توقع المصريون الذين تظاهروا دعما لانقلاب "عبدالفتاح السيسي" في صيف 2013، على الأقل، هامشا من الحرية السياسية وتحسنا في وضع البلاد الاقتصادي.

ولكن بعد 7 سنوات، من الواضح أن المتظاهرين لم يحصلوا على ما كانوا يأملون فيه.

واليوم، مصر أكثر قمعاً وأسوأ حالاً من الناحية الاقتصادية مما كانت عليه في عهد "محمد مرسي"، أول رئيس منتخب ديمقراطياً في البلاد، والذي أطاح به "السيسي" بعد عام واحد فقط من ولايته الأولى.

وساعد قانون الاحتجاج الذي يجرم المظاهرات المناهضة للحكومة الدولة على سجن عشرات الآلاف من الناس.

وبشكل عام، لا تؤدي الانقلابات العسكرية تقريبًا إلى مستويات أعلى من الحرية السياسية أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان، وتقدم مصر اليوم برهانا جديدا على هذه الحقيقة.

فبالرغم من أن فترة حكم "مرسي" التي استمرت سنة واحدة لم تكن بالضرورة نموذجًا للكمال الديمقراطي، إلا أنها شهدت أجواءً مفتوحة وحرة وتنافسية، خاصة عند مقارنتها بالمناخ السياسي الحالي.

دولة الخوف

وقد بدأ نظام "السيسي" عهده بالتراجع الفوري عن جميع المكاسب التي تحققت بعد الانتفاضة الديمقراطية في مصر عام 2011، بما في ذلك تلك التي حققها "مرسي" خلال فترة ولايته القصيرة في منصبه.

أغلق نظام ما بعد الانقلاب وسائل الإعلام المعارضة على الفور، واعتقل القادة السياسيين، وحظر الأحزاب السياسية القيادية، ونفذ عدة مذابح ضد المتظاهرين، على رأسها مذبحتي رابعة والنهضة اللتين تعدان معا أكبر واقعة قتل جماعي لمتظاهرين في يوم واحد في التاريخ الحديث.

والأهم من ذلك، أقرت حكومة ما بعد الانقلاب أيضًا تشريعات شديدة القسوة؛ حيث ساعد قانون الاحتجاج الذي يجرم المظاهرات المناهضة للحكومة الدولة على سجن عشرات الآلاف من الناس. وتحتجز مصر حاليًا أكثر من 60 ألف سجين سياسي.

بالنظر إلى قانون الاحتجاج ومناخ الخوف، ربما ليس من المستغرب أن لا يشارك المصريون في احتجاجات مستمرة، حيث إن تاريخ حكومة "السيسي" في العنف ضد المتظاهرين، إلى جانب إطارها القانوني القمعي، قد قضى فعليًا على أي احتمالات للاحتجاج.

كما نجح نظام "السيسي" في تعزيز رواية إعلامية منفردة ومؤيدة للنظام. وقد تحقق ذلك من خلال عمليات إغلاق وسائل الإعلام، تزامنا مع حملة موسعة من الترهيب المسلح.

على وجه الخصوص، استخدم "السيسي" قانون الصحافة المصري، وقانون العقوبات، والدستور الجديد، وقانون مكافحة الإرهاب الجديد لإسكات الصحفيين الناقدين، مع وضع مواد تسمح للحكومة بمراقبة الصحفيين وتغريمهم واعتقالهم، وخاصة في القضايا المتعلقة بـ "الأمن القومي" المصري. واليوم، تعد مصر ثالث أسوأ بلد في معدلات سجن الصحفيين في العالم.

خلال عام 2019، منعت الحكومة عشرات الآلاف من نطاقات مواقع الويب التي تم إنشاؤها لمعارضة التعديلات الدستورية التي اقترحتها الحكومة، والتي سمحت "للسيسي" بتمديد حكمه حتى عام 2030.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت الحكومة تشديد الرقابة على التغطية الإخبارية للقضايا "الحساسة"، بما في ذلك وباء كورونا والصراع في ليبيا وسد النهضة الإثيوبي والتمرد في سيناء.

كما اعتقلت الحكومة مؤخرًا الصحفي "محمد منير" بسبب تغطيته لأزمة "كورونا"، وأقارب "محمد سلطان"، وهو مدافع بارز عن حقوق الإنسان، ومعتقل سابق ينتقد النظام من مقر إقامته في الولايات المتحدة. وفي الأسبوع الماضي، جرى اعتقال "نورا يونس"، رئيسة تحرير موقع "المنصة" الإخباري، لفترة وجيزة بعد أن داهمت الشرطة مكاتب الموقع، وفتشت أجهزة الكمبيوتر الخاصة به.

وفي الوقت نفسه، استخدمت وسائل الإعلام المصرية الموالية "للسيسي" جريمة قتل "جورج فلويد" في مينيابوليس لتبرير عنف الشرطة، حيث ادعت أن هذا العنف هو أمر طبيعي حتى في الدول التي تدعي أنها تحكمها المعايير الديمقراطية وسيادة القانون.

