الأحد 19 أكتوبر 2014 06:10 ص

وضعية «حزب الله» اللبناني، الذي برز طيلة سنوات عدة كظاهرة فريدة في المنطقة، على الأصعدة الاستراتيجية والإقليمية والشعبية (العربية والشيعية في آن) ومقاومة إسرائيل، بات أشبه هذه الأيام بسفينة فَقَدَت البوْصلة، وتخوض في بحر مُتلاطم، لا أثر فيه لأي يابسة أو مرفإٍ آمن. 

فوضوح الرؤية الإستراتيجية والمبدئية، الذي كان سمة الحزب طيلة حقبة التسعينيات، حين خاض بنجاح حرب تحرير جنوب لبنان، حلّ مكانها الآن التخبّط والضبابية واختلال سلّم الأولويات.

هذا الوضوح نفسه، استمر بعد حرب 2006 مع إسرائيل، على رغم أن الحزب اضطر إلى قبول مرابطة قوات حلف الأطلسي في الجنوب (القرار الدولي 1701) وبالتالي، تعليق ملف المقاومة تحرير مزارع شبعا، لأن جماهيره ومؤيّديه قبلوا المنطق الذي يقول إنه لا ضرر من تحوّل المقاومة إلى ممانعة، عبْر ممارسة سياسة الرّدع مع الدولة العبرية.

بيْد أن كل ذلك انقلب رأساً على عقِب مع الانخراط الشامل للحزب في الحرب الأهلية (الطائفية) السورية. في البداية، أقنع الحزب جمهوره بأنه ذهب إلى سوريا لحماية القُرى الشيعية ذات الأصل اللبناني فيها. ثم زاد على هذا المبرِّر، مسألة حماية مقام السيدة زينب في دمشق وبقية المقامات الدينية الشيعية فيها، قبل أن يُعلِن السيد «حسن نصر الله» بصريح العبارة في عام 2013، وعقب لقاء مفاجئ مع مرشد الثورة الإسلامية في إيران «آية الله خامنئي»، أنه قرّر خوْض المعركة بشكلٍ علني وشامل، دعماً لنظام الرئيس «بشار الأسد». ولم يكتفِ «نصر الله» بذلك، بل أرفقه بتقديم وعْد إلى قاعدته الشعبية بـ«تحقيق النصر هناك» في وقت قريب.

بيْد أن الحزب كان يعلَم أو كان يجب أن يعلَم، أنه دخل نفَقاً بِدَهاليز تكادُ لا تنتهي وبأن الكلفة ستكون باهظة، يُقال أنها تخطّت آلاف القتلى والجرحى (حتى الآن) في صفوف مقاتليه. كان التصوّر أن زجّ قوات الحزب بأرقام غير معروفة تتراوح بين 5 آلاف إلى 20 ألف مقاتل ومسلّح وإداري في الأتون السوري، سيقتصر على توفير الحماية للنظام السوري في جبهة الحدود مع لبنان، يستأنف بعدها الحزب العمل كالمعتاد كحركة مقاومة ودرع رادع لجبهة الممانعة الإيرانية – العراقية - السورية.

لكن يتّضح الآن مدى الخطأ الإستراتيجي لهذا التقدير. فالنظام السوري، وعلى رغم الدّعم الإيراني الهائل له مالياً (20 مليار دولار سنوياً على ما يقال، تتضمّن كل رواتب موظفي الدولة السورية)، وعسكرياً (عشرات آلاف المقاتلين الشيعة من لبنان والعراق وإيران وباكستان وأفغانستان.. إلخ)، فقَـدَ أكثر من نِصف الأراضي لصالح المعارضة المسلحة ومعها كل الحدود السيادية مع تركيا والعراق والأردن، ما عدا لبنان، واتّضح عجزه الإستراتيجي الواضح عن فرض حلوله الأمنية.

