الأحد 19 أكتوبر 2014 07:10 ص

من الجيّد أن تُصبح «فلاديمير بوتين» هذه الأيام. الرئيس الروسي «بوتين» بإمكانه أن يصيب معظم الدول الأوربية من حوله بهزّةٍ دون الخوف من أي عواقب؛ والسبب يرجع إلى اعتمادهم على الغاز الطبيعي الذي يخرج من أراضي روسيا. وفي الوقت ذاته؛ فإن عُملاء «بوتين» ربما يحملون باليوم الذي يأتي ويقولون له فيه: ”اشبع بغازك“. ولكن حتى تأتي اللحظة التي يستطيعون فيها العيش بدون الاعتماد على موارده فلن يكون النفوذ الدولي هو الشيء الوحيد الذي ينهار في روسيا والدول البترولية.

لا أتحدث عن نوع من الاستقلال في مجال الطاقة الذي ربما حصلت عليه الولايات المتحدة من التكسير الهيدروليكي، أو البرازيل من استثمارها لاحتياطات النفط في أعمق البحار، لكني أتحدث عن اليوم الذي يتوقف فيه الاعتماد على النفط والغاز كوقود للمركبات ولتدفئة المنازل. بالنسبة للحكومات التي تعتمد على عائدات النفط - كما تفعل روسيا – فقد يكون بمثابة يوم تصفية الحساب، فالتغيرات الأخيرة في الطلب على النفط والغاز والتقلبات في أسعارهما ما هي إلا مُجرد عرض مسبق لشريط سينمائي جديد بغية إستطلاع الرأي فيه.

التدفئة والسيارات هما أهم استخدامان للبترول الذي يقبع تحت رحمة التغير التكنولوجي في السنوات المقبلة. والآن؛ ما تزال الولايات المتحدة تستخدم ثلثي إنتاجها البترولي في إنتاج البنزين وعمليات التدفئة، والثُلث المتبقي يذهب كوقود للطائرات وتصنيع التروبين والبلاستيك ومنتجات أُخرى لن يكون من الضروري استبدالها بسيارات تعمل بالطاقة الكهربية أو السخانات الشمسية أو طاقة الرياح. وفي الوقت الذي يتراجع فيه الطلب على البنزين والتدفئة المعتمدة على النفط والغاز فإن أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي ستتراجع هي الأخرى. من ناحية أخرى فإن هذه المنتجات البترولية ستصبح رخيصةً وسيشتري منها المستهلكون الكميات التي يريدونها؛ الأمر الذي سيعتبره اقتصاديون بأنه عودة لطلب النفط والغاز. كما ستتسبب – بالطبع – الاقتصاديات الناشئة المتسارعة في النمو في زيادة الطلب أيضًا.

وعلى الرغم من ذلك؛ فإنه من المناسب أن نفترض أن عائدات بيع النفط والغاز ستنحسر خلال العقود القليلة القادمة في دولٍ - على الأرجح – يُنبيء مستقبلها بالكشف عن احتياطات جديدة؛ مثل نيجيريا والمملكة العربية السعودية. وقد تمتد المعاناة لتعاني منها صناعات مرتبطة بالبترول كالكيماويات والتكرير.

ما الذي يعنيه كل هذا لمستقبل الدول المنتجة للبترول؟ بالنسبة لكثير منهم فهناك اعتماد تام على عائدات النفط والغاز. قبل عامين نشر صندوق النقد الدولي ورقة حول ميزانية الصناعات الاستخراجية؛ تضمنت نسخة من الرسم البياني (اضغط هنا للاطلاع).

نجد أن أكثر من نصف الإيرادت العامة لعشرين دولة تعتمد على البترول، وهناك عشر دول أخرى ما بين نصف وربع إيرادتها تعتمد على البترول. وهذه الدول – بلا شك – عُرضة لتغييرات كبيرة تطرأ على كميات وأسعار النفط والغاز التي يعرضونها للبيع. ولكن أيًا منهم سيصعب عليه التأقلم؟

التنوع في اقتصاديات هذه الدول سيكون أحد العوامل التي ستؤثر عليهم. وبالنسبة لدولٍ تعتمد على البترول في جزء كبير من عائداتها لكنه ليس غالبية الناتج الاقتصادي الإجمالي فسيكون هناك إمكانية لتوسيع قاعدتها الضريبية. وبالرجوع إلى الرسم البياني أعلاه والذي يستهل بقطر؛ فإن كافة الدول تعتمد على البترول بنسبة أقل من خُمس إجمالي الناتج المحلى. لكن بعضهم ضعيف في جمع الضرائب؛ والتي تُعدُّ طريقًا ممهدًا ليسلكوه في حالة تراجع مكاسب النفط والغاز.

