الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 06:49 م

كانت اتفاقيات "أبراهام" نتاجا لتحول هيكلي يتطور ببطء في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط أدى إلى مواءمة المصالح بين دول الخليج و(إسرائيل). كانت أهم هذه المصالح معارضة التهديد الذي تشكله إيران ووكلائها في جميع أنحاء المنطقة. وقد نجحت الإدارة الأمريكية الحالية في تحديد هذا التحول الهيكلي ولعبت دورا إيجابيا كمحفز دفع الفاعلين نحو الاعتراف الرسمي.

تكمن ديناميكية مماثلة في أساس كل اتفاقيات السلام السابقة الناجحة بين إسرائيل والدول العربية؛ مع مصر عام 1979، والأردن عام 1994. وفي كل حالة، كان هناك أولا توافق أساسي على المصالح؛ ونتيجة لذلك الاصطفاف، أدركت كل دولة الفوائد التي يمكن أن يجنيها اتفاق سلام رسمي. عندها فقط كان للولايات المتحدة دور إيجابي لتلعبه في المساعدة على تحفيز الأطراف لاتخاذ الخطوة التالية. لا تستطيع الولايات المتحدة صنع سلام بين لاعبين إقليميين غير مستعدين، لكنه ضروري لتحفيز وتشجيع التقدم بمجرد الاعتراف بالمصالح المشتركة الأساسية.

لعبت إدارة "ترامب" هذا الدور بمهارة استثنائية في عام 2020. حسنا، في الواقع، كانت هناك تكهنات حول إمكانية التطبيع بين (إسرائيل) والسعودية.

في الواقع، فإن دعم واشنطن القوي لاحتياجات الرياض الأمنية، والموقف الواضح ضد سعي إيران للهيمنة الإقليمية، ودعم الإجراءات السعودية في اليمن، والاستعداد لتجاهل الانتقادات لسياسات الرياض الداخلية هي التي سمحت حتى بإمكانية حدوث تحول رسمي في موقف المملكة من إسرائيل.

لكن السياسات، التي يراها المرشح الرئاسي الديمقراطي "جو بايدن" للشرق الأوسط، ستقوض تماما أي إمكانية قائمة للتقدم نحو التطبيع بين إسرائيل والسعودية. وذلك لأن "بايدن" ومستشاريه صرحوا بشكل لا لبس فيه بأنهم يعتزمون عكس جميع الجوانب المذكورة أعلاه لسياسة الولايات المتحدة الحالية في الشرق الأوسط، بعبارة أخرى، عكس جميع السياسات التي سمحت لاتفاقيات "أبراهام" بأن تؤتي ثمارها.

جادل مستشار السياسة الخارجية لـ"بايدن"، "جيك سوليفان"، بأن الولايات المتحدة "يجب أن تزيل تماما جميع أشكال الدعم للقتال المستمر في اليمن"، إضافة إلى تبني رغبة أكبر للضغط على الرياض بشأن أوجه القصور في حقوق الإنسان المحلية. صاغ "بايدن" نفسه مؤخرًا مقال رأي يحدد خطته لتجديد الانفراج مع طهران. قدم مستشار السياسة الخارجية الأعلى لـ"بايدن"، "توني بلينكين"، نفس الحجة في عدد من المناسبات: يجب على واشنطن التخلي عن سياستها الحالية المتمثلة في ممارسة أقصى قدر من الضغط على إيران ومواصلة المفاوضات المباشرة على الاتفاق النووي لعام 2015.

ستشكل المقترحات المذكورة أعلاه تغييرات جذرية في السياسة الحالية. إذا أخذنا بعين الاعتبار برنامج "بايدن" ككل، فإن برنامجه هو في الأساس أن تقول الإدارة الأمريكية لـ"محمد بن سلمان": "انظر، لن نبيع لك أي صواريخ أخرى لعملياتك ضد وكلاء إيران في اليمن. نحن نتخلى عن سياسة الضغط الأقصى ضد إيران، وبدلاً من ذلك سنسعى إلى إقامة علاقة أكثر تصالحية مع أكبر خصم لك وأخطر تهديد جيوسياسي. كما أننا لسنا سعداء بجوانب ثقافتك السياسية وسجل حقوق الإنسان لديك، ونتوقع رؤية التغييرات إذا كنت ترغب في الحفاظ على دعمنا. لكن مهلا، هل تمانع في اتخاذ الخطوة الدرامية والتاريخية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل؟".