هذا الواقع، فرض على «حزب الله» تحدِّيات لا سابق لها على الصُّعد العسكرية والسياسية – الشعبية وحتى الاقتصادية. كيف؟

جبهة القلمون

لنبدأ بالجانب العسكري. التدخّل العلني الكثيف لحزب الله في الحرب السورية، بدأ في 15 نوفمبر 2013، حين خاض مع الجيش السوري معارك القلمون العنيفة. وعلى رغم أن الحزب تكبَّد خسائر بشرية كبيرة، إلا أنه كان في الواقع بيضة القبان في المعارك، بعد أن تبيّن أن العديد من وحدات الجيش السوري النظامي تهتم بالغنائم الشخصية، أكثر من اهتمامها بربح المعارك. وحين سقطت بلدتيْ القصير ويبرود في يد الحزب والجيش، كان في وُسع إعلام الحزب أن يُعلن أنه نجح في «القضاء في القلمون على جهود النصرة وداعش لإقامة إمارة أصولية تمتد من لبنان إلى العراق، وتشطر سوريا إلى قسمين: دمشق وجنوب سوريا، وحمص وشمال شرق سوريا».

لكن، يتبيَّن الآن أن هذه كانت خُلاصات متسرِّعة للغاية. فقوات المعارضة التي انسحبت من مدن القلمون، لجَأت إلى جِبالها التي تعُجّ بالمغاور والاستحكامات العسكرية التقليدية. وبعد أن كان عديد قوات المعارضة في القلمون نحو خمسة آلاف، قفز الآن إلى 25 ألف مقاتل، وفق معلومات «مؤسسة دراسات الحرب» الأمريكية، التي أضافت أن طرد هؤلاء المقاتلين من المدن والبلدات القلمونية، جعلهم يخطِّطون لجعل مناطق البِقاع والشمال في لبنان، هدفاً أولاً لهُم. وجاء الهجوم الذي شنّته قوات المعارضة على عشرة مواقع لحزب الله في البقاع قبل أسبوعين، والذي ذهب ضحيته أكثر من عشرة مقاتلين من الحزب، وقبله اجتياح هذه القوات لبلدة عرسال، ليؤكِّد هذا المنحى.

والآن، سيكون على حزب الله مقاتلة المعارضة على الأرض اللبنانية وفي عُـقر داره البقاعي الذي شهد ولادته كقوة مقاتلة عام 1982، والذي يضم أيضاً العديد من مستودعات صواريخه بعيدة المدى، فيما العديد من وحداته تُقاتِل في حلَب ودمشق وإدلب، إضافة إلى القلمون.

.. وجبهة القنيطرة - راشيا

جنباً إلى جنب مع هذه الجبهة القلمونية التي باتت أشبَه بجرح مفتوح، يشعر الحزب بقلق شديد (وهو محق في ذلك) لِما يجري في جبهة محافظتيْ القنيطرة - درعا في الجنوب.

ففي الأسابيع القليلة الماضية، بدأت تتراكم المُعطيات التي تشير إلى أن جنوب سوريا سيكون الجبهة الرئيسية الجديدة في الحرب السورية، بعد أن سيطرت قوات المعارضة على معظم الأراضي المحاذية لخطوط الهدنة السورية – الإسرائيلية لعام 1974، بما في ذلك المنطقة منزوعة السلاح أو منطقة الفصل، التي أبقاها النظام السوري هادئة طيلة أربعين عاما.

وجه الخطورة في هذا التطور، يتمثل في أمريْن استراتيجيين إثنين: الأول، أن قوات المعارضة ربّما تكون خلال الأسابيع أو الأشهر القليلة المقبلة، قادرة على تحقيق الاتصال بين وحداتها في محور القنيطرة ودرعا، ثم الاندفاع نحو لبنان في منطقة راشيا - العرقوب. وفي حال تمكَّنت المعارضة من إقامة شريط عسكري آخر من حدود عكار في شمال لبنان إلى حدود مزارع شبعا المحتلّة في الجنوب، سيكون حزب الله مضطراً إلى خوْض معارك طاحِنة في مساحة شاسعة، تمتد من أقصى جنوب لبنان إلى أقصى شرقه وشماله. هذا بالطبع إضافة إلى معاركه في الداخل السوري. وهذا بعيْنه، سيكون هو التمدّد الإستراتيجي الزائد والخطير.

