الثلاثاء 21 يونيو 2016 06:06 ص

بعد غدٍ يصوّت البريطانيون في استفتاء على البقاء في الاتحاد الاوروبي أو الخروج منه، وطوال الأسبوعين الأخيرين بيّنت استطلاعات الرأي أن مؤيدي الخروج يتقدّمون رغم شكوى شعبية من غموض المعلومات والتقديرات التي وفّرها كلٌّ من المعسكرين للمصالح أو الخسائر التي تترتّب عن أيٍّ من الخيارَين. ويفيد أكثر السيناريوات تفاؤلاً بأن الاضطراب المالي والاقتصادي قد يستمر لخمس سنوات مقبلة على الأقلّ، في حال ترك الاتحاد، وأن الاستقرار لن يُستعاد فعلياً قبل سنة 2030.

أما الأكثر تشاؤماً فتعتبر أن شيئاً مما اكتسبه الاقتصاد البريطاني بوجوده في الاتحاد، من الجنيه الإسترليني القوي إلى لندن كمركز مالي مهم عالمياً، لن يتمكّن من المحافظة عليه من دون أوروبا التي ساعدته على التعولم، وأعطته ميزات خاصة كان آخرها اعتراف محكمة العدل الأوروبية للندن بحقّها في الحدّ من المساعدات الاجتماعية للمهاجرين الأوروبيين، بعدما كانت إلزامية.

في أي حال سيحسم هذا الاستفتاء بعض أكبر الجدالات والاحتقانات السياسية والاجتماعية التي عملت أجنحة أقصى اليمين المحافظ، تارة بحجة الكلفة العالية للعضوية في الاتحاد وطوراً باسم «السيادة» والخلاص من «ديكتاتورية بروكسيل (مقر الاتحاد الأوروبي)»، علماً بأن الشركاء الأوروبيين تفهّموا دائماً دفوع بريطانيا لعدم التزامها كل قرارات الاندماج السياسي.

ومع أن الدعوات إلى المغادرة بدأت قبل نحو عقدَين إلا أن عوامل عدة أسهمت أخيراً في تضخيمها دعائياً لتصبح بنداً دائماً في البرامج الانتخابية، أولاً بسبب ربطها بازدياد تدفق المهاجرين خصوصاً من البلدان الأوروبية التي انضمّت حديثاً إلى الاتحاد، وثانياً بسبب تصاعد المخاوف الأمنية وهواجس الإرهاب بفعل موجات اللاجئين.

كان رئيس الوزراء ديفيد كاميرون تعهّد في حملته لانتخابات 2015 إجراء هذا الاستفتاء، مفضّلاً الاحتفاظ بناخبي أقصى اليمين على الأخذ بنصائح واشنطن وتحذيراتها بضرورة البقاء في أوروبا. وقبل أن يعلن عن موعد الاستفتاء خاض كاميرون مفاوضات صعبة مع الاتحاد، واستطاع الحصول على حزمة جيّدة من الامتيازات والاستثناءات.

لكن مناوئيه خصوصاً من داخل حزبه قرروا أنها «غير كافية» وشرعوا فوراً في حملة شرسة قسمت بريطانيا على نحو غير مسبوق ولعبوا فيها على الغرائز بحيث أدى تأجيج الكراهية الى أن يقدم أحد مؤيدي حملة «المغادرة» على قتل النائبة «العمالية» «جو كوكس» خلال أحد أنشطتها في حملة «البقاء».

يتلاعب معسكرا الانسحاب من/ والاستمرار في الاتحاد الأوروبي بالأرقام ترغيباً أو تخويفاً. فمثلاً يقول «المنسحبون»- مروجو سيناريو الخروج- أن العضوية الأوروبية تكلّف بريطانيا 19.1 مليار جنيه سيكون متاحاً توفيرها لإنفاقها على تطوير النظام الصحّي، والكلفة الحقيقية 14.4 مليار يستعاد نصفها تقريباً لتصبح واقعياً 7.1 مليار بعد تحويلات الاتحاد إلى قطاعَي الزراعة والبحث العلمي وسواهما.

وبالنسبة إلى الاقتصاد هناك توافق بين الاقتصادين في بريطانيا ومؤسسات مثل صندوق النقد الدولي على أن الانسحاب سيجعل بريطانيا «أفقر» وفقاً لرؤى متفاوتة لحجم التأثير. غير أن حملة المنسحبين ترفض الاعتراف باحتمال حصول ركود أو تباطؤ اقتصاديين.

ثمة تلاعب أيضاً بحقائق ملف المهاجرين، فالاعتراض الرئيسي يركّز على الأوروبيين مع أنهم يدفعون الضرائب، وبالتالي فإن ضغوطهم على الرعاية الصحّية والتعليم العام أقلّ من ضغوط غير الأوروبيين الذين لا يدفعون ضرائب ويستفيدون من المساعدات الاجتماعية والخدمات، أي أن الشكوى من تأثيرات الاتحاد الأوروبي ليست في محلها.

وهكذا نجد أن حتى ملف الأمن جرى توظيفه في حملة تحوّلت إلى صراع على حزب «المحافظين» وتنافس بين مجموعات مصالح تريد أن تستعيد سياسات اقتصادية كانت سائدة في عقود ماضية، ولم تعد صالحة لهذا الزمن. ثمة الكثير في النوازع الشوفينية في أفكار «المنسحبين» ودوافعهم، لكنهم نجحوا في إشعال نقاش حيوي داخل بريطانيا رغم أنهم يبنون مشاريعهم المستقبلية على افتراضات تجريبية لا يضمنون نجاحها، ولا يملكون بدائل في حال الفشل.

هذا فضلاً عن أن خروج بريطانيا بات يهدّد الاتحاد الأوروبي نفسه بالتفكك، كما يشجّع كل الكيانات القومية والأثنية على المطالبة بالانفصال أسوةً بما فعلته اسكتلندا وبما ستكرره في ضوء نتيجة الاستفتاء. ولذلك لم يبقَ للمشكّكين في جدوى الانسحاب سوى أن تخطئ استطلاعات الرأي كما أخطأت قبل عام بالنسبة إلى انتخابات مجلس العموم.

قد يُحسم «الخروج البريطاني» على أوهام، فأنصار المغادرة سيصوّتون من أجل الأمن وضد الهجرة لكنهم في الأصل يريدون المغادرة بسبب الوضع الاقتصادي الذي لا يتحمّل الاتحاد الأوروبي مسؤوليته. كتب أحد المعلقين: لنعترف بأن الاتحاد ساعدنا حتى الآن على إخفاء فشلنا.

* عبد الوهّاب بدرخان كاتب صحافي لبناني.

المصدر | الاتحاد الظبيانية