الجمعة 10 يوليو 2015 08:07 ص

تميز الاجتماع الأخير لمنظمة الأقطار المصدرة للنفط «أوبك» في فيينا مطلع الشهر الفائت بظاهرة لافتة، وهي احتشاد الصحافيين حول وزير النفط الإيراني «بيجان زنغنة»، الذي يبدو أنه تقاسم اهتمام وسائل الإعلام مع نظيره السعودي المهندس «علي النعيمي»، ولسبب وجيه.

فمع الاتفاق النووي الإيراني مع الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة، الذي سعى الطرفان الى إبرامه نهاية يونيو/حزيران ثم مددوا مدة التفاوض لأيام، يتصاعد احتمال رفع المقاطعة الاقتصادية للنفط الإيراني، ما سينعكس على السوق النفطية وعلى الأسعار التي لا تزال تعاني من الانخفاض الحاد الذي بلغ 40% منذ العام الماضي. 

ويمكن لزيادة الصادرات النفطية الإيرانية أن تضيف صعوبات إلى مسعى الدول الأعضاء في «أوبك» بحيث يمكن أن يصبح السعر بين 70 - 80 دولارا للبرميل.

ومع أن التركيز في اجتماع «أوبك» نصف السنوي ذاك كان على المحافظة على سقف الإنتاج الرسمي للمنظمة في معدله السابق، وهو 30 مليون برميل يوميا، وذلك في إطار استراتيجية حماية حصتها في السوق النفطية، إلا أن مستقبل النفط الإيراني حصل على اهتمام مماثل. «زنغنة» لم يهدر الفرصة التي توفرت له إعلاميا فأبلغ الصحافيين أنه أخطر زملاءه في المنظمة أن يستعدوا لاستيعاب الكميات الإضافية من النفط الإيراني العائد إلى الأسواق، مضيفا أن طهران لا تحتاج إلى قرار من «أوبك» في ذلك لأنه حقها.

كما قال وزير الخارجية الأميركية، «جون كيري»، في مؤتمر صحفي، إن الولايات المتحدة مستعدة لتخفيف العقوبات الاقتصادية على طهران بدون الحسم النهائي لقضية مشاركة العلماء الإيرانيين في برنامج سري لتطوير السلاح النووي، مضيفا أن المهم ليس ما فعلوا في الماضي وإنما أن نشاطاتهم تلك توقفت وأنه يمكن مراقبة عملهم مستقبلا. وكانت هذه واحدة من القضايا العالقة في المفاوضات.

حجم الاحتياطيات

احتلت إيران مرتبة المنتج الثاني بعد السعودية الى ما قبل سنوات أربع، حينما كانت تنتج 3.6 ملايين برميل يومياً. ثم تراجع حجم الصادرات إلى ما يزيد قليلا على المليون برميل بسبب العقوبات الاقتصادية التي استهدفت قطاع النفط والمؤسسات المصرفية. ترجمة هذا الى لغة الفلوس يعني أن دخل إيران من مبيعات النفط والغاز والسوائل الأخرى الذي كان في حدود 118 مليار دولار في السنة المالية 2011/2012 (تنتهي في آذار/مارس من كل عام) تراجع بعد تنفيذ المقاطعة الى 56 مليارا في العام 2013/2014، كما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي.

ويقول «زنغنه» الذي عمل من قبل وزيرا للنفط، وأعيد تعيينه في المنصب ذاته بعد فوز «حسن روحاني» برئاسة الجمهورية، إن بلاده يمكنها زيادة إنتاجها بحوالي مليون برميل يوميا، حال رفع العقوبات، وإن اجمالي طاقتها الإنتاجية يمكن أن يبلغ 5 ملايين برميل يوميا في العام 2020. على أن مصادر مستقلة في الصناعة النفطية ترى أن طهران يمكنها فعلياً اضافة 800 ألف برميل يوميا في فترة تتراوح بين 6 إلى 12 شهرا بعد رفع العقوبات.

هذا مع الأخذ بعين الأعتبار أن إدارة «أوباما» تحتاج إلى فترة تتراوح بين 6 أشهر إلى 18 شهرا لتأمين موافقة الكونغرس ومن ثم رفع الحظر الاقتصادي على إيران.

تتمتع إيران باحتياطيات نفطية ضخمة اذ يقدر حجم المخزون المؤكد لديها بحوالي 158 مليار برميل، بما يضعها في المرتبة الرابعة بعد السعودية وفنزويلا وكندا من ناحية الاحتياطي، والذي يمثل 10% من المخزون العالمي و13% من احتياطي «أوبك». كذلك تحتل إيران المرتبة الثانية بعد روسيا باحتياطيات الغاز الطبيعي التي تصل الى 1.2 ترليون قدم مكعب.

وتوصف الاحتياطيات الإيرانية بأنها سهلة الاستغلال لأنها مكتشفة منذ زمن سابق، كما أن 70% منها يوجد على اليابسة، ولكن المناخ السياسي الغربي المعادي أفقدها تدفقات رأسمالية وإمكانيات تقنية تعتبر ضرورية لرفع الطاقة الإنتاجية.

وتقدر بعض مراكز الدراسات المتخصصة في الشؤون النفطية أن هناك حاجة لضخ استثمارات بقيمة 20 مليار دولار خلال فترة السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة كي تمكن استعادة شيء من العافية للصناعة النفطية الإيرانية، وفق فريدون فيشاراكي رئيس الدار الاستشارية «فاكتس غلوبال أينرجي»، مضيفا أن على طهران أن تستفيد من تجاربها السابقة وتبدي مرونة في مفاوضاتها مع الشركات الدولية في العروض التي تطرحها عليها، خاصة في جانبي عقود الخدمات وتلك المتعلقة بالاستكشاف والإنتاج.

وقد أسهم «زنغنه»، إبان توليه الوزارة في المرة السابقة، في تحقيق نجاحات تمثلت في استقطاب استثمارات ضخمة لقطاع النفط، أدت إلى إعادته إلى الوزارة بل أصبح يطلق عليه لقب وزير الخارجية الثاني.

الشركات الغربية

واستعدادا لهذه المرحلة، عقد «زنغنه» اجتماعات مع ممثلين لثلاث شركات أوروبية كبرى هي «أيني» الإيطالية و«توتال» الفرنسية و«رويال دتش شل» الهولندية/البريطانية، بالإضافة إلى الشركة الروسية «لوك أويل» ووصيفتها الصينية «شركة النفط الوطنية الصينية»، حيث طرحت مسودات لاتفاقيات، وذلك للحصول على إفادات من تلك الشركات بشأنها حتى يمكن بلورتها بصورة نهائية.

ويتردد أن اجتماعات مع شركات أميركية مثل «أكسون موبيل» و«كونوكو فيليبس» يخطَّط لها في النصف الثاني من هذا العام، بعد أن تتضح الصورة في ما يخص نتائج الاتفاق النووي بين طهران وواشنطن. ومن مظاهر المرونة المقترحة من قبل طهران في العقود الجديدة، تمديد فترة العمل بها بصورة ملحوظة قياسا بالمدى الزمني الذي كان سائدا في العقود السابقة.

الصيغة المقترحة يطلق عليها «العقد البترولي المتكامل» ويقوم على شراكة بين مؤسسة أجنبية وأخرى إيرانية، وبموجبها تقوم الشركة الأجنبية بكل العمليات من الاستكشاف إلى التطوير والانتاج ثم تحصل على استحقاقاتها وأرباحها من مبيعات الحقول المنتجة لكن بدون أن تكون شريكا قانونيا. ويمكن لهذا العقد أن يستمر لفترة تتراوح بين 20 إلى 25 عاما، كما أضيف إليه مجال زيادة الاستخلاص النفطي من الحقول. وتكتسب هذه النقطة أهمية كون غالبية الإنتاج النفطي الإيراني تتم حاليا من حقول تعمل منذ 70 عاما، الأمر الذي الى تراجع في إنتاجها.

العودة المتوقعة للنفط الإيراني ستثير قضيتين: الأولى تتعلق بالأسعار التي لا تزال تتأرجح بين 50 - 60 دولارا للبرميل. وفي تقدير إدارة الطاقة الأميركية، أن أسعار النفط يمكن أن تتراجع العام المقبل بنحو 5 الى 15 دولارا للبرميل حال عودة النفط الإيراني إلى الأسواق. أما القضية الثانية فهي ما يمكن أن تثيره طهران من ضرورة إفساح المجال لنفطها في إطار الحصص المتفق عليها بين الدول الأعضاء، لأن تلك الدول تمددت في السوق على حساب النفط الإيراني الذي انقطع عنها. وأعربت بعض الدول، مثل العراق والاكوادور، عن تعاطفها مع إيران في هذه القضية وضرورة أن تفسح الدول الأعضاء مجالا للنفط الإيراني العائد، بينما تبنى الأمين العام لأوبك «عبد الله البدري»، الليبي الجنسية، موقفا دبلوماسيا بالقول إن المنظمة سوف تناقش هذه القضية عندما تُطرح بصورة رسمية، لكن إيران لا تبدو منشغلة بما تقوله أو تقرره «أوبك».