الأمر الثاني، هو أن الجنوب السوري قد يكون هو المنطقة التي سيعمل فيها التحالف الدولي ضد داعش على بناء جيش سوري جديد من «المعتدلين» يتراوح عديده بين 15 ألفاً إلى 30 ألفا، بإشراف أمريكي – أردني - سعودي، وأيضاً بمشاركة إسرائيلية ما. وهذه النقطة الأخيرة، هي أكثر ما يقلق حزب الله. وربما كانت هي ما دفعته إلى تنفيذ عملية عسكرية صغيرة في مزارع شبعا قبل أيام، لتوجيه رسالة إلى تل أبيب، مفادُها أنه إذا ما غضّت هذه الأخيرة الطرف عن نزول المعارضة من الجولان إلى راشيا، فإنه قد لايتردّد في إعادة فتح الجبهة العسكرية معها.

الخيارات قد تكون أحلاما مُـرة

كما هو واضح، الوضع العسكري الإستراتيجي للحزب لا يبدو مُريحاً قط. والخيارات أمامه قد تكون أحلاما مرّة. فهو إذا ما قرر مثلاً بالاتفاق مع طهران، سحْب جزءٍ كبيرٍ من وحداته من سوريا، ربما يُعرّض القلمون وحتى دمشق إلى السقوط. وإذا ما بقي في سوريا دفاعاً عن نظام الأسد، فيما قوات المعارضة تجتاح مناطق شيعية في لبنان، سيضعه أمام ثورة شعبية شيعية حقيقية ضده.

وحتى لو لم تحدث كل هذه التطورات في جنوب سوريا - لبنان (وهذا أمر يبدو مُستبعَداً بشكل شِبه كامل)، سيكون ثمّة سؤال لا يقل خطورة: هل سيكون في وسع الحزب مواصلة حرب استنزاف لكوادره في سوريا، قد تستمر ثلاث أو حتى عشر سنوات؟ المنطق الذي يطرحه أنصار سوريا في لبنان، والذي يقول إن هذه الحرب تفيد في تدريب عناصر الحزب على معمودية القتال والدّم، ربما كانت مُقنعة لو أن شيعة لبنان مُقتنعون بمثل هذه الحرب، كما مثلاً مع حرب تحرير الجنوب.

سفينة حزب الله في مضائق خطرة

لكن المسألة ليست على هذا النحو، خاصة وأن حرب سوريا تحوّلت إلى صراع سُنّي - شيعي مكشوف، ما سيحرّك لدى شيعة لبنان المخاوف التاريخية من الصِّدام مع أكثرية العالم الإسلامي، التي قد تستأنف حينها ما انقطع من قمْع واضطهاد للأقليات الشيعية.

كذلك، وعلى الصعيد الاقتصادي، من المشكوك فيه كثيراً أن يتمكّن الحزب من الصمود طويلاً، خاصة وأن الاقتصاد الإيراني بدأ يعاني ما عانى منه من قبل اقتصاد الاتحاد السوفييتي، بعد أن أغرقه الغرب في سباقات التسلّح والنفوذ الإقليمي والدولي. الاقتصاد الإيراني يترنّح الآن واقتصاد حزب الله قد لا يتأخر في الترنُّح هو الآخر، بما لذلك من تأثيرات واسعة على قواعِده الشعبية.

سفينة «حزب الله» إذن، دخلت في مضائق خطِرة للغاية. وما لم تُغيِّر إيران طبيعة توجّهاتها من أولوية الحفاظ على نظام الرئيس الأسد إلى أولوية إخراج حزب الله اللبناني من ورْطته التاريخية - الإستراتيجية الراهنة، فقد تخسر في مرحلة ما كِلا هذين الحليفيْن معا.

المصدر | سويس إنفو