الأربعاء 18 مايو 2022 08:57 ص

أطلق الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" أجراس إنذار هذا الأسبوع معلنا تحفظه على انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو. يعد موقف أنقرة مهما في هذا الصدد حيث يتوقف قرار العضوية على التصويت بالإجماع، كما أن تركيا لديها ثاني أكبر جيش دائم في الناتو.

ويبدو أن الغالبية العظمى من أعضاء الناتو يؤيدون انضمام فنلندا والسويد. ويأمل أعضاء الناتو في الموافقة على الطلبات في قمة الشهر المقبل. ومن شأن أي فيتو تركي محتمل أن يعقّد جهود الحفاظ على الوحدة عبر الأطلسي في مواجهة الغزو الروسي.

وتعكس تكتيكات الضغط التي يتبعها "أردوغان" مناورات نظيره القوي رئيس الوزراء المجري "فيكتور أوربان" حيث يهدد "أوربان" وحدة الاتحاد الأوروبي نتيجة رفضه مقاطعة واسعة النطاق للطاقة الروسية. وفي الواقع نقلت حرب أوكرانيا مركز ثقل الناتو إلى شمال أوروبا بعيدًا عن الطرف الجنوبي الذي ترسو عليه تركيا.

وفي وقت سابق، رفضت الإمارات والسعودية طلبات الولايات المتحدة لزيادة إنتاج النفط من أجل خفض الأسعار ومساعدة أوروبا على تقليل اعتمادها على الطاقة الروسية. لكن يبدو أن الدولتين الخليجيتين تراجعتا بهدوء عن رفضهما.

ففي أواخر أبريل/نيسان الماضي، استأجرت شركة "توتال" الفرنسية ناقلة لتحميل خام أبوظبي إلى أوروبا، وهي أول شحنة من هذا النوع منذ عامين. واستخدمت السعودية بهدوء آليات التسعير الخاصة بها لإعادة توجيه "الخام العربي الوسيط" من آسيا إلى أوروبا (الخام العربي الوسيط يعد أقرب بديل لـ"الأورال" الروسي الذي تم إنشاء مصافي التكرير الأوروبية من أجله).

وربط "أردوغان" اعتراضه على رغبة فنلندا والسويد بدعمهما لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كمنظمة إرهابية. ويشار إلى أن تركيا على خلاف مع الولايات المتحدة بشأن الدعم الأمريكي للميليشيات الكردية في الشمال السوري. وتؤكد تركيا أن حلفاء أمريكا في سوريا متحالفون مع حزب العمال الكردستاني.

وفي إشارة إلى طلبات الانضمام للناتو، قال "أردوغان" إن "الدول الإسكندنافية هي بمثابة بيوت ضيافة للمنظمات الإرهابية". وتتعلق اعتراضات "أردوغان" بشكل أساسي بالسويد، وربما يأتي الموقف من فنلندا كنتيجة ثانوية.

وتعد السويد موطنا لمجتمع كردي مهم وتستضيف أفضل فريق كرة قدم كردي في أوروبا يتعاطف مع حزب العمال الكردستاني وتطلعات الأكراد الأتراك. بالإضافة إلى ذلك، هناك 6 أعضاء في البرلمان السويدي هم من أصل كردي.

وقال الباحث التركي "هوارد إيسنستات" إن "معارضة تركيا قد تكون نقطة تحول.. الكثير من المرونة الإستراتيجية التي تمتعت بها تركيا جاءت من حقيقة أن أولوياتها يُنظر إليها على أنها قضايا هامشية بالنسبة لحلفائها الغربيين لكن انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو ليس هامشيًا على الإطلاق".

ويظهر الاعتراض التركي قدرة الشرق الأوسط على إخراج السياسة الأمريكية والأوروبية عن مسارها في أجزاء أخرى من العالم. وتسير دول الشرق الأوسط على خط رفيع عند استخدام إمكاناتها للتعطيل لتحقيق أهداف سياسية خاصة بها. ويوضح التراجع الحذر بشأن إمدادات النفط مخاطر سياسة حافة الهاوية في الشرق الأوسط.

وتخاطر تركيا بتعريض التحسن الكبير في علاقاتها المتوترة مع الولايات المتحدة للخطر. ودفعت الوساطة التركية في الأزمة الأوكرانية والدعم العسكري لأوكرانيا الرئيس الأمريكي "جو بايدن" إلى المضي قدمًا في خططه لتحديث أسطول تركيا من الطائرات المقاتلة "إف-16" بالرغم أن تركيا لم تقم بإدانة روسيا ولم تشارك في فرض عقوبات عليها.

ويرى بعض المحللين أن تركيا قد تستخدم اعتراضها لاستعادة الوصول إلى برنامج الطائرات المقاتلة الأمريكية "إف-35". وقد ألغت الولايات المتحدة في عام 2019 بيع الطائرة لتركيا بعد شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس-400".

لقد فعل "أردوغان" هذا النوع من التكتيك من قبل. ويقول الأدميرال البحري الأمريكي المتقاعد "جيمس فوجو": "إن أردوغان يستخدم الرفض كوسيلة ضغط للحصول على صفقة جيدة".

وبدا أن "إبراهيم كالين"، أحد كبار مساعدي "أردوغان"، يؤكد تحليل "فوجو"، حيث قال "نحن لا نغلق الباب"، في إشارة إلى تصريحات الزعيم التركي، مضيفا: "لكننا نثير هذه القضية بشكل أساسي من باب الأمن القومي لتركي.. بالطبع نريد إجراء نقاش ومفاوضات مع نظرائنا السويديين".

وأوضح "كالين" المطالب التركية، قائلاً: "ما يجب القيام به واضح: عليهم حظر منافذ حزب العمال الكردستاني وأنشطته وهيئاته". وقد تكون لسياسة حافة الهاوية التي يتبعها "أردوغان" حدودها، لكنها توضح ضرورة عدم تجاهل احتياجات دول الشرق الأوسط.

ومع ذلك، فإن إشراك المستبدين في الشرق الأوسط لا يعني بالضرورة تجاهل انتهاكاتهم المتفشية لحقوق الإنسان وقمع الحريات. ويكمن التحدي في تطوير سياسة توازن بين مطالب الحكام المستبدين، المزعجة في بعض الأحيان، مع الحاجة إلى البقاء مخلصين للقيم الديمقراطية.

لذلك يتطلب هذا درجة من الإبداع في صنع السياسات وهو ما يبدو نادرا.

المصدر | جيمس دورسي | أوراسيا فيو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد