الثلاثاء 10 فبراير 2015 07:02 ص

لقد أصبح من البداهة أن تأجيج معظم الصراعات الطائفية في منطقة الشرق الأوسط اليوم تقوم بها الجمهورية الإيرانية والمملكة العربية السعودية إلى حدٍ ما. وقد وصف بعض الخبراء العسكريين الوضع السياسي المتدهور يوما بعد يوم في اليمن - والذي دفع المتمردين الحوثيين الشيعة إلى الإطاحة بالرئيس «عبد ربه منصورهادي» - بأنه نتيجة لــ«حرب بالوكالة» بين السعودية وإيران في اليمن.

هاتان الدولتان العدوتان ينظر إليهما كثيرون على أنهما سبب فيما يحدث في المنطقة من توتر وقلق، ولكن نادرا ما يكون هناك تحقق من ذلك أو مناقشة له.

لقد حان الوقت للغرب أن يعرف بدقة لماذا تبدو المملكة العربية السعودية ودول عربية أخرى قلقة للغاية بشأن التهديد الإيراني. وينصب معظم التعليق الغربي الخاص بالتهديدات الاستراتيجية في الشرق الاوسط على التهديدات الجهادية العنيفة من الجهات الفاعلة غير الحكومية والتهديد النووي الإيراني لإسرائيل. لكن الواقع أكثر تعقيدا وينطوي على المصالح الاستراتيجية الحيوية للولايات المتحدة وأوروبا وآسيا.

خداع التهديد النووي

ولكي نبدأ بالقضية النووية؛ فمن المهم أن نتذكر أن إيران ليس لديها أسلحة نووية في الوقت الحاضر، وأن إسرائيل دولة تمتلك أسلحة نووية متطورة بصواريخ مُسلحة حرارية يمكنها أن تصل إلى أي مدينة أو هدف رئيسي في إيران. وفي نفس الوقت؛ فإن إيران لديها كل الأسباب لتركيز كل خطابها السياسي على إسرائيل باعتبارها تهديدا وهدفا، بما يبرر دعمها لغزة و«حزب الله» في لبنان. لذا فإن المسألة النووية تصرف المخاوف العربية بعيدا عن قدرة إيران المتنامية على تهديد الدول العربية وتقسيم العالم العربي وتعزيز قدرة إيران على تهديد تدفق صادرات النفط الخليجية.

ولدى إيران بالفعل من الصواريخ والقاذفات ما يتيح لها الوصول إلى أي هدف في الخليج ومعظم الأهداف في منطقة الشرق الأوسط. ولكن هذه الإمكانيات تفتقر إلى الدقة والفتك الذي من الممكن أن يسبب ضررا كبيرا لأهداف في دول الخليج العربي والدول المجاورة الأخرى باستخدام تلك الرؤوس الحربية التقليدية. لقد هرمت القوات الجوية الايرانية وأصابتها الشيخوخة وباتت في حالة من الاهتراء، ولا تُقارن على الإطلاق بقدرات المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والقوات العربية الأخرى - التي لديها قدرات عسكرية هجومية ودفاعية أكثر تطورا حصلت عليها من الغرب - بالإضافة إلى دعم الولايات المتحدة وبريطانيا والقوات الجوية والبحرية الفرنسية وأي قوات بإمكانك توقعها في حالة الطوارئ.

ورغم ذلك؛ فإنه إذا كان بإمكان إيران الحصول على الرؤوس الحربية النووية، فإن هذا من شأنه أن يُغيّر جذريا التوازن ضد الدول العربية التي لا تمتلك الأسلحة النووية. كما أن من شأنه أيضا أن يرفع مستوى التهديد الذي قد تشكّله إيران، كما قد يساعدها على ردع جيرانها العرب وحلفائهم من استخدام ما يمتلكونه من مزايا في المجال الجوي. وهذا هو ما يقلق المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى بشدة بشأن مفاوضات دول الخمس الكبرى زائد واحد مع إيران. ولا ترى حكومات تلك الدول تهديدًا للسلاح النووي الإيراني تجاه إسرائيل بقدر ما تراه تهديدًا نوويًا للعالم العربي.

وليس ما سبق سوى فصل واحد فقط من القصة متعددة الفصول. فدول الخليج العربية ترى البنية الرئيسية الإيرانية من طيران وصواريخ وصواريخ مضادة وزوارق وألغام ذكية وغواصات وغيرها من التهديدات مثل مشاة البحرية الإيرانية والقوات الخاصة للملاحة في الخليج والسواحل. ويمكن للقوات الإيرانية الآن أن تصل إلى خليج عمان والمحيط الهندي.

هذا التهديد الإيراني الحقيقي والجاد بالنسبة لدول الخليج العربي - والذي يُضاف إلى تهديد تدفق الصادرات النفطية للاقتصاد العالمي - لا يقل أهمية عن تهديدها النووي. وذلك هو السبب وراء تحرك المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي الأخرى - وكذلك الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا - إلى عمل حشود من قوات واستعدادات بحرية وجوية وحرب ألغام، فضلاً عن الدرع الصاروخية في الخليج.

