الجمعة 24 أكتوبر 2014 10:10 م

تشكل منهجية وممارسة الاختفاء القسري من قبل السلطات الأمنية جريمة ضد الإنسانية كما تم تعريفها في القانون الدولي، ولم تجرم الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري من فراغ ولم يأت تشديدها بعدم جواز تعريض أي شخص للاختفاء القسري سواء بررت السلطات المختصة هذا الإجراء أو لم تبرره أو سواء تعلق الأمر بحالة حرب أو التهديد باندلاع حرب، أو بانعدام الاستقرار السياسي الداخلي، أو بأية حالة استثناء أخرى، لتبرير الاختفاء القسري.

وفي كل بنود ومواثيق وعهود وقوانين حقوق الإنسان يأتي تجريم «الاختفاء القسري» بكل صوره من اعتقال أو احتجاز أو اختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون إلا دليلا صارخا على ارتكاب الدولة جريمة من جرائم ضد الإنسانية.

دولة الإمارات وتحديدا منذ عام 1994 بعدما دشنت المرحلة الأولى من تجفيف منابع المعارضة والإصلاح السياسي الذي كانت تتبناه منظمات وجمعيات النفع العام بدأت تمارس الإخفاء القسري ليشمل المواطنين والمقيمين على حد سواء، ونظرا لأن الإمارات كان لها رمزا سياسيا يتجسد في شخصية الشيخ «زايد» بمواقفه الإنسانية والمقدرة على المستويات الرسمية والشعبية داخل الدولة وخارجها كان جهاز أمن الدولة يمارس الإخفاء القسري مستغلا حب الشعب للشيخ «زايد» وإرهابا لهم بأن هذه الإجراءات والانتهاكات الاستثنائية بهدف الحفاظ على مكتسبات الدولة في عهد الشيخ «زايد» وخشية تعريض الدولة لمهددات تفكيك اتحادها الرابط بين الإمارات السبع منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي.

محامي بدرجة ملاكم

يروي أحد ممن وقع عليه الاختفاء القسري في الإمارات وتضلع جسده من حجم انتهاكاته المصاحبة والتي حظرتها الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري في أحد مراكز التوقيف التابعة لجهاز أمن الدولة أنه وبعد علمه أنه موقوف لدى جهاز الأمن فطلب وهو على مقعد المتهم في بداية الجلسة الأولى للتحقيق معه بحضور محاميا ومندوبا عن سفارة بلده لحضور التحقيق، وكانت المفاجأة له بحسب ما روى، استجابة فورية لطلبه من قبل ضابط التحقيق بمثابة رسالة طمأنينة أنه في أيد أمينة!

وزاد من هذه الطمأنينة استماعه لنص مكالمة ضابط التحقيق لأحد معاونيه عبر الهاتف بإحضار محامي للمتهم والاتصال بسفارة بلده لتوفير مندوبا لحضور التحقيق وفقا لرغبة المتهم..

حتى اللحظة كان المتهم حسن الظن بجهات التحقيق التي تركته حوالي ساعة تقريبا في حجرة التحقيق انتظار لحضور سعادة المحامي.

بعد قليل دخل ضابط التحقيق الغرفة موجها سؤالا للمتهم المعصوب عيناه: هل لا زلت عند طلبك بحضور محاميا لحضور التحقيق؟ فأجاب المتهم بنعم ، فقال الضابط: «اتفضل ياسيادة المحامي شوف شغلك القانوني»، وأمر ضابط التحقيق المتهم بالوقوف وهو يكلم سعادة المحامي!

هنا لحظة الاستفاقة بدأت تتسرب إلى شرايين وأوعية المتهم.. فالمحامي الذي انتظره ما هو إلا رجل أمن بدرجة «ملاكم» انهال ضربا على المتهم باللكمات الموجعة في الوجهة الأيمن والأيسر وأسفل البطن وبين الفخذين أطاحت بالمتهم يمينا ويسارا بكل جنبات غرفة التحقيق حتى أقعدته عن الحركة ونزفت الدماء من بين فمه وأذنيه وتركت عاهات مستديمة حتى لحظة كتابة هذا التقرير.

بعد قليل وجه ضابط التحقيق سؤالا تهكميا للمتهم: «هذا هو المحامي.. هل لا زلت عند طلبك بحضور مندوبا عن سفارة بلدك؟» فكانت إجابة المتهم: يكفيني المحامي الآن!!

مسؤولية المنظمات الحقوقية وأهالي المختفين

هذه القصة وغيرها من خفايا الإخفاء القسري بالإمارات تضع المنظمات وأهالي المختفين على المحك وتطرح السؤال السادس في سلسلة حلقاتنا عن دور المنظمات الحقوقية وأهالي الموقوفين «المعتقلين» تجاه أرواح ذويهم؟ وللإجابة عل هذا السؤال وفي ظل ما صدرت التقرير به من حقوق وقصص تعبر عن جريمة الاختفاء القسري الذي تمارسه الإمارات أشير إلى:

أولا: تتحمل المنظمات الدولية الجادة مسؤولية في فضح هذه الممارسات والقيام بأعمال منهجية للوقوف على حقيقة ما يجري داخل مراكز الاعتقال والسجون.. فعلى سبيل المثال لا الحصر:

عندما تخرج منظمة حقوقية وتدعي أنها التقت المعتقلين في محبسهم واستمعت إليهم دون أن تلتقط عدسات الكاميرا صورا للمنظمة مع المساجين المعنيين يكون ذلك بمثابة طعنا صارخا في مصداقية هذه المنظمة أو تلك..

عندما تصدر منظمة تدعي مسؤوليتها في حماية حقوق الإنسان وتشيد بدولة الإمارات في مجال حقوق الإنسان بصفة عامة ولا تبرهن على ما ذهبت إليه في تقريرها حول كل بند من بنود حقوق الإنسان ودور الدولة فيه يكون حجب وسحب هذه المنظمة من سجلات المنظمات الحقوقية. 

عندما يصرح أحد القضاة ممن أسندت له الدولة نظر قضية ما من الدرجة الأولى ويحنث في قسمه بأن العدالة هي أقصى أمانيه ويدعي كذبا وزورا أن المسجونين يحظون بالرعاية ويحصلون على كافة حقوقهم التي نصت عليها القوانين المحلية والدولية يكون ذلك طعنا في المؤسسات العدلية بالدولة..

عندما يشتكي المسجونون لقضاة التمديد عن سوء المعاملة وحجم الانتهاكات التي يتعرضون لها بسبب الاختفاء القسري فتكون إجابته صادمة «أنت في سجن ولست في فندق» تكون كل الإجراءات التي تجري على الأرض خاوية من مضامينها التي وضعت من أجلها.

عندما يتحكم جهاز الأمن والمعاونون والموالون له من سلطات مختلفة في قواعد سير القضية وإجراءات التقاضي تكون المحاكمات وما تنتجه من أحكام مسرحيات هزلية لا ترقى إلا لمستوى مسرحية «شاهد مشفش حاجة».

ثانيا: مسؤولية أهالي المعتقلين والمسجونين لا تقل أهمية عن دور المنظمات وبالتالي توثيق الانتهاكات التي تقع على ذويهم وإرسالها للمنظمات الحقوقية وتوكيل محامين شرفاء ومحترفين للتقاضي باسمهم أمام المحاكم الدولية هي من الأهمية بمكان في معركة مواجهة سلطات الاستبداد في الإمارات.

ثالثا: أهالي المعتقلين والمسجونين تقع عليهم مسؤولية أخرى لا تقل عن مسؤولية تعرية وفضح أساليب الانتهاكات التي تقع لذويهم لتشمل توجيه رسائل تهديد لمن يهدد أمنهم وسلامتهم واستقرارهم استجابة لنزوات وشهوات نفوذ دولي تسعى الدولة للحصول غير عابئة بالمجتمع الدولي الذي تسعى للانخراط فيه.

 

في الحلقة القادمة: نجيب على السؤال السابع : لماذا لا تعبأ الإمارات وتضرب بعرض الحائط كل الدعوات المطالبة بالتزامها بتطبيق مواثيق ومعاهدات حقوق الإنسان التي وقعتها؟

اقرأ أيضاً

الإخفاء القسري والتعذيب والكذب ... فلسفة عمل الأجهزة الأمنية في الإمارات

سجل حافل للإمارات في الإخفاء القسري رغم الانتقادات الدولية

«لحظات عصيبة في معسكرات الاعتقال بأبوظبي»

القبض على مواطن حر في الإمارات من الألف إلى الياء ... الحلقة الأولى: «إلى أبوظبي »!

الإخفاء القسري والتعذيب في الإمارات وجهان لسلطة قمعية واحدة

وقفة احتجاجية أمام الأمم المتحدة بجنيف تنديدا بالقمع الأمني في الإمارات

«الدولي للحقوقيين» يدين الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري بالإمارات

«الدولي للعدالة» يؤكد تدهور الحالة النفسية والصحية لمعتقلي الإمارات

«الكرامة» تناشد الأمم المتحدة بالتدخل لكشف مكان احتجاز «الشوا» بالإمارات

ائتلاف حقوقي دولي يدعو الإمارات إلى إيقاف الاعتقالات التعسفية وإطلاق سراح السجناء

مركز حقوقي يطالب السلطات الإماراتية بالإفراج عن «البحري» و«الحلو»

جزائري يتهم سلطات الإمارات باعتقاله 8 أشهر وتعرضه للتعذيب بعد نهب أمواله

«الإبعاد» .. سيف الإمارات المسلط علي رقاب المقيمين العرب!

مستشار قانوني إماراتي يفضح انتهاكات الأجهزة الأمنية في بلاده لحقوق الإنسان

الإمارات تعتقل 3 بريطانيين لقيامهم بـ«مراقبة طائرات مدنية» بمطار الفجيرة

منظمات حقوقية تطالب حاكم دبي باستخدام نفوذه لإطلاق سراح «الركن»

السلطات الإماراتية تنقل «خالد العجمي» إلى سجن الوثبة

تقرير دولي يكشف انتهاكات قضاء الإمارات لمواثيق وحقوق الإنسان (3-4)

تنديد دولي باستمرار التعذيب والإخفاء القسري للمعارضين في الإمارات

المصدر | الخليج الجديد