشد الأعلى السبعيني للبلاد، آية الله علي خامنئي».

المرشحون الذين أعلنوا عن رغبتهم في الإفراج عن السجناء السياسيين، بما في ذلك قادة الحركة الخضراء التي يشعر العديد من الإيرانيين أنها استحقت الفوز في انتخابات عام 2009، قد تم استبعادهم. تم استبعاد حتى بعض أعضاء مجلس الخبراء، الذين سبق لهم أن اجتازوا الفحص. كذلك تم استبعاد حفيد المرشد الأعلى الأول لإيران، «آية الله الخميني». ويبدو من المهم هنا إعادة صياغة ما قاله «ويندي شيرمان»، المفاوض الأمريكي السابق في مفاوضات إيران والذي أكد أن الإيرانيين كانوا ينتخبون بين المتشددين والأكثر تشددا. باختصار فإن نغمة فوز المعتدلين لم تكن سوى قطعة جديدة من الدعايا التي بثها البيت الأبيض في الوعي الوطني.

ما يحدث في الواقع في إيران ليس علاقة بذلك الحديث السعيد الدائر حول الملالي المسالمين، والثيوقراطية المعتدلة التي يرغبون في تطبيقها. للأسف فإن القيم المتشددة راسخة في النظام الإيراني والسياسة الخارجية الإيرانية، وليس بإمكان البيت الأبيض أن يغير من حقيقة هذا الواقع الكئيب.

التشدد كمكون للسياسة الإيرانية

إيران هي دولة متعددة الأعراق، مثل الاتحاد السوفيتي، أو الإمبراطوريتين العثمانية والنمساوية المجرية. الأكراد والأذربيجانيون والعرب والبلوش وغيرهم الكثير يتشاركون في أراضي الجمهورية الإسلامية مع الفرس الذين 60 في المائة فقط من مجموع السكان. لم تكن هذه المجموعات العرقية دائما سعيدة تحت الهيمنة الفارسية. وقد ثار الأكراد ضد إيران تماما كما فعلوا مع ضد تركيا وسوريا والعراق. وقد قام كل من الأذريين والأكراد بالفعل بتأسيس دول مستقلة تحت وصاية السوفيت بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن الضغوط من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أجبرت القوات السوفيتية على الانسحاب والسماح لطهران لاستعادة السيطرة.

تحتاج الجمهورية الإسلامية إلى رابطة أيديولوجية للحفاظ على وحدة البلاد. هذا هو ما تفعله الهوية الشيعية. (هذا لا يعمل في بلوشستان السنية ولكن الغالبية العظمى من المواطنين الإيرانيين متعددي الأعراق هم من الشيعة). كدولة شيعية، يمكن للحكومة في طهران أن تخاطب جمهورا أوسع من أولئك الذين ينتمون إلى القومية الفارسية تماما كما ساعدت الشيوعية على لحمة المجموعات العرقية المضطربة في الاتحاد السوفيتي. إذا قررت طهران أن تضحي بهذه الحافة الشيعية فإنها بذلك خاطر بمواجهة نفس النوع من القوى النابذة التي مزقت العديد من الدول متعددة الأعراق في العقود الأخيرة بداية من الاتحاد السوفيتي إلى يوغوسلافيا والآن سوريا والعراق.

ولذلك فإن قيادة أكثر اعتدالا في طهران سوف تخاطر بأن تصبح مثل نظام «جورباتشوف» الذي قام بكسر الأيديولوجية الشيوعية فتسبب في انهيار الاتحاد السوفيتي. ليس المتشددون عن قناعة وإيمان فقط في النخبة الحاكمة الإيرانية هم الذين يريدون تفادي مصير «جورباتشوف»، ولكن البراغماتيون أيضا يدركون أهمية الأيدولوجية الشيعية حتى لو كانوا بشكل شخصي يرغبون في الحياة في أجواء أكثر ليبرالية.

ولكن إذا كانت وحدة إيران مرهونة بالتشدد السياسي الشيعي فإن ذلك يعني موقفها الدولي سوف يكن منبوذا خاصة من قبل الولايات المتحدة و(إسرائيل). ترغب إيران في أن تصبح قوة عظمى عالمية عن طريق الهيمنة على الشرق الأوسط الغني بالنفط. الحلفاء الشيعة (الذين يمثلون نسبة كبيرة في دول الخليج مقارنة بسائر المنطقة) يمكن أن يمثلوا جنود المشاة في خطط إيران مثل العلويين في سوريا وحزب الله في لبنان والذي يقوم بدوره بتقديم المساعدة إلى الحوثيين في إيران.

ولكن العمل مع الشيعة لا يكفي: إيران بحاجة إلى شرعنة وجودها بوصفها قوة مهيمنة في منطقة يغلب عليها العرب السنة. تحاول إيران تقديم نفسها بوصفها القائد الحقيقي الوحيد للمقاومة ضد الإمبريالية الأمريكية والعدوان الصهيوني. هذا يساعد على تشويه سمعة القوى السنية التي تبدو في معظمها حليفة للولايات المتحدة وبخاصة المملكة العربية السعودية. في حال تخلت إيران عن العداء للولايات المتحدة ومعاداة الصهيونية كأجزاء من سياستها الخارجية كجزء من الاتجاه نحو الاعتدال، فإنها سوف تفقد ساقها الأيديولوجي الذي ترتكز عليه في كسب القلوب والعقول في منطقة الشرق الأوسط.

بالنسبة لإيران، فإن التخلي عن سياستها المتشددة يعني ببساطة المخاطرة بتهديد وحدة البلاد والتخلي عن طموحاتها الخارجية. هذا ليس مستحيلا: يظهر مثال «جورباتشوف» أنه يمكن لقوة إمبريالية أن تقوم بتعديل موقعها الإقليمي والدولي لتصبح أكثر اعتدالا. ولكن لسوء الحظ فإنها لن تصبح إمبراطورية عظمى في المستقبل حيث سف تحذو حذو إمبراطورية «جورباتشوف» والخسارة التي منيت بها موسكو لمكانتها كقوة عظمى.

لا يمكننا فهم قوة السياسة في إيران دون أن نعي أن المقربين من طبقات السلطة في البلاد يعون هذا الأمر بشكل واضح. الأساس الديني للدولة ليس ببساطة شيئا يمكن للنخبة الإيرانية الحاكمة أن تزيحه بعيدا مهما كانت مشاعرهم وتوجهاتهم الخاصة. الملك «جيمس الأول» ملك إنجلترا غالبا ما كان يسكت الكهنة الكالفينيين الذي يطالبونه بإصلاح الكنيسة عبر التخلص من الأساقفة بالقول:«لا أساقفة يعني لا ملك». ما كان يعنيه بوضوح أن الهيكل السياسي للبلاد واستقرار عرشه يعتمدان على دعم الأفكار الدينية والهياكل المنصوص عليها في الأسقفية. هو لم يكن ينوي تعديل سلوكه الشخصي ليتوافق مع العقيدة المسيحية المحافظة، ولكن على سبيل السياسة، فقد قال إنه يفهم أن القوة المؤسسية للكنيسة كانت دعامة لا غنى عنها بالنسبة لسلطته. في إيران اليوم، يمكننا أن نقول أنه «لا ملالي يعني أنه لا دولة». بدون تلك الأفكار الدينية الشيعية والهياكل الهرمية للمؤسسة الدينية وبدون فكر المقاومة الإسلامية الذي يرتكز على كراهية أمريكا و(إسرائيل)، فإن إيران لن تعود هي تلك القوة الهائلة التي آلت إليها.

هذه الحقائق لا تعني أن علينا أن نيأس من احتمالات التغيير في إيران أو أن نستسلم لحتمية الصراع بين إيران والولايات المتحدة. تعلمنا خلال الحرب الباردة أنه يمكننا أن نعقد أحيانا صفقات براغماتية مع منافسين استراتيجيين، وهناك أسباب وجيهة تفسر لماذا ينبغي على الولايات المتحدة وإيران تجنب الحرب حتى في الوقت الذي تتحرك فيه الولايات المتحدة لتحجيم أفعال إيران العدائية.

ولكن التغيير سيكون بطيئا. يشير المتفائلون إلى المثال السوفييتي، بحجة أن استراتيجية الاحتواء يمكن أن تكون فعالة، وأن هذا الحماس الأيديولوجي لا يدوم إلى الأبد. العقائد الحارقة لجيل ما غالبا ما تتحول إلى مجرد تقاليد للجيل الثاني ثم إلى كليشيهات متآكلة في الجيل الثالث. هذا هو ما حدث للشيوعية ومن المحتمل أن يحدث أيضا داخل إيران في الوقت المناسب.

ربما يكون هذا صحيحا. ولكن احتمالات ظهور «جورباتشوف» إيراني لا تزال ضعيفة. يقلل المتفائلون من تقدير حوافز المتشددين التي لا تستند فقط إلى الصدق والحماس بقدر ما تستند إلى حسابات براغماتية. الرئيس الصيني ليس مجرد شيوعي متعصب ولكنه ليس على استعداد أن ينحي الفكر والتنظيم السياسي الذي صعد به إلى القمة. هناك عدد قليل جدا من الشيوعيين المؤمنين في الصين ولكن الحزب الآن أكثر قوة مما كان عليه في التسعينيات. وهناك الكثيرون داخل الحزب الشيوعي الصيني الذين يعتقدون أن الماركسية هي مجرد كومة من هراء سخيف. ولكن مجرد كون الايدولوجيا حمقاء أو عفا عليها الزمان لا يعني أنها فقدت فاعليتها كأداة للتماسك الاجتماعي والتشبث بالسلطة الوطنية. يظل الناس يؤمنون بالسلطة حتى بعد فترة طويلة من فقدانهم للإيمان بالمثل. أي قد من الاعتدال تبديه النخبة الإيرانية لا ينبغي أن يفسر بسذاجة على أنه اتجاه للاحتضان الساذج لمفاهيم الليبرالية الغربية الذي من شأنه أن يقوض السلطة ويهدد وجود الدولة الإيرانية.

المصدر | أميركان إنترست