الأحد 19 يوليو 2015 03:07 ص

يفتح الاتفاق النووي الإيراني - الغربي المجال لإيران لزيادة إنتاج البترول وتصديره. وتشير تجارب الدول التي عانت حصاراً دولياً، إلى احتياجها فترة من الزمن لتمكين القطاع البترولي من الإنتاج بطاقاته العالية المنشودة. ويسمح الاتفاق لإيران بإعادة تطوير صناعتها البترولية بالتعاون مع شركات عالمية بدأت تهرع للاستثمار في الاحتياطات الإيرانية المهمة.

بلغ الإنتاج النفطي الإيراني ذروته، عند نحو 6 ملايين برميل يوميا، خلال النصف الثاني من السبعينات، أي في عهد الشاه «محمد رضا بهلوي». وقرر الإمام «الخميني» بعد الثورة تخفيض الإنتاج النفطي إلى نحو مليوني برميل يومياً. وانخفض هذا المعدل إلى مستويات أدنى خلال الثمانينات أثناء الحرب الإيرانية - العراقية.

وحاولت الحكومات المتعاقبة إنتاج معدل 4 ملايين برميل يومياً خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وتحقق هذا الهدف لفترة قصيرة، لكن معدل الإنتاج انخفض بسبب العقوبات الدولية وتضعضع القطاع النفطي، خصوصا بسبب سيطرة الشركات التابعة للحرس الثوري ونفوذها في إدارته. وخير مثال على ذلك التأخير في تطوير حقل «بارس» الغازي العملاق، الذي يشكل الجزء الإيراني لحقل «الشمال» الغازي القطري. ويتراوح معدل الإنتاج النفطي ما بين 3.5 - 3.7 مليون برميل يومياً منذ 2008.

وبلغ معدل الصادرات النفطية قبل الحصار نحو 2.2 - 2.3 مليون برميل يوميا، مقارنة بنحو مليون برميل يوميا أثناءه. وستحاول إيران الآن استعادة حصتها في السوق الدولية، وإعادة صادراتها إلى معدلاتها السابقة على الأقل أو زيادة حصتها في حال تمكنها من مزاحمة المصدرين التقليديين، ليتوجه جل الصادرات النفطية الإيرانية، إلى الاقتصادات الناشئة في آسيا (الصين والهند وكوريا الجنوبية)، إضافة إلى اليابان، وتتجه إمدادات إلى الأسواق الأوروبية (استوردت نحو 600 ألف برميل يومياً قبل المقاطعة) ودول أفريقية.

لكن متى يمكن أن تصل هذه الإمدادات إلى الأسواق؟ وفق الاتفاق النووي، لن تُرفع العقوبات فعلاً قبل أن تنتهي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من تقريرها الميداني النهائي حول مدى التزام طهران تعهداتها. ويرجَّح أن الوكالة ستتمكن من إعداد التقرير وإحالته على الدول الموقعة في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2015، وفي حال موافقة الدول الكبرى عليه إذا كان إيجابيا بالنسبة إلى تنفيذ التعهدات الإيرانية، يُفترض أن تُرفع العقوبات.

وهذا يعني أن الإمدادات الإيرانية الضخمة الجديدة لن تظهر في الأسواق قبل بداية 2016. من ثم، سيكون تأثير الاتفاق النووي في السوق النفطية محدودا خلال النصف الثاني من 2015. وقال وزير الخارجية الأميركية «جون كيري» بعد التوقيع على الاتفاق في فيينا «إن تخفيف العقوبات لن يبدأ قبل أن تلتزم إيران أهم التعهدات التي اتُفق عليها».

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، هناك مراجعة الكونغرس للاتفاق، يجب أن تجرى خلال 60 يوما ويمكن تكرار تجربة التحدي الشخصي لرئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتانياهو» للرئيس الأميركي «باراك أوباما». هذان النزالان يمكن أن يحرما «أوباما» من تسجيل انتصار في سجله الرئاسي. هو يستطيع أن يستعمل حق نقض قرار الكونغرس إذا اضطر إلى ذلك، لكن ذلك سيؤثر ذلك سلبا في حزبه الديموقراطي خلال الانتخابات المقبلة. أما «نتانياهو»، فتتوقع المصادر الإعلامية الإسرائيلية أن يقضي الاتفاق النووي الذي لا يزال يحاربه، على مستقبله السياسي. وفي الاتفاق آلية ما يعرف بإعادة فرض العقوبات تجنبا لأن تستغل إيران رفع العقوبات لتخل بتعهداتها. لكن إعادة فرض العقوبات ستتأخر لمدة 65 يوماً. وستظل الآلية مفروضة لعشر سنوات على الأقل.

بما أن سوق النفط، تشكل جزءا أساسيا من العولمة، ستؤثر عوامل أخرى فيها. هناك، مثلا، أزمة الديون اليونانية، والتوترات السياسية - العسكرية بين روسيا والغرب حول أوكرانيا، وتأثير فضيحة الرشاوى البليونية لشركة «بتروبراس» النفطية الوطنية البرازيلية في اقتصاد بلادها - وهو أحد اكبر الاقتصادات الناشئة. وهناك تذبذبات سوق الأسهم الصينية، والمحاولات الحكومية للدفع باستقرار السوق بعد الانهيار الذي عصف بها أخيراً. وهناك مستوى النفط الصخري الأميركي المخزن في الولايات المتحدة في انتظار عودة ارتفاع الأسعار. وهناك الخلافات المتوقعة في منظمة «أوبك» حول احتمال تعديل سقف إنتاج المنظمة.

يمكن أسواق النفط أن تتجاوز معظم هذه التداعيات، لكن تزامنها في الوقت نفسه مع قرب عودة الصادرات النفطية الإيرانية سيؤدي إلى استفحال المضاربات والإشاعات، بسبب تزامن ظواهر مهمة مربكة للأسواق في الوقت نفسه، وكيفية تفسير كل منها على حدة أو معاً. وستؤثر هذه المضاربات والإشاعات التي تلحقها، أكثر من غيرها في مستوى الأسعار سلباً أو إيجاباً، بغض النظر عن المستوى الفعلي لميزان العرض والطلب النفطي في العالم.

بالنسبة إلى النفط الذي تخزنه إيران على ناقلاتها في الخليج (نحو 40 مليون برميل)، فنصفه نفط خام ونصفه الآخر مكثفات. ويتوقع المراقبون أن تتمكن إيران من تصدير نحو 500 ألف برميل يوميا فور رفع العقوبات و500 ألف برميل إضافية في فترة لاحقة، فتستعيد تقريباً طاقتها التصديرية السابقة للعقوبات. وستبيع إيران نفوطها وفق المعدلات السعرية العالمية، لكنها قد تلجأ، في حال المنافسة الشديدة، إلى تسهيل معاملات الدفع من خلال تمديد مددها.

الأمر المهم بالنسبة إلى إيران هو التوصل إلى اتفاقات جديدة لتطوير حقولها ومنشآتها بشروط توافقية تخدم مصالحها ومصالح الشركات الدولية معاً. إن مصلحة إيران على المدى الطويل هي تطوير احتياطها البالغ 157 مليار برميل من النفط الخام و1200 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي. وبعدما انسحبت معظم الشركات النفطية الدولية منذ بداية الثورة، فإن استعادة عدد كبير من هذه الشركات أمر ليس سهلاً إذ يستدعي موافقة مجلس الشورى على الاتفاقات الجديدة، وسيثير معارضة مؤسسات الحرس الثوري التي ستخسر مصالحها لمصلحة الشركات الأجنبية. ويصعب على الشركات النفطية الأميركية العودة إلى العمل في إيران، إذ تواجه قوانين أميركية ليست ذات صلة بالملف النووي تمنعها من العمل فيها.