نفوذ إيراني عابر للحدود

المملكة العربية السعودية ودول عربية رئيسية أخرى مثل أعضاء آخرين في مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر لديهم سبب لخوف مشابه من توسع دور إيران في المنطقة وجهود إيران لتقسيم العالم العربي. لقد دمر الغزو الذي قادته الولايات المتحدة قدرة العراق على ردع واحتواء إيران. وساعدت واشنطن الشيعة الذين يتمتعون بعلاقات قوية مع إيران في الوصول إلى السلطة، وأعطت إيران نفوذًا أكثر بكثير في العراق، وسمحت لقوات فيلق القدس الإيرانية والحرس الثوري بكسب نفوذ بالغ في العراق على حساب القوات العسكرية والمليشيات الشيعية هناك. ولا يزال العراق بعيدًا عن الرادار الإيراني، ولكن الصراعات بين السنة والشيعة، والحاجة إلى دعم إيران في محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية»، والانقسامات السياسية العميقة تعطي إيران فرصة كبيرة.

ووصلت إيران أيضًا إلى الشيعة في البحرين ولبنان والمملكة العربية السعودية واليمن والعلويين ونظام الأسد في سوريا، بالإضافة إلى فصائل سنية مثل حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين. ومثل العراق؛ فإنه لا يوجد ضمن أي من هذه المجموعات «وكلاء». بمعنى أن إيران لا تملك القدرة للإملاء عليهم أو إعطاء الأوامر بتوجيه أعمالهم. ورغم ذلك؛ فإن إيران لا تزال تهدد الدول العربية من خلال تشجيع الأقليات الشيعية على معارضة النظام وتدريب وتسليح فصائل صغيرة داخلها.

وقد عملت إيران على توفير تحويلات ضخمة من الأسلحة مثل الصواريخ والقذائف لحزب الله في لبنان وبعض الأسلحة والأموال إلى الحوثيين في اليمن. كلاهما قوات تحمل الأيدلوجية الشيعية ولها قيادتها الخاصة، وتظهر القليل من الاهتمام بدعم المرشد الأعلى في إيران أو أن تصبح تابعة لإيران، لكنها في الوقت ذاته تعطي إيران القدرة على القيام بوظيفة المفسد في تقسيم العالم العربي وتوسيع نفوذها. وينطبق الشيء نفسه على دعم إيران لنظام الأسد، والتي أجبرت الكثير من دول العالم العربي أن تنظر إلى كل من نظام «الأسد» وتنظيم «الدولة الإسلامية» على أن كليهما تهديدات متساوية. وكل ما تريده إيران من الاهتمام بحماس أو الفلسطينيين أو حتى إسرائيل هو استخدامهم لخلق توترات جديدة بين العرب وإسرائيل فضلاً عن كونهم وسيلة إلهاء استراتيجي رئيسية.

هذه هي الأسباب التي تجعل المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية الأخرى تشتري بقيمة 50 مليار دولار أسلحة جديدة. كما أن تلك الدول  مهمة وحاسمة بنفس القدر للمصالح الغربية، وهذا هو السبب في أن الولايات المتحدة تحافظ على قوات وقدرات جوية ودفاعية وصاروخية وبحرية وقوات خاصة في منطقة الخليج، وهو الداف أيضاً لبريطانيا وفرنسا كي تقوما بإنشاء قواعد بحرية جديدة هناك. إيران تشكل مزيجًا من التهديدات المعقدة أكبر بكثير من مجرد التهديدات الناتجة عن قدراتها النووية الوليدة، والأكثر من ذلك؛ أنها ستبقى في مكانها بغض النظر عن نتائج مفاوضات الخمس زائد واحد. 

اقرأ أيضاً

تلميحات نووية دقيقة في اجتماع سعودي باكستاني

مسؤول إيراني: إيران اليوم الأكثر اقتدارا في المنطقة .. وحرب النفط آخر أداة للسعودية ضدنا

الشرق الأوسط أنفق 150 مليار دولار على التسلح عام 2013 .. الإمارات والسعودية تتصدران عربيا

الحرس الثوري الإيراني: لا يوجد بلد توصل لتقنية صواريخنا .. ولدينا ما يدهش الأعداء

«تركي الفيصل» لـ«لوموند»: الحرس الثوري الإيراني يتباهى بالسيطرة على 4 عواصم عربية

"الخطة البديلة" لإيران إذا انهارت المحادثات النووية ليست سهلة

«أصدقاء الشيطان»: العلاقات الأمريكية الإيرانية أبعد من مجرد اتفاقٍ نووي

الثمن الباهظ للتخلي عن اليمن

السلاح النووي السعودي.. حقيقة أم افتراء صهيوني غربي ؟

السعودية ترى انتصارات الحوثيين مكاسب لإيران

اطلبوا وسائل القتل ولو في الصين: السعودية تنضم لسباق التسلح بالطائرات بدون طيار

الرسائل التي يبعثها استعراض صواريخ السعودية

إسرائيل تستخدم أموالا إيرانية مصادَرة

الوحدة العربية .. ضرورة حتمية

إيران تحتجز سفينة إماراتية لعدم استخدامها «الخليج الفارسي» في وثائق العبور

المصدر | أنطوني كوردسمان، بلوجز رويترز