في الواقع، أعربت السعودية، ثم جامعة الدول العربية لاحقا، منذ عام 2002، عن استعدادها (نظريا) للاعتراف بإسرائيل بإعلان مبادرة السلام العربية. كانت المشكلة هي أن المطالب التي قدمتها المبادرة لإسرائيل كانت غير موضوعية تماما، مثل الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود ما قبل عام 1967، وتنفيذ "حق العودة" الفلسطيني، وهو التعبير العربي الملطف عن التخريب الديمجرافي لإسرائيل. لن تقبل أي حكومة إسرائيلية مثل هذه الشروط؛ لذا فإن أي احتمالات للتطبيع كانت قد ماتت عند الوصول منذ ما يقرب من عقدين.

كان التغيير الأخير في سياسة الولايات المتحدة تجاه القضية الإسرائيلية الفلسطينية هو الذي غير الديناميكية. بدلا من تقديم مطالب غير معقولة ولا أساس لها من الصحة إلى إسرائيل للحصول على تنازلات إقليمية، أظهرت إدارة "ترامب" استعدادها لمواكبة الخطط الإسرائيلية لتأكيد السيادة على أجزاء من وادي الأردن. وقد وضع هذا بطاقة جديدة تماما على الطاولة. كان التهديد الحقيقي بالضم هو الذي فتح الباب للتطبيع. كانت دول الخليج مهتمة بالتطبيع لمصالحها الخاصة، لكنها كانت بحاجة إلى حافز آخر لاتخاذ الخطوة التالية. بمجرد أن كان الضم مطروحا على الطاولة، كان هناك تنازل يمكن لإسرائيل أن تقدمه بشكل معقول؛ لأن تأجيل تأكيد السيادة لفترة غير محددة أمر يمكن حتى لليمين الإسرائيلي التعايش معه. يمكن لدولة الإمارات بعد ذلك أن تثبت أنها حققت شيئا ملموسا باتخاذ الخطوة الأخيرة.

لكن "بايدن" ومستشاريه يعتزمون عكس ذلك أيضا. كما أوضح هو وفريقه بشكل واضح لعدة أشهر، يرفض "بايدن" بشدة أي احتمال لبسط السيادة الإسرائيلية على أراض إضافية.

من المبادئ الأساسية في المفاوضات أنه يمكن كسر الجمود عن طريق إضافة المزيد من الأبعاد إلى المزيج الذي يمكن تداوله بعد ذلك. ولكن من خلال الرفض الاستباقي حتى لمفهوم أن إسرائيل يمكن أن تمضي قدما في بسط سيادتها على الأراضي الحيوية في المستقبل، فإن "بايدن" سيفعل العكس تماما: سوف يزيل أبعاد التفاوض ويعمق حالة الجمود.

 سيقرر الأمريكيون في نوفمبر/تشرين الثاني من سينتخبون رئيسا لهم، وستعمل إسرائيل وتتعاون مع أي شخص يضعه الشعب الأمريكي في البيت الأبيض. يأمل المرء أن يكون من يتخذ القرارات في واشنطن منفتحا على تعلم دروس اتفاقيات "أبراهام" فيما يتعلق بما يصلح في الشرق الأوسط اليوم وما لا يصلح، وأن يكيّفوا أفعالهم وفقًا لذلك. إذا كان "بايدن" يرغب في تعزيز العملية التاريخية التي بدأت مع "ترامب"، فقد يرغب في التفكير في الاحتفاظ بقدر أكبر من الاستمرارية مع السياسات الأمريكية الحالية في المنطقة. سيكون هذا لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل وشركائهم العرب.

المصدر |  رفائيل بن ليفي/ معهد بيغن والسادات – ترجمة وتحرير الخليج الجديد