الدول الغربية والمستهلكة عموما تنظر إلى إمكانية عودة النفط الإيراني إلى الأسواق نظرة إيجابية، كونه سيوفر إمدادات إضافية يمكن أن تغطي على أي انقطاع في الانتاج من ليبيا أو نيجيريا أو العراق، وبالتالي يوفر خيارات وضمانات أفضل للدول المستوردة للنفط. وتشير بعض التقديرات إلى ان لدى إيران نحو 30 مليون برميل في مخزونات عائمة تنتظر التفريغ، ولهذا فعلى السوق المتخمة فعلا أن تستعد إلى المزيد من العرض والإمدادات لأن إنتاج «أوبك» الحالي يتجاوز بأكثر من مليون برميل، سقفها الرسمي وهو 30 مليون برميل يوميا.

ويتبع هذا أن استعادة أيران لحصتها في السوق سترتبط بلا شك بسياسة تسويقية جريئة، لأن موازنتها تقوم على أساس أن يكون سعر البرميل 92.5 دولارا للبرميل، وذلك حتى يمكن تجنب العجز في الميزانية. ضخ المزيد من النفط للتعويض عن العائد المنخفض سيؤثر قطعا في الأسعار بصورة سلبية، على الأقل في البداية وإلى أن يرتفع الطلب بصورة تستوعب المزيد من العرض.

لكن الباحث في قضايا الطاقة «دانييل يرغن»، مؤلف كتاب «الجائزة» الذي يلخص تاريخ صناعة النفط العالمية، يتوقع أن يشهد الطلب على النفط نموا هذا العام بسبب تراجع الأسعار والانتعاش الاقتصادي في العديد من الدول الرئيسية. إلا أن العام المقبل سيشهد عودة التخمة الى السوق، بسبب الإمدادات الإيرانية المتوقعة، إلى جانب النمو في الإنتاج النفطي الأمريكي بفضل زيادة الفعالية التقنية التي تسهم في خفض تكلفة إنتاج النفط الصخري وزيادة نسبة استخلاصه من المكامن.

* كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط.

اقرأ أيضاً

الاتفاق النووي الإيراني المرتقب سيزيد «الحرس الثوري» ثراء

مسح: إيران ستزيد صادراتها النفطية 60% خلال عام إذا توصلت لاتفاق نووي

واردات آسيا من النفط الإيراني تسجل أعلى مستوى هذا العام

«شل» تبحث إمكانية الاستثمار بإيران في حال رفع العقوبات

تقرير: أمريكا ستواجه منافسة من إيران إن لم ترفع الحظر عن صادرات النفط الخام

وكالة الطاقة الدولية تتوقع مزيدا من الانخفاض في أسعار النفط

خبراء: الاتفاق النووي يعزز التجارة الخليجية الإيرانية والنفط يعرقلها

أسعار النفط ترتفع مع تراجع المخزون الأمريكي

التحدي القادم لإيران: مغازلة مستثمري النفط

مدير وكالة الطاقة الدولية يتوقع استمرار النفط قرب 45 دولارا لـ«فترة طويلة»

واردات آسيا من النفط الإيراني ترتفع نحو 10% خلال أغسطس الماضي

واردات كوريا الجنوبية من النفط الإيراني تقفز 43% في سبتمبر

إيران تزيد إنتاجها من النفط 500 ألف برميل يوميا خلال أسبوع من رفع العقوبات

إيران: لا نحتاج تصريحا من «أوبك» أو غيرها لزيادة إنتاج النفط

هبوط واردات 4 دول آسيوية من النفط الإيراني 8.5 % في أكتوبر

الكويت تتوقع ارتفاع حصة إيران النفطية في أوبك العام المقبل

وزير النفط السعودي: الطلب العالمي قادر على استيعاب ارتفاع الإنتاج الإيراني

النفط يهبط مع ترقب الأسواق لزيادة صادرات النفط الإيرانية

إيران ستورد 300 ألف برميل ⁧‫نفط‬⁩ لشركات أوروبية

مسؤول روسي: تحسن العلاقات السعودية الإيرانية سيساعد أسعار النفط