فشل اقتصادي

في الوقت نفسه، لم تنجح حتى الآن المشاريع الاقتصادية الكبرى التي قام بها "السيسي" في تحسين حياة المصريين، بما في ذلك العاصمة الجديدة، وتوسيع قناة السويس.

وتوقع "السيسي" أن يرفع توسيع القناة في أغسطس/آب 2014 إيرادات القناة من 5.5 مليار دولار في عام 2014 إلى 13.5 مليار دولار بحلول عام 2023. وبدلاً من ذلك، انخفضت إيرادات القناة أو زادت بشكل طفيف فقط في كل عام بعد التوسع. وفي عام 2018-2019، بلغت الإيرادات 5.8 مليار دولار، وهو أقل بكثير من التوقعات.

بالتزامن مع ذلك، تم تخفيض قيمة الجنيه المصري من 7 جنيهات مقابل كل دولار في يونيو/حزيران 2013، إلى 16.1 جنيها مقابل الدولار اليوم. وكان البرنامج الاقتصادي الرئيسي لمصر في عهد "السيسي" هو اقتراض عشرات المليارات من الدولارات من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والصين ودول الخليج، من بين مصادر أخرى.

ونتيجة لذلك، تضاعف الدين الوطني المصري 3 مرات تقريبًا منذ عام 2014، من حوالي 112 مليار دولار إلى حوالي 321 مليار دولار. وهذا الأسبوع، حصلت مصر على قرض إضافي بقيمة 5.2 مليار دولار من صندوق النقد الدولي. ويتم توجيه أكثر من 40% من موازنة مصر السنوية لسداد الفوائد على القروض.

وقد مكنت القروض الحكومة من تعزيز الاحتياطيات الأجنبية وغيرها من مؤشرات الاقتصاد الكلي، لكن المؤشرات الاقتصادية على المستوى الجزئي، تشير إلى أن المصريين لا يزالون يكافحون للوفاء بالمتطلبات الأساسية للحياة.

في هذا الصدد، ارتفع سعر السلع الأساسية بشكل كبير منذ تولي "السيسي" السلطة، وخاصة منذ إطلاق برنامج قروض صندوق النقد الدولي في أواخر عام 2016. وطلب ​​صندوق النقد الدولي من النظام خفض الدعم الحكومي على السلع الأساسية.

وبشكل عام، ارتفع معدل الفقر في البلاد من 26% عام 2013 إلى 33% عام 2018. ووفقًا لتقرير البنك الدولي لعام 2019، فإن حوالي 60% من المصريين إما "فقراء أو معرضون للفقر".

كما تلقى "السيسي" مليارات الدولارات على شكل منح من الإمارات والسعودية، وقد أتت هذه المنح بتكلفة كبيرة، حيث تركت مصر مدينة سياسيا لكلتا الدولتين.

ورغبة في الوفاء بهذا الدين، قام "السيسي" في عام 2016 بتسليم جزيرتين مصريتين إلى السعودية، وتواصل مصر إلى اليوم بيع المواقف السياسية لخدمة مصالح الرياض وأبوظبي.

ففي وقت سابق من هذا الشهر، هدد "السيسي" بعمل عسكري ضد الحكومة الليبية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة. وبشكل غير مفاجئ، قوبل هذا الموقف بشكل إيجابي من قبل كل من الإمارات والسعودية.

من الممكن أن يكون تهديد "السيسي" قد صدر لخدمة أغراض متعددة، على رأسها إرضاء رعاته في أبوظبي والرياض، وإلهاء مواطنيه عن سوء إدارة حكومته الفادح للوباء وقضية السد.

في ضوء ذلك، أصبح من الصعب اليوم أن نلتمس الأعذار لمنتقدي "مرسي" المتشددين في عام 2013، الذين ادعوا أن مصر تشهد دكتاتورية أكثر قمعية من عهد "حسني مبارك".

ولكن اليوم، تبدو فترة "مرسي" كفرصة ضائعة. ومن الواضح أن "مرسي" لم يكن قائداً مثالياً، لكن النظام السياسي الذي كرسته ثورة ما بعد 2011 ودستور 2012 كان سيسمح بالتنافس السياسي، وعلى المدى الطويل، ربما كان ليفكك نفوذ الدولة العميقة في مصر.

ومع ذلك، تكون الأسابيع والأشهر والسنوات المقبلة في عهد "السيسي" أكثر صعوبة بالنسبة للمصريين من السبعة الماضية، بعدما برهنت الدولة أنها غير مجهزة للتعامل مع أزمة الفيروس المستمرة، ناهيك عن تداعيات أزمة سد النهضة ومشكلة نقص المياه التي سيواجه المصريون تداعياتها في وقت قريب.

ومن المفارقات، أن فرصة مصر الوحيدة للنجاة قد تكون في انتفاضة شعبية أخرى، على أمل أن أي تحرك شعبي مقبل يمكن أن يؤدي إلى المزيد من الديمقراطية، وليس إلى تكريس القمع والديكتاتورية.

المصدر | محمد المصري/ميدل ايست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد