الثلاثاء 30 ديسمبر 2014 06:12 ص

يبدو أن الطفرة التي كانت تزين دول الخليج العربية مع أبراجها المتلالئة؛ والتي ساهمت في تضخم صناديق الثورة السيادية، وعملت على زيادة الاحتقان في عدد من الاضطرابات في المنطقة بشكل كبير، قد انتهت بعد انخفاض أسعار النفط بنحو 50% في الأشهر الستة الماضية.

لقد استخدمت المشيخات الثروة النفطية لإعادة تشكيل منطقتهم. وتشمل تلك المعالم جزرًا اصطناعية على أراضي مُستصلحة ومراكز مالية ومطارات وموانئ حوّلت الصحراء العربية إلى مركز للرحلات والأموال. كما تمّ إنفاق المال ببذخ لتفادي الاضطرابات الاجتماعية التي عمّت منطقة الشرق الأوسط خلال الربيع العربي.

«لقد عاشت المنطقة طيلة عشر سنوات ترفل في وفرة بالغة»، هكذا قال «سايمون وليامز» كبير الاقتصاديين في في مؤسسة «إتش إس بي سي» القابضة لوسط وشرق أوروبا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا مُضيفًا: «لكن هذ العِقد بدأ يزول. وسوف يضر انخفاض أسعار النفط بالأداء في المدى القريب حتى وإن كانت حوائط الصد في منطقة الخليج قوية بما يكفي لضمان أنه ليس هناك أزمة».

وانخفض خام برنت الذي بلغ متوسط 102 دولار للبرميل منذ نهاية عام 2009م إلى نحو 60 دولار في وقت سابق من هذا الشهر. وتسارعت وتيرة الركود بعد أن قررت منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» بقيادة المنتج الأكبر المملكة العربية السعودية في نوفمبر الماضي الإبقاء على كميات الإنتاج دون تغيير. وعند 65 دولار للبرميل؛ فإن الدول الست في مجلس التعاون الخليجي التي تمتلك نحو ثلث احتياطيات النفط في العالم ستعاني عجزًا مُجمعّا في الميزانية يصل إلى حوالي 6% من الناتج المحلي الإجمالي بحسب بنك «أرقام كابيتال» الذي يتخذ من دبي مقرًا له.

وقال «بنك قطر الوطني» في تقرير له إن أسعار النفط المنخفضة «ستجبر على إعادة تقييم البرنامج الطموح للاستثمار في البنية التحتية » في المنطقة. وأضاف أن قطر - التي تنفق على البنية التحتية لاستضافة نهائيات كاس العالم المقرر لها 2022م - من المُرجح أن تكون الاستثناء الوحيد. ودفع تراجع أسعار النفط بالفعل الاقتصاديين إلى خفض تقديرات النمو للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت العام المقبل؛ وفقًا لبيانات جمعها موقع «بلومبيرج».

ولم تحل عملية الإنفاق الزائد من قبل دول مجلس التعاون الخليجي مشاكل مثل ارتفاع البطالة بين الشباب؛ وخاصة في المملكة العربية السعودية والتي اقترب المعدل فيها من 30% في عام 2012م وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي. وقال صندوق النقد الدولي في يوليو من العام الماضي إنه على الرغم من النمو الإجمالي في التوظيف بحوالي 8.5% إلا إنّ نمو التوظيف للسعوديين بلغ 4.6% بين عامي 2010 و 2012م.

قطع الطريق أمام الاحتجاجات

لقد ساعد الإنفاق بسخاء في عدم وصول احتجاجات 2011م إلى المشيخات الخليجية.

وفي تلك السنة؛ قام العاهل السعودي الملك «عبد الله» بتخصيص حوالي 130 مليار دولار لخلق فرص عمل جديدة وبناء مساكن وزيادة الرواتب، في حين أن أمير قطر أمر بــ8.2 مليار دولار لزيادة المعاشات التقاعدية وتعويضات لموظفي الخدمة المدنية. وعندما اندلعت الاحتجاجات في البحرين – الدولة الوحيدة في مجلس التعاون الخليجي التي عانت اضطرابًا كبيرًا – بالإضافة إلى سلطنة عمان التي كانت أقل توترًا فقد تعهد الجيران في الخليج بما قيمته 20 مليار دولار كمساعدات.

ويكشف مؤشر «بلومبيرج» الخاص بنسبة النمو الاقتصادي لدول الخليج والمؤلف من (200) نقطة، عن انخفاض 9.2% في الأشهر الستة الماضية، بالإضافة إلى انخفاض مؤشر سوق المال السعودي «تداول» – أكبر سوق مالي عربي - بنسبة 12%.

ويقول - كريسبين هاويس - العضو المنتدب في شركة الأبحاث «تينيو إنتلجنس» في لندن، إن «تراجع أسعار النفط سيكون بمثابة اختبار حقيقي. في الماضي كانت تُحلّ المشاكل بأكياس من المال تُلقى وينتهي الأمر».

علاوة على ذلك؛ فإن تلك السيولة موّلت عملية حمّى الشراء العالمية سوف تواجه تعثراً. وتمتلك قطر - أغنى دولة في العالم على أساس نصيب الفرد – أسهمًا في متجر «هارودز» في لندن والبنوك مثل «بنك باركليز». كما أجرت شركة «الاتحاد للطيران» - الناقل الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة في أبوظبي - سلسلة من عمليات الشراء؛ منها الاستثمار بمليارات الدولارات في «خطوط الطيران الإيطالية».

وكانت دول مجلس التعاون الخليجي الغنية تدخر كما كانت تنفق. فالسعودية - أكبر اقتصاد في العالم العربي - شهدت قفزة في صافي أصولها الأجنبية بنسبة 80% إلى 773 مليار دولار منذ 2009؛ بحسب بيانات البنك المركزي. أما الإمارات العربية المتحدة وقطر فتمتلكان اثنين من أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم.

ومن جانبه؛ قال «جريجوري جاوس» رئيس قسم الشئون الدولية في جامعة «إيه آند إم تكساس» ، «أعتقد أنه من خلال تلك الصناديق والأموال المتوفرة فإن دول الخليج ستلجأ إلى الاستعانة بمواردها بدلاً من القيام بأي شي جاد حقًا».

لكن قبل أن تضطر إلى سحب مال من احتياطياتها فقد تستعيد أسعار النفط عافيتها، كما صرّح وزير النفط السعودي علي النعيمي في 21 ديسمبر في أبوظبي: «سيتعافى سوق النفط مع نمو الاقتصاد العالمي، وسيبقى النفط المصدر الرئيسي للطاقة لعقود مقبلة». وانخفضت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها في خمس سنوات في نهاية الأسبوع الماضي بعد أن قال النعيمي أن تراجع الأسعار أمرٌ مُؤقت.

تآكل الفوائض

وفي غضون ذلك؛ لا توجد ضمانات على أن استراتيجية الإنفاق قد تنجح لأن الاحتياطيات ربما لن تدوم من دون إجراء تعديلات اقتصادية كما قال «ناصر السعيدي» رئيس مؤسسة «ناصر السعيدي وشركاه» في دبي.

وأضاف «السعيدي» – الرئيس السابق للشئون الاقتصادية في مركز دبي المالي العالمي – «لقد تآكل الإنفاق الحكومي المتزايد في تلك الفوائض. أنت مضطرٌ لأن تتكيف مع انخفاض أسعار النفط. هذا يعني إما أن تبدأ في خفض الإنفاق أو تحتاج مصادر جديدة للدخل أو كليهما على حد السواء».

وتُبقي دول الخليج على دعم الوقود والطاقة عاليًا كوسيلة لنقل الثروة النفطية لمواطنيها. خفض الدعم مسألة حساسة سياسيًا؛ خاصة بعد السخط المحلي الذي قاد للإطاحة بحكومات تونس وليبيا ومصر منذ عام 2011م.

ويعترف زعماء خليجيون أنهم يترقبون أوقاتًا أكثر صعوبة في المستقبل. وقال «إبراهيم العساف» - وزير المالية السعودي – في وقت سابق من الشهر الجاري أن المملكة سوف تستخدم احتياطها المالي «كخط دفاع» أولي أمام انخفاض سعر النفط، كما ستواصل تمويلها مشروعات التنمية «العملاقة».

واعترف «درويش البلوشي» - وزير المالية العُماني - أن أصحاب القرار في السلطنة يدرسون مقترحًا بتجميد التعاقد مع العمال في القطاع العام؛ نظرًا لافتقار بلاده للأصول التي تمتلكها السعودية.

وفي الكويت - التي شهدت موجة من احتجاجات سلمية في عام 2011م - اعترف حاكم البلاد «الشيخ الصباح» في 9 ديسمبر أن أسعار النفط «وصلت إلى مستويات بدأت تؤثر سلبًا على الدخل العام وبرامج النمو الاقتصادي» في الكويت.

ونتيجة لذلك؛ فقد بدأ خبراء اقتصاديون يخفضون من تقديراتهم المتعلقة بالنمو. فبينما لا تزال توقعات نمو الاقتصاد السعودي تشير إلى 3.6% العام المقبل بحسب آخر دراسة نشرها موقع «بلومبيرج» بين 12 و17 ديسمبر الجاري مقارنة مع 4.2% في الأشهر الثلاثة التي سبقت ديسمبر، فإن هذا الرقم انخفض إلى 4% من أصل 4.2% في الاقتصاد الإمارات و2.4% من أصل 2.8% في نظيره الكويتي.

وتساءل وليامز «وعلى الرغم من ذلك؛ فإن الأسئلة الحقيقية على المدى الطويل: كيف تستطيع دول الخليج تحقيق نمو قبل أن تتمكن من العودة إلى مستويات الإنفاق العام المرتفعة دائمًا».

المصدر | جلين كاري ونفيسة سيد، البوكيرك جورنال