الثلاثاء 2 ديسمبر 2014 02:12 ص

إنها حرب أمريكية بامتياز. فأمريكا هي الرابح الاكبر وأعداؤها هم الخاسرون. من المفيد بداية أن نبين نقطتين رئيسيتين: 

الأولى: حسب مادة دراسية (كورس) يتم تدريسه في كلية الدراسات العليا للإدارة بجامعة هارفارد،

دراسة الحالة 096-383-9 بعنوان: «السيطرة على النفط العالمي»، «السيطرة على سعر النفط وكمية إنتاجه هما من ركائز الأمن القومي الامريكي».

تُنسِّق الولايات المتحدة مع العربية السعودية للسيطرة على أسعار النفط. عن ذلك قال الشيخ «احمد زكي اليماني» وزير البترول السعودي الأسبق: «لتدمير دول أوبك الأخرى، يكفي أن ندفع إنتاجنا إلى أقصى طاقته، ولتدمير الدول المستهلكة، يكفي أن نخفض معدلات إنتاجنا».

أما الثانية: فهي ما صرح به وزير الطاقة الامريكي ألن ريتشاردسون سنة 1999 حين قال: «لقد كان البترول محور القرارات الأمنية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة خلال القرن العشرين، والنفط كان وراء تقسيمات الشرق الأوسط إلى دويلات بعد الحرب العالمية الأولى».

المنتج المرجِّح

كانت الدولة المنتجة التي تقوم بدور “المرجح” Swinging power في السوق النفطي للسيطرة على الأسعار هي الولايات المتحدة حيث كان إنتاجها يفوق استهلاكها المحلي بعدة ملايين من البراميل في اليوم.

كانت ترفع الإنتاج متى أرادت هبوط السعر وتخفض الإنتاج متى أرادت رفعه. كان ذلك ممكناً حتى سنة 1970 حين تساوى الاستهلاك والانتاج الامريكي وبدأ الانتاح بعد ذلك بالهبوط التدريجي مما أفقد الولايات المتحدة قدرتها على التحكم بأسعار النفط العالمية، فأوكلت هذا الدور إلى المملكة العربية السعودية، والتي تملك كمًا هائلاً من النفط الفائض عن استهلاكها المحلي.

فأصبحت السعودية هي الدولة المرجحة بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة بل وبقيادة منها.

دعنا نعطي مثالاً على الدراسات والتنسيق التي تقوم بهما الولايات المتحدة مع شركائها الغربيين لتنسيق مثل هذه الحروب النفطية ومثالنا هو الحرب النفطية الاولى ضد الاتحاد السوفياتي.

في «دراسة سرية جداً» لوزارة الطاقة الامريكية  وجهتها إلى وزارة الخارجية في 24 أكتوبر/تشرين الأول 1984، جاء فيها: «سياستنا يجب أن تنحو نحو هبوط أسعار النفط بنسبة 30-40 بالمائة وذلك لتعافي الاقتصاد الامريكي».

وفي برقية عاجلة من وزارة الخارجية إلى سفارتها في لندن مصنفة «سري جدا»، جاء فيها: «وزير الخارجية مهتم جداً بدراسة سريعة عن تأثير هبوط  كبير في أسعار البترول». كان ذلك في البرقية رقم 081715 المرسلة في شهر مارس/آذار 1985.

الرابحون والخاسرون

الرابح الأكبر هو الولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا. أما الخاسر الأكبر فهي السعودية ثم مجموعة الدول الخليجية المنتجة الأخرى، ثم روسيا وفنزويلا، وأخيراً إيران. سنفترض أن معدل السعر للسنوات القليلة الماضية 110 دولار للبرميل مقابل 70 دولار للبرميل، لو بقيت هذه الحرب النفطية شهورا أو سنة.

للخروج من أزمتها الاقتصادية الخانقة منذ 2008، ضخت الولايات المتحدة مئات مليارات الدولارات، كان المستفيد الأكبر منها البنوك ومؤسسات وول ستريت التي استفادت من تلك المليارات دون أن ترشح الكفاية منها إلى الاقتصاد الأمريكي لتحفيز الاستهلاك.

لكن من المعلوم أن تخفيض سعر النفط هو عامل هام في تحفيز الاستهلاك، لأن فروقات السعر تذهب للمستهلكين مباشرة. فلو كان استهلاك الولايات المتحدة 18 مليون برميل يوميا، وبفارق 40 دولار للبرميل فذلك يعني 720 مليون دولار يومياً يستفيد منها مباشرة المستهلكون  الأمريكيون – وهذا يعني 21.6 دولار مليار شهرياً أو 259.2 مليار دولار سنويا.

تستخدم هذه الوفرات لتحفيز الاستهلاك ورفع النمو الاقتصادي، وكلها تبقى داخل الولايات المتحدة. علماً بأن 82% من إنتاج النفط الأمريكي كلفة إنتاجه في حدود 60 دولاراً للبرميل، وما تبقى كلفته في حدود 80 دولاراً للبرميل.

الخاسر الاكبر هي المملكة العربية السعودية. فحصتها من الإنتاج في «أوبك» هي حوالي 10 ملايين برميل، وبخسارة 40 دولاراً للبرميل كما أسلفنا تكون خسارتها اليومية 400 مليون دولار يومياً او 12 مليار دولار شهرياً أو 144 مليار دولار سنويا. في حين أن هذه الاموال يتم خسارتها خارج اقتصاد السعودية إلى الأبد.

الخاسر الاكبر الثاني هو روسيا الاتحادية التي يُمثل دخلها من النفط والغاز 70% من دخلها القومي. وخسارتها هي ملياران من الدولارات عن كل دولار يقل في سعر النفط مما يجعل خسارتها السنوية في حدود 120 مليار  دولار سنويا. لقد هبط سعر الروبل لمستويات غير مسبوقة في السنوات الأخيرة نتيجة العقوبات أولاً وحروب البترول هذه ثانياً.

ثالث أكبر المتضررين دول الخليج العربي مجتمعة مع العراق، خسارتها هي ايضاً بحدود 240 مليار دولار سنوياً.

رابعا، من أكبر المتضررين فنزويلا التي تعاني أصلا من أزمة مالية. أما إيران فلعلها أقل المتضررين لانخفاض إنتاجها النفطي أولا وتنوع روافد الاقتصاد الايراني ثانيا.

أما الدول المستفيدة الأخرى من هبوط الأسعار فهي الدول المستوردة للنفط كالاتحاد الأوروبي الذي يعاني أصلاً من ركود اقتصادي قد يساعد هبوط الاسعار في تجاوزه.

كذلك كبرى الدول المستوردة للنفط كالصين، والتي شهدت مؤخرا شيئا من الهبوط في النمو الاقتصادي – وكذلك الهند. كذلك فإن بلدا كالأردن يمكن أن يستفيد 6 ملايين دولار يوميا أو 2.16 مليار دولار سنويا. وذلك مبلغ كبير بالنسبة إلى اقتصاد بحجم اقتصاد الأردن، يُمثل حوالي 10% من حجم اقتصاد الأردن الكلي.

نستطيع اذن ان نستنتج أن البترول يمكن أن يكون سلاح تدمير شامل بأيدي أصحابه لو أحسنوا استخدامه. فلماذا لا يستعمل العرب سلاح التسعير وهو سلاح دمار شامل لدعم قضاياهم؟ الجواب: إنهم لا يملكون ذلك القرار فقد جيرّوه لغيرهم.

لماذا نضحي لأجل غيرنا ؟ 

في المادة الدراسية بجامعة هارفارد حول «السيطرة على النفط العالم» المذكورة أعلاه، جاء هذا الاقتباس:

«سأل أحد طلبة جامعة البترول السعودية في الظهران، وزير البترول بالمملكة العربية السعودية «أحمد زكي اليماني» في يناير/كانون الثاني 1981 مايلي:

«المواطن السعودي الذي ينظر إلى السياسة النفطية الحالية سيجد أن المملكة تنتج أكثر مما يحتاجه اقتصادها، وتبيع نفطها بأسعار أقل من المعدلات الجارية، بل أقل من الأسعار التي تبيع بها دول الخليج الأخرى. ومع ذلك فإن هذه التضحية تقابل بهجمات معادية من قبل الصحافة ووسائل الإعلام الغربي، بل وحتى من مسؤولين حكوميين كبار في الدول الغربية. ألا تعتقد بأنه حان الوقت لأن نتوقف عن التضحية بأنفسنا في سبيل إرضاء الاخرين؟».

لم يسمع الطالب السعودي جواباً على سؤاله!

* الاقتباسات الموجودة بهذا المقال مصدرها كتاب: "مستقبل البترول العربي في كازينو العولمة"،  للدكتور عبد الحي زلوم.

المصدر | رأي اليوم + الخليج الجديد