وطبقًا للتقديرات التي تمّ تصنيفها ما بين عامي 2005 – 2007م من قبل «أندرياس بوين» من كلية الاقتصاد بجامعة (أوتريخيت) و«فريدرك شنايدر» من جامعة (يوهانس كبلر) في لينز النمساوية فإن السوق السوداء قد تُشكّل أكثر من نصف إجمالي الناتج المحلي في نيجيريا، وأكثر من 40% لتشاد وروسيا وميانمار وساحل العاج؛ (بالطبع؛ ربما يكون ذلك السبب وراء اهتمام الحكومة بعائدات النفط وأهميته لميزانياتهم).

علاوة على ذلك؛ فإن العديد من الدول المعتمدة بكثافة على البترول تقدم خدمات عامة ضعيفة رغم ما تجنيه من إيرادات. من بين الدول الخمسة ذات قاعدة الضرائب المتقاربة هناك أربعة – تشاد وساحل العاج وميانمار ونيجيريا – مُصنّفة في قاع أفقر الحكومات فاعلية على المستوى العالمي بحسب مؤشرات إدارة الحكم العالمية التابعة للبنك الدولي. وفي الوقت الذي تتهاوى فيه أسعار النفط والغاز بقوة فإن هذه الدول ربما تنهار تمامًا.

هذا أيضًا كان قرار مؤشر الدول الهشة - الذي تنشره «فورين بوليسي» سنويًا – عن تشاد؛ والتي صُنّفت كسادس دولة أكثر هشاشة في العالم. ساحل العاج في الترتيب 14، ونيجيريا 17، وميانمار 24.

لذا ما الواجب على مثل هذه الدول فعله لتعزيز مكانتها في المستقبل؟ باديء ذي بدء فإن هذه الدول ربما تُحاول استخدام إيرادتها البترولية لتضفي مزيدًا من التنوع على اقتصادها. هناك دول بالفعل بدأت تتحرك في هذا السياق؛ فعلى مدار ثلاثين عامًا؛ وتحديدًا من عام 1983م حتى 2012م لا توجد دولة حصلت على 20% من إجمالي الناتج المحلي من النفط والغاز – طبقًا لإحصائيات البنك الدولي التي تختلف نوعًا ما عن صندوق النقد الدولي. لقد ارتفعت الأسهم بشكلٍ نموذجي لكن عادت لتتراجع مع الأسعار؛ وهذا التراجع لم يكن طويل الأمد.

الدول المتنوعة الأخرى في الوقت الراهن بنسبة لا تقل عن 40% من إجمالي الناتج المحلي من النفط والغاز هي جمهورية الكونغو والكويت وليبيا والسعودية والعراق والجابون وأنجولا وسلطنة عُمان (تيمور الشرقية ربما تكون من بينهم طبقًا لإحصائيات صندوق النقد الدولي، لكن البنك الدولي ليست لديه أي بيانات بخصوص ذلك). بالنسبة لمعظم دول الخليج فقد يكون الأمر أكثر قلقًا لهم؛ حيث إن صندوق الثروة السيادية ممتليء، لذا فأمامهم مجالاً أوسع للمناورة في حالة تراجع أسعار الطاقة. لكن بالنسبة للآخرين فدرجة المرونة أقل.

 

Sovereign wealth funds and GDP in billions of dollars
Source: Sovereign Wealth Fund Institute, International Monetary Fund

Country Sovereign wealth fund(s) GDP SWF % of GDP
Republic of Congo $0 $15 0%
Gabon $0.4 $21 2%
Angola $5 $130 4%
Iraq $18 $248 7%
Oman $19 $82 23%
Saudi Arabia $743 $773 96%
Libya $66 $59 112%
Kuwait $410 $185 222%

 

في حالة أن تشاد وساحل العاج ونيجيريا وميانمار تعرضوا على المدى القريب لتقلبات في أسعار الطاقة، فإن جمهورية الكونغو والجابون وأنجولا والعراق ستواجههم مشكلات محتملة على المدى البعيد. ولن يكون من السهل أمامهم نقل اقتصادهم لعالم ما بعد البترول. وإذا كانت هناك فرصة وشيكة للبدء في الانتقال لهذا العالم فذلك سيكون أفضل.

المصدر | دانييل ألتمان، فورين بولسي